قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عاد تنظيم "داعش" الإرهابي للقفز إلى واجهة الأخبار والأحداث مجدداً عبر تفجير إجرامي لحفل زفاف في أفغانستان، أودى بحياة عشرات الضحايا الأبرياء، وأعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الهمجي، الذي لا يبدو أن له هدف سوى بث الذعر وإرسال رسالة قوية تثبت وجود هذا التنظيم الإرهابي في أفغانستان!

يدرك المتخصصون أن هذا الأسلوب هو نهج تنظيم "داعش" الذي اتبعه من قبل في بداياته في العراق وسوريا، حيث يستهدف المدنيين ويعمل على تقويض الأمن والاستقرار ونشر الذعر في أوسع دائرة ممكنة من أجل نزع الثقة في السلطات القائمة على الأمن تمهيداً لإعلان التنظيم بسط السيطرة على منطقة معينة، ثم تولي مسؤولية السيطرة على الفوضى الناجمة عن ممارساته وغياب الدولة والبدء بتحقيق أولى مراحل عمله في إطار نظرية "إدارة التوحش" التي تمثل الأساس الفكري والتنظيمي لعمل التنظيم في مختلف دورات حياته.

يدرك "داعش" أن هناك حاجة ماسة لإثبات قدرته على العودة مجدداً لساحة الفعل والتأثير بعد انهيار دولته المزعومة في العراق وسوريا، ومن ثم فإن الفترة المقبلة ربما تشهد نشاطاً مكثفاً له في مناطق "اختبار" عدة منها ليبيا وأفغانستان وربما اليمن وغير ذلك من مناطق تعاني الفوضى وغياب الامن وانهيار سلطة الدولة بسبب الصراعات الطائفية وتغول الميلشيات المسلحة في هذه الدول.

لا يمكن لعين أي مراقب أن تغفل عن مؤشرات معينة ارتبطت بالتفجير الانتحاري في أفغانستان منها استمرار المفاوضات بين حركة "طالبان" والولايات المتحدة، والتي تشهد تقدماً يقترب بها من اتفاق ينهي الوجود العسكري الأمريكي الذي استمر نحو عقدين في أفغانستان، حيث يدرك "داعش" أن انسحاب القوات الأمريكية سينجم عنه فراغ أمني محتمل سيعمل التنظيم على استغلاله والتمدد فيها وسيخوض في سبيل ذلك صراعاً محتملاً مع حركة "طالبان" والقوات الحكومية الأفغانية. والمؤشر الثاني أن الهجوم الإرهابي الأخيرة قد وقع في منطقة غالبية سكانها من الشيعة الأفغان، وهذا النهج الاجرامي سبق لداعش تنفيذه في العراق، من خلال إشعال صراع طائفي بهجوم على الشيعة لجلب رد فعل مضاد وإشعال مواجهات يتم توظيفها في تجنيد عناصر من السكان السنة للانضمام للتنظيم عبر فرز طائفي مدمر يقضي على جهود الحكومة الأفغانية في تحقيق الأمن والاستقرار وانهاء عوامل الفتنة في البلاد التي عانى شعبها الكثير من ويلات الحروب والصراعات طيلة العقود الماضية.

الحقيقة أن خطر تنظيم "داعش" لن ينتهي بالسهولة التي يتوقعها البعض، فالظهور الأخيرة لقائد التنظيم أبو بكر البغدادي في مايو الماضي قد كشف عن استمرار التنظيم فيما أسماه بـ "الجهاد" وتوعد بشن حرب استنزاف ضد "أعدائه"، فالتنظيم المهزوم لن يستسلم لأنه فكر التنظيمات يختلف عن فكر الدول، فالتنظيمات تقتات على "الجهاد" المزعوم وتكتسب عناصرها مصادر تمويلها من استمرارها في تنفيذ أفكارها سواء لمصلحة ذاتية أو بتحريك من جهات ذات مصالح عابرة للجغرافيا أو من خلال تلاقي أهداف الطرفين معاً كما يحدث في أحيان كثيرة.

أفغانستان تمثل حاضنة مهمة للتنظيم في ظل ضعف التنمية وضعف قبضة الدولة وسيطرة حركة "طالبان" على الكثير من المناطق، كما يتوقع أن يجد التنظيم دعماً من أطراف خارجية عدة لها مصلحة سواء في تحجيم نفوذ "طالبان" أو في الإبقاء على التنظيم كفزاعة في لعبة الأمم وصراعات المصالح الاستراتيجية التي أوقعت بأفغانستان في فخ الفوضى منذ سنوات وعقود طويلة مضت.

المؤكد أن "داعش" لا يمتلك "فكرة" دينية أو سياسية يمكن مناقشتها أو دحضها فهو تنظيم طفيلي أيديولوجي قائم على العنف وسفك الدماء، واستقطاب وتجنيد الساخطين والباحثين عن الشهرة والحياة الغريبة من الشباب شرقاً وغرباً، فهو ليس كالأجيال السابقة من تنظيمات الإرهاب، بل يتفرد بكونه معاد للجميع، ينطلق من فكرة عشوائية معادية للأخلاق والمبادئ والتطور الحضاري والإنساني، وللدول والمجتمعات والأديان جميعها وإن اتخذت من الإسلام شعاراً، ولا يرى منظروه سوى ذواتهم وأحلامهم في دولة خلافة مزعومة يبنونها على أنقاض مدمرة ويستحلون من خلالها كل المحظورات والمحرمات، لذا فليس هناك من سبيل للتعامل مع هذه الأفكار العبثية التي شهد التاريخ مثلها الكثير في حقب وازمنة مختلفة، سوى القضاء عليها نهائياً عبر قبضة أمنية استئصالية صارمة والحد من مصادر تغذيتها مثل أسباب وعوامل التخلف والفقر وغياب العدالة الاجتماعية والفساد والبطالة وغير ذلك من الأسباب التي انتجت هذه الآلاف من المنخرطين في صفوف "داعش" من عشرات الدول، شرقاً وغرباً، والأمر في ذلك لا يقتصر على العالم الإسلامي، بل هناك شريحة كبيرة من الشباب المسلمين من رعايا دول غربية انخرطوا في صفوف "داعش" في سوريا والعراق لأسباب واعتبارات تستحق الدراسة والتحليل والخروج بخلاصات واستنتاجات لمعالجة أسباب هذه الظاهرة.

"داعش" هُزم عسكرياً في العراق وسوريا ولكن الفكرة لا تزال تحت الرماد، فالحفاظ على الوجود ذاته هو جوهر التنظيمات الإرهابية، التي اثبتت التجارب انها تمتلك قدرة على تغيير جلدها والتلون وفق بيئات مختلفة، فما بالنا بتنظيم تشير التقديرات الأمنية إلى أن عدد عناصره التي انتشرت بعد تفككه في سوريا والعراق تتراوح بين 20 ـ 30 ألف مقاتل لم يعودوا لدولهم الاصلية خشية المحاكمة والسجن، ناهيك عن خلاياه المنتشرة في مناطق مثل ليبيا وجنوب الفلبين وأفغانستان، ومن ثم فإن استمرار الضغوط وملاحقة "داعش" في كل دول العالم ومناطقه مسألة حيوية للأمن والاستقرار العالمي، فالخطر في بقاء أيديولوجية العنف وسفك الدماء، وليس فقط في تردد اسم التنظيم مصحوباً بالحديث عن دولة مزعومة.