قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مَن سيواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإسقاط "صفقة القرن" التي عرضها بتاريخ 28 يناير 2020 من البيت الأبيض في ذلك اليوم الحزين على ما آلت اليه الطموحات الفلسطينية وما تم إسقاطه من مرجعية الشرعية الدولية؟ روسيا لن تقف في وجه الولايات المتحدة كما سبق وكان الاتحاد السوفياتي يفعل عندما كان للنزاع العربي – الإسرائيلي موقعاً في موازين الحرب الباردة وعندما كانت واشنطن وموسكو تتنافسان على "رعاية" الملف ولعب دور "الوسيط النزيه" ضمن لعبة التموضع الاستراتيجي في زمن القطبين.

فاليوم، أقصى ما يمكن أن يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الإشارة الى القرارات الدولية والشرعية الدولية، وإحياء لجنة "الرباعية"، والعمل على مؤتمر دولي، والتشجيع على التفاوض، والى ما هنالك، لكنه لن يجعل من "صفقة القرن" موقعاً للمواجهة مع دونالد ترامب، وهو لن يتخلى عن العلاقة المميّزة مع إسرائيل وبالذات رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو، ولن يتبنى الموقف الفلسطيني القائم على "لاءات" الرفض كسياسة. الصين ستلتزم بالمواقف التقليدية من النزاع العربي – الإسرائيلي والمبادئ الدولية لحق الشعب الفلسطيني بدولة، لكن بكين لن تُقحِم هذا الملف على علاقاتها الثنائية المهمة مع الولايات المتحدة. الدول الأوروبية، فرداً أو جماعة في "الاتحاد الأوروبي" لن تُعارض الصفقة، وأقصى ما قد تقدمه هو تحسين العرض الاقتصادي والمالي على الفلسطينيين مع اتخاذ الإجراءات لمنع تدفّق اللاجئين الفلسطينيين الى أوروبا في حال هاجروا، وتم تهجيرهم من الدول التي تستقبلهم الآن وترفض توطينهم. أميركا اللاتينية بمعظمها ستؤيّد "صفقة القرن" فيما ستنقسم الدول الأفريقية نحوها –وكلاهما عاجز عن أن يقدِّم أو يؤخِّر.

فزمن قيمة تصويت هذه الدول في المحافل الدولية سياسياً ولّى، ولم تعد هناك سوى قيمة رمزيّة معنوية للحفنة الملتزمة فيما البقية تمتنع أو تتغيّب عن التصويت على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة لأنها تخشى العقوبات الأميركية عقاباً لها. أغلبية الدول الآسيوية ستؤيّد "صفقة القرن" لأن مصالحها ليست مع السلطة الفلسطينية وإنما مع الولايات المتحدة ومع الدول العربية التي لا توافق السلطة الفلسطينية بتبني قرار الرفض والمقاطعة للصفقة وللجهود الأميركية. والدول العربية بالتأكيد منقسِمة بشكل لا سابقة له لأن هذه هي المرّة الأولى التي تتخذ فيها الدول الخليجية – برغم التفاوت والتباين في مواقفها – تتخذ موقفاً مستقلاً عن مواقف ما تسميه بـ "الراديكالية العربية" التقليدية في سوريا والعراق وليبيا والجزائر وغيرها. هذه الدول هي اليوم أقرب في مواقفها من مصر والأردن، بعضٌ منها يشير الى التقصير في "صفقة القرن"، والبعض يدعو الى المفاوضات من أجل تحسينها، والبعض يحث على التقاط ما هو إيجابي فيها للتفاوض بدلاً من الغطس في سوداوية المقاطعة وظلام نفقها، والكل يؤمن أنه لا مجال لقيام دولة فلسطينية بدون الولايات المتحدة الأميركية.

إيران وتركيا ستدخلان حلبة المزايدة مستخدمتين القضية الفلسطينية لتحقيق انتصارات لقيادتين في حاجة الى تكتيكات تساعدهما داخلياً وإقليمياً. كلاهما جاهز لتوظيف المعاناة الفلسطينية لغايته تحت شعارات رنّانة إنما مجرّدة من الفعالية عمداً لأن كلاهما لا يريد المواجهة المباشرة مع إسرائيل من جهة، وهو يدرك أن العقوبات الأميركية تترصّد له إذا فعّل المواجهة عبر ساحات أخرى بالنيابة. أمام هذه المعطيات، يبدو منطقياً انه لا خيار آخر أمام الفلسطينيين سوى مراجعة تاريخ ونتائج سياسات الرفض واللاءات القاطعة، وان تفكر القيادة الفلسطينية بالأهداف الاستراتيجية الممكنة وبالخطوات التكتيكية التي قد تحول دون الخسارات الأكبر.

الخطة الأميركية – الإسرائيلية التي تم تقديمها وإخراجها من البيت الأبيض لغايات انتخابية واضحة لكل من ترامب ونتانياهو ليست صفقة التحامل على الفلسطينيين فحسب وإنما هي صفعة لمرجعية الشرعية الدولية المُتمثِلة في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. هذا التقويض الفاضح للمرجعية الضرورية في علاقات الدول وحقوق الشعوب أتى وفق تصوّر رئيسٍ أميركي أراد أن يكون رضى إسرائيل عليه مُفتاحاً له على ولاية ثانية في البيت الأبيض. هذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها إدارة أميركية بالتخلي عن قرارات دعمتها إدارات سابقة. لكن ضرب ترامب كامل المرجعية بعرض الحائط سابقة خطيرة. فالرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش كان الرئيس الأميركي الذي دفع مجلس الأمن الى تبنّي قرار الدولتين على أساس حدود 1967 كنقطة انطلاق. أرفق ذلك بخريطة طريق لإنهاء الاحتلال طبقاً لبرنامج زمني ومراحل تنفيذية كان يفترض أن تتوَّج عام 2005 باتفاقية نهائية وشاملة لإنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي عبر مساعٍ دولية لـ "اللجنة الرباعية" التي ضمّت الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. دونالد ترامب بـ"صفقة القرن" إنما نسف التزامات الولايات المتحدة عبر مختلف الإدارات ولعقود عديدة.

دونالد ترامب لبّى أحلام بنيامين نتانياهو كما لم يفعل أي رئيس أميركي قبله، كما قال نتانياهو، مشيراً بصورة خاصة الى ان الصفقة تُزيل وتُلغي صفة الاحتلال عن الضفة الغربية وغزة كما انها تلبّي إسرائيل باقتطاع القدس الشرقية من الحلم الفلسطيني بأن تكون عاصمة دولته المستقلة وتكرّس إصرار إسرائيل بأن عاصمتها هي القدس الموحّدة. أما السماح بأن تقوم إسرائيل بضم غور الأردن فإنه يعني أن أية دولة فلسطينية ستكون بلا سيادة وبلا قدس وستكون شبه دولة على 40 في المئة من الضفة الغربية بدون مخرج تنفس سوى عبر إسرائيل. حدث كل ذلك عبر فريق أميركي منحاز كلياً ضد الفلسطينيين عكف على تهميشٍ نمطي لهم بلا اكتراث وباستبعادٍ مذهل كما حصل ذلك اليوم الحزين في البيت الأبيض في 28 كانون الثاني (يناير). فريقٌ قاده صهر الرئيس جاريد كوشنر البارز في العنجهية والغطرسة الذي أتى من خلفية العقارات – كما ترامب – وقرّر أن في وسعه ان يفرض على الفلسطينيين صفقة تُحسّن أوضاعهم المُزرية وتهدّدهم بالعقاب إذا رفضوا التجاوب.

المشكلة الكبرى، ان هذه التهديدات ليست نظرية ولا تجميلية. انها حقيقية وجاهزة للتفعيل. الشيء الإيجابي الوحيد الذي طرأ منذ الإعلان عن "صفقة القرن" هو ان الصهر جاريد كوشنر وقف في طريق اندفاع نتانياهو الى ضم سريع للمستوطنات في الضفة الغربية وغور الأردن - المنطقة الاستراتيجية المهمّة التي تقع على 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية - وتعطي إسرائيل مفاتيح الأقفال على الدولة الفلسطينية وحِرمانها من السيادة. ما قاله كوشنر ليس "فيتو" على التشوّق والهرولة الإسرائيلية الى ضم أجزاء من الضفة الغربية، إنما كان تأجيلاً له إذ قال انه يأمل أن ينتظروا الى ما بعد الانتخابات في شهر آذار (مارس).

لذلك، يجب على الفلسطينيين القائمين على صنع المصير الفلسطيني أن يتوقفوا عن المزايدات اللفظية على نسق "لاءات" الرئيس محمود عباس الأخيرة، وأن يتخذوا إجراءات لمنع إسرائيل أن تفرض أمراً واقعاً آخر تلو الآخر بمباركة أميركية. وهذا يتطلب الإسراع الى تبنّي سياسات تقف في وجه التوثيق الميداني لوعود "صفقة القرن".

بعض ما تتضمنه "الخطة" الفلسطينية في وجه "صفقة القرن" لن يفيد ميدانياً حتى وإن كان له وطأة عاطفية على نسق التصفيق في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في جلسة مجلس الأمن التي ينوي محمود عباس التحدّث فيها. الدعم العلني المعنوي سينحسر عما كان عليه في الماضي وقد لا يحصل مشروع قرار فلسطيني حتى على دعم الـ9 أصوات اللازمة لتبنّيه في مجلس الأمن.

يجب أن يكون التحرك الفلسطيني السياسي في الساحات الدولية مكمّلاً لخطة عمليّة هدفها واضح، خطواتها مدروسة، أساسها الإنخراط في التفاوض بالتنسيق التام مع دولٍ عربية رئيسية يُلزِمها بوضع ثقلها وراء استراتيجية مشتركة – والكلام هو عن مصر والأردن والسعودية.

رفض التحدّث مع الأميركيين – على نسق رفض مندوب فلسطين في الأمم المتحدة دعوة السفيرة الأميركية للقاء الرئيس عباس – إنما يُعطي الرخصة لقيام إسرائيل بضم ما تريد بمباركة أميركية، وربما بلوم عربي. فـ"صفقة القرن" ليست مجرد خطة على ورق. انها خطة ذات نتائج استتباعية خطيرة Consequential يجب التنبّه لها وإيقافها عبر الانخراط في المفاوضات، قبل فوات الأوان.

أحد الفلسطينيين الضالعين في تاريخ محاولة صنع السلام والفشل به قال "علينا أن نجزئ المعركة، وأن نخلق الخيارات".الأولوية، حسب رأيه، يجب أن تكون في "التحرك لمنع إسرائيل من تنفيذ الخطة أحادياً"، وذلك من خلال الموافقة على التفاوض "شرط ألاّ تنفذ إسرائيل أي شيء قبل المفاوضات". هكذا يمكن تجنّب الهرولة الإسرائيلية الى فرض إجراءات الضم، وهكذا يمكن وضع العصا في ما يعوّل عليه نتانياهو من رفضٍ فلسطيني. أي، ان المطلوب من القيادة الفلسطينية أن تقوم بتعريف وتحديد الهدف الاستراتيجي شرط أن يرافق ذلك خطة عملية على المدى القصير تمنع أو تؤجّل تنفيذ إجراءات الضم وتخلق ديناميكية جديدة فيما يتم لمّ صفوف الفلسطينيين.

المزايدات الداعية الى المقاطعة والرفض والاعتماد على المقاومة إنما تأتي في صلبها على حساب الفلسطينيين الذين قد يدفعون ثمن التحريض والمزايدات لأنهم يتحوّلون لأول مرة الى عبء دائم بلا أمل مما سيثير حساسيات ضدهم في الدول التي تستضيفهم.

واقع الأمر أن دعاة المكابرة وعلى رأسهم إيران، لن يتمكنوا من تنفيذ توعّداتهم بالمقاومة والانتقام من "صفقة العار" كما يسمونها. السبب هو أن إدارة ترامب ستكون بالمرصاد لإيران وأذرعتها وهي عازمة على أن تحمّل طهران نفسها مسؤولية تصعيد أذرعتها في ساحات الحروب بالنيابة. ما كان جليّاً في كلام دونالد ترامب عن قتل قائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني عندما كان يُطلق "صفقة القرن" هو أنه كان يهدّد إيران مباشرة ويتحداها الى التجرؤ على استخدام "صفقة القرن" وسيلة لأن تقدّم نفسها كرأس حربة المقاومة للصفقة.

البعض يقول ان طهران تضع استراتيجية التصعيد ضد "صفقة القرن" لأنها تُعطيها فرصة تحويل الأنظار عن مشاكلها الداخلية الاقتصادية وانتفاضة الشعب ضد النظام، الى جانب الفوائد الإقليمية للمزايدات على القيادات العربية. البعض الآخر يقول ان إيران لن تصعّد لأن لا مال لديها ولا شارع جاهز لتنفيذ مشاريعها. ثم ان العقوبات الأميركية المتزايدة بالمرصاد لها ولكل من يدعمها ويعمل لحسابها.

بالنسبة لأنقرة، قد يخطر في بال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ان "صفقة القرن" فرصة له لتهييج المشاعر وتغذية مشروع "الإخوان المسلمين" الذي يرعاه في المنطقة العربية. لكنه هو أيضاً يدرك أن العقوبات له بالمرصاد، إذا تجرأ.

النصيحة الروسية للقيادات الفلسطينية هي، حسب قول مسؤول روسي اشترط عدم ذكر اسمه، "يجب عدم الإفراط في الضدّ" ويجب اعتماد "التكتيك المرن" بمعنى "عدم اعتماد الرفض القاطع للمطروح" بل "التفاوض كنهج وتكتيك لأن ما حصل قد حصل بطرح المبادرة" والمطلوب الآن هو "تنشيط الجهود الدولية بشكل أو بآخر" أما لدعم المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو بوساطة دولية.

روسيا لا توافق على نمط التصعيد والتحريض ضد "صفقة القرن" وهي حريصة على تذكير من يقف ضدها بأنه ليس فقط مُعرّضاً لحجب الأموال عنه مباشرة وإنما أيضاً لفرض العقوبات عليه عقاباً. موسكو تتمسك بثوابت الشرعية والقرارات الدولية ولا تعتقد أن "صفقة القرن" ستمرّ ببساطة. وبحسب المسؤول الروسي "نتمنى ألاّ تؤدي صفقة القرن الى نزاعات في المنطقة. إنما نحن لا نتوقع أن يكون هناك نزاع كبير في المنطقة بسببها".