قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


ربما يعتقد بعض الخبراء والمحللين أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قد أقدم على "تجرع كأس السم" للمرة الثانية في تاريخ إيران بمنح الضوء الأخضر لمفاوضيه لتوقيع الاتفاق النووي مع مجموعة "5+1" في فيينا مؤخرا، وهذا الاعتقاد ينطلق من قراءة مغلوطة لمحتوى خطبة خامنئي بمناسبة عيد الفطر المبارك، والتي وصف فيها الولايات المتحدة الأمريكية بـالمستكبرة، وأكد فيها استمرار بلاده في دعم ما أسماها "الدول الصديقة والشعوب المضطهدة في المنطقة". وهذه القراءة المغلوطة قائمة على أن إيران قدمت تنازلات لتوقعي الاتفاق وهذا أمر صحيح نسبيا وليس بشكل مطلق لأن أي اتفاق سياسي يستلزم بداهة تنازلات من الجانبين، ولكن القراءة الدقيقة لمضمون الاتفاق وجرد حسابات المكاسب والخسائر يشير في محصلته إلى أن طهران هي الرابح اقتصاديا وعسكريا واستراتيجيا ويكفى انها انتزعت اعترافاً دويل بكونها قوة اقليمية نووية سلمية، وبالتالي يصبح أي اعتداء عسكري عليها مستقبلاً من جانب إسرائيل أو غيرها بمثابة خرق للقوانين والأعراف الدولية، فضلا عن مكاسب تجارية وعسكرية واقتصادية وسياسية أخرى يصعب حصرها في هذه المساحة الضيقة. وهذا لا ينفي أن الغرب أيضا قد ربح استراتيجيا، وعلى وشك تحقيق مزيد من الأرباح الاقتصادية تحديدا، ولكن المجمل يؤكد ان قادة إيران لم يتجرعوا كأس سم جديدة بل تبادلوا كؤوس المصالح مع الغرب.
من خلال متابعتي الدقيقة لمسار المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني طيلة العامين الماضيين وماقبل ذلك بسنوات طويلة، يمكن التوصل إلى بعض القناعات التحليلية التي تلخص المشهد الراهن في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية، أولها أن البيت الأبيض يراهن على هذا الاتفاق في إعادة هندسة المعادلات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث تشير قراءة أبعاد هذا الاتفاق بعمق إلى رغبة أمريكية دفينة في توظيفه لما هو أبعد من الملفات الاقليمية ضيقة الأفق والتأثير عالميا، إلى حدود التأثير في هيكلية النظام العالمي ذاته، حيث تدرك واشنطن أن بناء علاقات ايجابية مع إيران، بكل ما تمتلكه من مصادر الطاقة الأحفورية (نفط وغاز) يعزز قدرات الدبلوماسية الأمريكية مستقبلا في احتواء المارد الصيني، ويجعل مناطق الطاقة الدولية في الخليج العربي مرتبطة بعلاقات وثيقة بنفوذ واشنطن، وهذا بدوره يدعم فرص نجاح استراتيجية "آسيا أولاً" التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات مضت سبيلاً لإحكام السيطرة وتعزيز قبضة النفوذ على النظام العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين.
الأمر الثاني أن هناك استبعاد للعودة أمريكياً إلى فكرة "شرطي الاقليم" وتنصيب إيران قوة إقليمية مهيمنة على منطقة الخليج العربي، فهذا المشهد بمفرداته وتفاصيله بات من الماضي ودفن مع طي صفحة الحقبة الشاهنشاهية في تاريخ إيران، فالخلافات الأيديولوجية القائمة بين إيران والغرب بشكل عام لا تجعل فكرة الاعتماد على إيران شرطياً إقليمياً أمراً مقبولاً لأسباب واعتبارات عدة معقدة ومتداخلة، ولكن هذا لا ينفي في المقابل وجود احتمالية عالية وقابلة للتحقق بشأن بناء علاقات مصالح وشراكات اقتصادية قوية بين طهران والغرب، الذي سال لعابه على "كعكة" الصفقات التجارية مع إيران بمجرد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، حيث بادرت ألمانيا إلى حجز مقعد السفر لنائب وزير خارجيتها إلى طهران ملوحا بسقف العشرة مليار دولار للتبادل التجاري بزيادة قدرها سبعة مليارات دولار ونسف سنويا،وسبقه في الزيارة مسؤولون استراليون وسيلحقه أوروبيون آخرون وربما أمريكيين بعد تمرير الاتفاق نهائيا على المستوى التشريعي الأمريكي. والأرجح أن تسعى واشنطن إلى محاولة ايجاد صيغة متوازنة استراتيجياً في علاقاتها عبر ضفتي الخليج العربي، مع توظيف النفوذ الإيراني في حلحلة أزمات المنطقة والابقاء على صيغة علاقات وظيفية مع الأطراف العربية الخليجية لضمان استمرار علاقات المصالح والشراكات الاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية. ومن ثم يصبح من الطبيعي أن تكون طهران هي اللاعب الرئيسي في ملفات عربية عدة بموافقة ضمنية أمريكية خلال الفترة المقبلة، ويصبح الدور الإيراني في هذه الملفات مرهون بقدرة طهران على ايجاد صيغة تقاسم للمصالح مع واشنطن وتفهم لغة السياسة الأمريكية الجديدة كما فعلت الصين في العقدين الأخيرين حين انتقلت من مربع العداء الأيديولوجي إلى مربع الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، وبالتالي فإن إيران قد تدرس التجربة الصينية في إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة بشكل جيد إن لم تكن قد درستها بالفعل، لأن طهران في هذه المرحلة أمامها نموذجان أحدهما يتعلق بكوريا الشمالية التي سبق لها أن وقعت اتفاقاً نووياً مع الغرب ثم خرقته وعادت إلى أجواء العداء، والآخر هو نموذج الصين التي أفلحت في الاقتراب الحذر من القوة العظمى الوحيدة وحققت نجاحات اقتصادية واستراتيجية هائلة على هذا الصعيد.
الأمر الثالث أن من الضروري التعاطي بحذر مع الخطاب الايراني المتشدد ظاهريا تجاه الولايات المتحدة في مرحلة مابعد الاتفاق النووي، فليس من المنطقي ولم يكن متوقعاً الانتقال من مربع العداء التام إلى مربع قد يوصف بالاستسلام والخنوع من جانب المحافظين المتشددين في الداخل الإيراني، لاسيما في ظل حقيقة وجود هؤلاء المحافظين، وعلى رأسهم قادة الحرس الثوري الإيراني، في صدارة الخاسرين جراء توقيع الاتفاق النووي وانفراج طوق الحصار حول الاقتصاد الإيراني، باعتبارهم طرفاً أساسياً مستفيداً من استمرار الحصار والعقوبات طيلة السنوات الماضية. كما أن النظام الإيراني ذاته قد اكتسب قدراً كبيراً من شرعيته الداخلية والخارجية على أنقاض الحروب والصراعات والمواجهات والأزمات التي يفتعلها مع الجانب الأمريكي. علاوة على أن الخطاب المتشدد ذاته لم يفقد وظيفته السياسية إذ أن طهران أمامها شوط طويل يتعلق بتطبيق بنود الاتفاق ومايتخللها من مساومات ولي أذرع وضغوط متبادلة تتطلب الابقاء على المواقف حتى تتكشف الأمور وتصل إلى نقطة الأمان. ومن ثم فإن العداء لأمريكا أو الشيطان الأكبر كما ظلت توصف لسنوات طويلة في الخطاب السياسي الإيراني، لن يتحول في لحظة إلى تراث من الماضي، بل قد يظل قائم بشكل ظاهري للضغط على الغرب لضمان المرونة في تنفيذ بنود الاتفاق المعقد، فضلا عن خشية طهران من انهيار المصداقية السياسية للنظام في عيون أنصار وأتباعه في الداخل والخارج، وبحيث يتم التراجع تدريجيا عن نبرة العداء ومع كل كسب سياسي واستراتيجي يتحقق سيتم كسب مساحات ثقة جديدة في عيون الأصدقاء والترويج للاتفاق باعتباره انتصاراً وفر هذه المكاسب، ومن ثم يصبح التحول النوعي المتوقع تدريجيا في الخطاب السياسي التاريخي للنظام الايراني بمرور الوقت بمنزلة تحصيل حاصل!
الأمر الرابع أن خامنئي تحدث في خطبة عيد الفطر عن عدم حدوث تغير في سياسة بلاده حيال الولايات المتحدة، وهذا كلام غير واقعي ولا ينطلي على أي مراقب لأن توقيع الاتفاق ذاته يعني ببساطة تحول السياسات الإيرانية من العداء إلى التفاهم ولا أقول الشراكة أو التحالف أو غير ذلك من مفاهيم يرددها بعض الخبراء والمتخصصين. فالتفاهم هو الشعار الأقرب للتطبيق في المرحلة الراهنة والجانبان لا يحتاجان إلى ما هو أكثر من ذلك بحكم القاعدة القائلة بأن "المصالح تتصالح" كما ذكرت من قبل وأنكر البعض على توقعي هذا.
الأمر الخامس أن حديث خامنئي بشأن عدم حدوث تحول في دعم بلاده لما وصفهم بالمستضعفين والمظلومين ليس مفاجئاً لأحد لأن مصالح العرب لم تكن مدرجة على أجندة مفاوضات الاتفاق النووي، ولم يعدنا أحد بذلك بل ربما توقع البعض منا أن يراعي المفاوض الأمريكي مصالح العرب في الأزمات المشتعلة في اليمن والعراق وسوريا وهذا أمر ينطوي على مبالغة في تقدير حسن نوايا الآخرين، أي أننا ربما نراهن على عملة غير متداولة في بورصات السياسة العالمية
وختاما، قد يكون من المبكر التفكير في حدوث تحولات جذرية في معادلات الأمن الاقليمي بناء على نتائج الاتفاق النووي، ولكن في جميع الأحوال فإن هذه التحولات باتت على الأبواب، سواء نجح الجانبان في تطبيق الاتفاق والالتزام ببنوده أو فشلا في ذلك، فالاتفاق في جميع الأحوال يمثل بداية مرحلة جديدة في المشهد الاقليمي، والإشكالية الأخطر أن العرب يلعبون دور المراقب ولا يمتلكون بدائل استراتيجية واضحة للتعامل مع التطورات المتسارعة لاحداث كانت متوقعة منذ أكثر من عامين.
&