قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

في كتابها البديع "معك"، تتحدث الفرنسية سوزان طه حسين عن أول زيارة لها الى بلدة "كوم امبو" مسقط رأس زوجها عميد الأدب العربي، وصاحب كتاب "الأيّام" ، وتقول إنّ حمويّيها الصّعدييّن المسلمين المتمسّكين بالتقاليد، استقبلاها بحفاوة بالغة .وبعد الاستراحة ،وتبادل التحيّات مع الأهالي، اقترح والد طه حسين على زوجة ابنه الشابة المسيحيّة، والتي كانت تعتمر قبّعة، القيام بجولة في البلدة. وبالرغم من أنه كان شيخا وقورا معمّما، فإنه لم ير بأسا في أن يأخذ بذراع تلك المرأة التي تنتمي الى ثقافة أخرى، والى دين آخر، وأن يسير معها في الشوارع المتربة وهي سافرة! وأمّا الحماة التي كانت ترتدي الجلاّبيّة الصّعيديّة ،وتُبصم، و"تكسر أربعين بيضة لإعداد العجّة العائليّة"، فقد سألت ابنها الدكتور عن نوع النبيذ الذي يجب شراؤه للاحتفاء بزوجته الفرنسيّة. وهذه الأخيرة التي لم تكن تشرب الخمر على الإطلاق، سوف تعلّق في ما بعد على ذلك قائلة بإنها كانت "في منتهى التأثّر من هذا الاهتمام الوديّ" الذي به أحيطت في تلك البلدة النائية ، وسوف تضيف قائلة :”والآن عندما يتحدثون (تقصد الأوروبيين) عن التّعصّب الإسلامي، فإني لا أملك نفسي عن الابتسام والغضب".

وفي الحوار المسهب الذي أجراه معه الناقد المرموق رجاء النقاش، والذي نشر في كتاب صدرت طبعته الأولى عام 1998،يتحدث الكاتب الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب عن السيّدة والدته التي كانت تحبّ التردّد على "المتحف المصري"، وتجد متعة كبيرة في قضاء أغلب الوقت في حجرة "الموميّات"، والحال أنه كان ينبغي عليها، وهي المرأة المسلمة التي كانت تقوم بزيارات أسبوعية الى مقام الحسين، ومسجد السيدة زينب أن تنفر من تماثيل الفراعنة، ومن أصنامهم !ويذكر نجيب محفوظ أيضا أن والدته كانت تذهب لزيارة الآثار القبطية، خاصة "دير مار جرجيس" ، بنفس الحماس التي كانت تذهب به لزيارة الآثار والمعالم الإسلامية. وبسبب كثرة تردّدها على الدير المذكور نشأت بينها وبين الراهبات علاقة صداقة متينة. وعندما مرضت ذات مرة ولزمت الفراش، جاء وفد من الرّاهبات لمعاداتها. ويعلق صاحب "الثلاثية" على ذلك قائلا :”وفي ذلك اليوم (يقصد يوم زيارة الراهبات )حدث انقلاب كبير في شارع "رضوان شكري" حيث يوجد بيتنا لأن الناس لم يروا مثل هذا المشهد من قبل". ويضيف نجيب محفوظ قائلا بأنه عندما كان يسأل والدته عن حبّها ل"سيدنا الحسين"، و"لمار جرجيس" في نفس الوقت، فإنها كانت تجيب :”كلّها بَركَة". ويعترف الكاتب الكبير أنه تأثر بهذا"التّسامح الجميل" الذي كانت تتحلّى به والدته لأن الشعب المصري بحسب رأيه لم "يعرف التعصّب"، وتلك هي "روح الإسلام"كما هو يقول.

ويضيق بي المجال هنا لاستعراض العديد من الأمثلة والشهادات الأخرى التي تؤكد جميعها أن مصر كانت دائما وأبدا مثالا للتسامح والاعتدال ، وأن التطرف بجميع أشكاله ومعانيه كان مرفوضا ومنبوذا من قبل الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب المصري في مختلف حقب التاريخ، وأن التعدّد الحضاري والثقافي والفكري والديني هو إلى جانب نهر النيل العظيم، هبة من الهبات التي أنعم الله بها على هذا البلد الذي ظهرت فيه في فجر التاريخ واحدة من أبهى وأكبر الحضارات البشرية. وهذا التعدد الثقافي والديني والحضاري هو الذي جعل من مصر قلب العالم العربي النّابض بالنشاط والحيوية ،والقطب الذي ساهم في تطوير الثقافة والفنون والآداب، وفيه برز عمالقة من أمثال طه حسين ،والعقاد ،ولطفي السيد ،ونجيب محفوظ ،وسلامة موسى، وتوفيق الحكيم ،ومحمد عبد الوهاب ،وام لكلثوم ،وغيرهم كثيرون. وبسبب هذا التعدد ،لم يكن من المستغرب أن تظهر في بلاد النيل أولى بوادر النهضة العربيّة على يد مصلحين كبار لعبوا أدوارا فعّلة في يقظة المجتمعات العربية من عصور الانحطاط والتخلف والجهل. ولم يكن المصريون يعيرون شأنا للعقيدة الدينية لهذا المصلح أو ذاك ،ولا للطائفة التي ينتمي اليها ،بل أن ما كان يهمّهم ويعنيهم بالدرجة الأولى هو ما يطلقه من أفكار ،ومن آراء تنير لهم السبيل ،وتفتح عقولهم على ما جاءت به العصور الحديثة من علوم ومن ثقافات ومن صناعة وغير ذلك . وكانوا يقرأون لهذا المفكر ،أو لهذا الكاتب ،أو لهذا الشاعر ،أو هم يستمعون الى هذا الفنان أو يطربون لتلك الفنانة ،ويتابعون نشاط هذا المفكر ،أو ذاك الناقد لأدبي أو الاجتماعي أو المعلّق السياسي ،ليس لأنه مسيحي ،أو لأنه مسلم ،وإنما لعمق تفكيره وجودة إنتاجه وقدرته على مساعدة الجماهير العريضة على فهم واقعها، والكشف عن خفايا تاريخها وإمتاعها بم يسرّها ويسعدها. غير أن هذه التعددية الثقافية والفكرية والعقائدية باتت مهددة اكثر من أي وقت مضى.فمنذ ظهورهم الجديد انطلاقا من السبعينات من القرن الماضي ، والإخوان المسلمين يسعون بمختلف الطرق والوسائل لتمزيق أوصال المجتمع المصري بمختلف الطرق والوسائل .فهم يقسّمون الشعب المصري الى كفّار ومسلمين، محرّضين على القتن الطائفية والعقائدية ،ومشهرين الحرب على الآراء وعلى الأفكار المخالفة، وعلى كلّ ما لا ينسجم مع مخططهم الجهنمي لتدمير مقوّمات المجتمع المصري القائمة على التّسامح ، وعلى الاعتدال ،وعلى التفتح على المختلف سواء كان ثقافيا ،أم حضاريا ،أم دينيا أم غير ذلك. لكأن الإخوان المسلمين يرغبون في

أن يكون المصريون قطيعا بلون واحد، وبفكر واحد، وبعقيدة واحدة .وبذلك يثبتون مرة أخرى أنهم أعداء ألدّاء لأبسط المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية ،وأنهم لا يفعلون شيئا آخر غير إغراق مصر في ظلمات الجهل والتخلف والتعصب ،وجرّ أبنائها الى الفتن والنزاعات التي تسلبهم القدرة على تحقيق التقدم والرقي الذي يصبون اليه.