أبو ظبي- عبد الناصر فيصل نهار: بعد حوالي ثلاث سنوات على تسلمه مقاليد الحكم في أبو ظبي، تمكّن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من خلال علاقاته الخارجية ومعرفته وخبرته الفطرية بالشؤون العربية عامة، من تفهّم القوى السياسية العاملة في العالم العربي.
ولأنه حظي بثبات تام في معرفته بشؤون الإمارات المتصالحة، سعى الحاكم الجديد إلى تعزيز مكانته ومكانة إمارته على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد أدى امتزاج ميوله الودية، وشخصيته الشعبية، وسياسته المحنكة، لتكوين سياسة قائمة على المودة والتعايش السلمي مع جيرانه في الخليج، وعبر شبه الجزيرة العربية كانت رحلاته المتعددة إلى الدول العربية المجاورة جزءاً من سياسة التعزيز المتماسكة مع سائر أقطار العالم العربي.
وتتابع الدكتورة جايانتي مايترا في دراسة حديثة مهمة لها عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الوثائق البريطانية قولها إنه رغم أن الشيخ زايد قد أمضى ثلاث سنوات فقط في السلطة، إلاّ أنّه أضاف إلى رصيده ما بذل من جهود فعّالة ومفيدة للقضايا العربية في غضون هذه الفترة القصيرة من الزمن على الصعيدين المحلي والإقليمي، ولدفاعه عن قضايا الوحدة والتعاون والتعايش السلمي، تمكّن حاكم أبوظبي من احتلال موقع مميّز كقائد بارز في العالم العربي، وجذب انتباه السياسيين المحنّكين في البلاد المجاورة كالعراق مثلاً.
والدراسة التي صدرت بدعم من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان رئيس مكتب رئيس الدولة رئيس مركز الوثائق والبحوث، تناولت المفاصل الرئيسية والمحطات المهمة في مسيرة الشيخ زايد، مبرزة زياراته إلى الدول العربية ومن أهمها زيارته التاريخية إلى العراق في العام 1969 والتي استمرت خمسة أيام.
كانت الدعوة الأولى لزيارة العراق وجّهها الرئيس عبد الرحمن عارف إلى حاكم أبوظبي، ثمّ تجّددت الدعوة من قبل الرئيس أحمد حسن البكر، فوصل الشيخ زايد إلى بغداد في 25 يوليو عام 1969 في زيارة استغرقت خمسة أيام، ورافقه في تلك الزيارة وفد ضمّ عدداً من المسؤولين وكبار الشخصيات من أبوظبي. ولما كانت تلك الزيارة الأولى الرسمية لقائد عربي إلى العراق منذ تسلّم الحكومة الجديدة السلطة فقد اعتبرها العراقيون أمراً مهماً.
لقد طلب دونالد هاو لي الذي عيّن في بغداد في ذلك الوقت، إجراء مقابلة خاصة مع الحاكم الذي عرفه منذ الفترة التي خدم فيها كوكيل سياسي في الإمارات المتصالحة، ونجح في إجراء تلك المقابلة لمدة ساعة. ومن المثير للاهتمام أن ذلك الأمر قد بدا لهاو لي الامتياز الوحيد الذي جعل للمملكة المتحدة مكانة خاصة في الخليج خلال فترة زيارة الشيخ زايد، وقد وصف هاو لي وصفاً حياً كل التفاصيل الهامة والمشوقة، وأهمها الطريقة التي استقبل بها الشيخ زايد بالحفاوة والشرف الذي يستقبل به عادة رئيس دولة زائر، فقد جاء من بيروت في طائرة الرئاسة العراقية الخاصة، واستقبله في المطار كلّ من الرئيس ونائبي رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، والفريق سعدون غيدان، عضو مجلس قيادة الثورة وقائد حامية بغداد العسكرية، وغيرهم من الوزراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية، وبعض الأعيان في العراق، وشمل حفل الاستقبال لدى وصوله إطلاق إحدى وعشرين طلقة مدفعية تحية له، وتحليق سرب من الطائرات الحربية التابعة لسلاح الجو العراقي على ارتفاع منخفض، واستعراض حرس الشرف من قبل حرس الرئاسة، كما عُزف النشيدان الوطنيان العراقي والظبياني.
وثمة ميزة أخرى لتلك الزيارة أنها أبرزت حالة من الوفاق التام والتفاهم معاً بين الشيخ زايد والقادة العراقيين منذ البداية، وقد تميّز تبادل الأحاديث بين حاكم أبو ظبي ورئيس الجمهورية العراقية بالصراحة المطلقة، كما شملت تلك الأحاديث الوضع العربي الراهن، وخاصة العلاقات الأخوية الودية التي تربط بين العراق وأبوظبي. وقد أكّد الطرفان أنّ المرحلة الحالية في العالم العربي تتطلّب وحدة الجهود واستخدام كافة الإمكانيات العربية لمناهضة العدوان الصهيوني الإسرائيلي الغاشم على الأراضي العربية، ومساندة وتعزيز كفاح الفلسطينيين لاستعادة حقوقهم الشرعية في وطنهم فلسطين. وقد عبّر الرئيس أحمد حسن البكر عن تقديره بشكل مميّز للجهود الفعّالة التي يبذلها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على الصعيدين المحلي والعربي، وتجاوبه مع الأحداث العربية، ووقف قدرات بلاده بالاشتراك مع القدرات العربية من أجل إدراك طموحات الأمة العربية في تحقيق ثباتها وصالحها.
وقد تعرّف الشيخ زايد والوفد المرافق له على أعمال التقدّم والتطوّر في العراق، وعبّر عن إعجابه الشديد بالإنجازات تحت قيادة الرئيس أحمد حسن البكر وغيره من المسؤولين العراقيين، ومن بين المؤسسات المختلفة التي زارها الشيخ زايد خلال فترة إقامته في العراق: الأكاديمية العسكرية، وقاعدة الحبانيّة حيث شاهد عرضاً نفّذته القوات الجوية العراقية. وقد أقام كلّ من الرئيس ووزير الدفاع ووزير الخارجية وليمة على شرف الشيخ زايد، كما أقام الشيخ زايد وليمة عشية مغادرته العراق على شرف الرئيس وكبار المسؤولين العراقيين.
على الصعيد المحلي أكّدت السلطات العراقية أهمية الدور الذي أداه حكام الإمارات العربية في منطقة الخليج العربي لتأسيس اتحاد الإمارات العربية، والذي اعتبر مطلباً قومياً وخطوة بناءة في طريق الوحدة العربية، وطريقاً ثابتاً نحو تحقيق أمن هذه المنطقة العربية الغالية واستقرارها. لقد كرّر الشيخ زايد لدى لقائه دونالد هاو لي مساندة العراق المشجّعة لاتحاد الإمارات العربية، وأبلغه أنّ الرئيس البكر والوزراء العراقيين ساندوا قيام اتحاد الإمارات العربية، وأكّدوا أن العراق لا يطمع في السيطرة على الاتحاد أو بسط نفوذه عليه، وعارضوا أي انتهاك في الخليج من قبل دول مجاورة، ومما عزّز ذلك فيما بعد أنّ الفريق عماش وغيره من الوزراء والمسؤولين أبلغوا دونالد هاو لي خلال لقائهم إياه في تلك الزيارة مساندتهم لاتحاد الإمارات العربية، وعدم ثقتهم بالسياسة الإيرانية ونشاطاتها في المشيخات. واعتبروا ذلك مسألة ملحة في الواقع، وأنّها يجب أن تبدأ دورها بفعالية في أقرب وقت ممكن.
ومن جهته كوّن الشيخ زايد رأياً قيّماً في الرئيس البكر والفريق عماش، بالإضافة إلى الفريق حردان التكريتي، الذي زاره خلال زيارته إلى الخليج في شهر أبريل، وقد أفضى الحاكم إلى هاو لي بأنّه كان يميل إلى اعتقاده أنّ الرئيس البكر وأعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا مناهضين للشيوعية، وأنّ الرئيس قد أبلغه بالتحديد أنّ نزاعهم يكمن مع الشيوعيين، ولكنّ العراقيين وضّحوا في الوقت نفسه أنه كان عليهم الحصول على السلاح من الاتحاد السوفييتي، لأن أحداً غيره لم يرغب في تزويدهم بالسلاح بمثل هذه الشروط المغرية.
تمكّن الشيخ زايد من التأثير في السلطات العراقية كرجل ذي رؤية واسعة، وحكمة بالغة وعظيمة وقوة يتميّز بها عن بعض جيرانه. وفي الحقيقة أنّ الحكومة العراقية قد وجدت أن زيارة الشيخ زايد كانت في الوقت المناسب إذ لم يجر أي زيارة من قبل دولة ما منذ عام 1968 كما أنه لم يقم أي قائد من القادة العرب بزيارة رسمية، ولذلك فقد كان لتلك الزيارة تأثيرها الأقوى لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، وربما لأسباب خارجية أيضاً، وعلّق هاولي قائلاً: لقد حظي الشيخ زايد بكلّ الأحوال بتغطية استثنائية من قبل الصحافة والإذاعة والتلفزيون، كما حظي بعبارات المديح والتبجيل التي يصعب على العراقيين مضاهاتها لدى قيام قائد دولة عربي آخر بزيارتهم.
وفي نهاية زيارة الحاكم، صدر بيان مختصر من قبل وكالة الأنباء العراقية بموافقة زايد على الأرجح، وفق تخمين هاولي، وقد سجّل البيان مدى مساندة الجانبين للقضية الفلسطينية والوحدة العربية، وخاصة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وما يتعلّق بالتعاون المستقبلي بين العراق وأبوظبي، وأضاف هاولي أنّ الحاكم قد وافق على إرسال خمسة عشر معلماً عراقياً للمرحلة الابتدائية للتدريس في أبوظبي. إضافة إلى ذلك، وردت إشارة مختصرة في الصحف إلى مناقشة القضايا المتعلقة بالطيران المدني، ومناقشة قضية حقوق الطيران في أبوظبي للخطوط الجوية العراقية.
وترى الوثائق البريطانية في الختام أن العراقيين بدوا مطمئنين بشكل عام لتلك الزيارة، لأنها قد حققت بشكل خاص هدفها، وهو تطوير العلاقات الودية بشكل عام. وبمراجعة العلاقات القائمة بين الدولتين الشقيقتين، لاحظت السلطات العراقية بكل اقتناع مدى تطوّر تلك العلاقات في مختلف المجالات، وأكّدت عزمها على أهمية التعاون والتنسيق في أوسع المجالات لخير وسعادة دولتيهما وقوميتهما العربية المجيدة. ومن أهم النتائج التي حققتها هذه الزيارة وفق دونالد هاو لي أنه منذ ذلك الوقت فصاعداً، سيقوم العراقيون بكل ما في استطاعتهم بالعمل والبناء على هذا الأساس، وتعزيز نفوذهم في أكبر وأغنى دولة عربية جنوب الخليج. وقد أبدى نائب رئيس مجلس الوزراء الفريق حردان التكريتي، الحرص على الموافقة لتلبية دعوة الشيخ زايد لحضور الاحتفالات القادمة بمناسبة عيد جلوس الحاكم في السادس من أغسطس.
واليوم وبعد مضي أربع وثلاثين سنة على الزيارة الأولى التي قام بها الشيخ زايد للعراق، ومرور أشهر قليلة على المبادرة الشجاعة التي تقدم بها رئيس دولة الإمارات لمؤتمر القمة العربي الأخير في شرم الشيخ مارس الماضي، استبيح العراق ووضعت كافة مقدراته وثرواته تحت تصرف قوات الاحتلال الأنغلوأمريكي، بعد أن قتل المئات وجرح وشوّه الآلاف، ليُدرك الجميع مقدار حكمة وشجاعة زايد بعد الندم والألم الذي اعتصر قلوب العرب كافة، كما تنبأ بذلك مطلع مارس 2003 وزير الإعلام الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان عند تعليقه على عدم مناقشة مبادرة زايد خلال القمة العربية.