داود البصري
&


جدلية العلاقات المتوترة والتي وصلت خلال الأيام الأخيرة حدا إنفجاريا مؤسفا بين العراق الجديد وقناة الجزيرة أعادت إلى الأذهان كل خلفيات الصورة العامة لملف العلاقات بين الطرفين وهو ملف متشابك ضخم الأوراق ويضم إسرارا وتحركات أشبه بعمل خلية إستخبارية سرية!، كما تتداخل فيه زوايا وخبايا وإتجاهات سياسية إقليمية ودولية! وهو من التعقيد بحيث تحول لحالة معقدة من الشك والريبة، كما أنه من البساطة بحيث يمكن إثارة ونبش محتوياته في اي وقت وعلى إثر أي أزمة سطحية وعابرة!! .
وقناة الجزيرة بإعتبارها إحدى أهم القنوات الإعلامية العربية وذات السمعة الدولية خلال العقد الأخير ومنذ إنطلاقتها عام 1996 وكنتيجة من نتائج التغيير السياسي الداخلي في دولة قطر التي نفضت عنها غبار العزلة والإنطواء وقررت دخول العصر والأضواء والحلبة الدولية مع مايقتضيه ذلك الهدف من إنشاء لوسائل وأدوات تعينها لتحقيق الهدف المنشود، شاركت في تحقيق إستراتيجية الحكومة القطرية وعرف العالم بأسره دولة قطر من خلال (قناة الجزيرة)! وليس من خلال الغاز القطري المصدر للعالم، ولامن خلال العمل ضمن المنظومة الخليجية، ولامن خلال ترتيب وعقد المؤتمرات الدولية، فكل تلك الأمور جاءت وتوسعت بعد إنشاء الجزيرة التي إختلف فيها وحولها القوم وملأت الدنيا وشغلت الناس، وحركت الراكد وأماطت اللثام عن كل العداوات المخفية وعن كل التناقضات الإقليمية حتى إحتار المحللين في تفسير حالة ووضعية الجزيرة! فهل هي حرة فعلا ؟ وهل أن الدور الرسمي القطري لايتجاوز التمويل والحماية الرسمية ؟ ثم هل هي سلاح الدمار الشامل الذي تمتلكه الحكومة القطرية لتهدد به جاراتها الخليجيات ولتبقى سيفا مسلطا خصوصا على الشقيق الأكبر وأعني به المملكة العربية السعودية ؟ من خلال نبش الملفات وتنشيط المعارضات وخلق الأجواء المتوترة في إقليم محافظ سياسيا وشعوب ماعرفت الصراعات العنيفة أو هي ليست ضمن أولوياتها!! كما تساءل الكثيرون عن أدوارها التطبيعية وعلاقاتها المتشابكة مع أكثر من طرف وجهاز !، ومدى مصداقية الشعارات القومية التي تصدح بها؟ أو مدى الإلتزام الفعلي بشعار {الرأي والرأي الآخر}! الذي أصبح عنوانا وهوية ثابتة تتمسك بها الجزيرة، وهل هي تعبير عن نوايا شيطانية، أم إنها إجتهاد إعلامي وحالة إعلامية متقدمة وسط بيئة عربية ماعرفت غير الصوت الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد والقائد الواحد..؟ وتتعدد الرؤى والتفسيرات ولكن تظل الجزيرة وحتى إشعار آخر مالئة الدنيا وشاغلة الناس بحسناتها وسيئاتها، بطيبها وخبثها، بتطبيعها أم بقوميتها!.
ومنذ بداية إنطلاقتها كان لقناة الجزيرة وبفعل طبيعة الأحداث وصورة الواقع إهتماماتها بالعراق وأضحت مجالاتها الخبرية تهتم إهتماما واسعا بالحالة العراقية لاسيما وأنها ولدت والنظام العراقي البائد كان يعيش إرهاصات السقوط والإضمحلال، وهي القضية التي إهتم بها النظام البائد المغرم والمولع بالإعلام والذي يعتمد في كينونته وإستمراريته على الحقن الإعلامية بالدرجة الأساس وإستغلاله وفقا لمفاهيمه الستالينية في التعبئة الجماهيرية وفي تغطية العورات بأغطية الأكاذيب الحريرية وتحت صهيل لغة الشعارات التحريضية القومية التي إضمحل سوقها منذ عام 1967! ولكن النظام البعثي المتخلف كان أسيرا لها!، وعمليات الرشوة القومية وشراء الذمم وإصطناع الأنصار والمحازبين هي الإنجاز الأساس لحكومة البعث العراقي المنقرض! وكان للجزيرة دورها الحاسم وحمصها الساخن في المولد العراقي! وحيث إستعانت بمراسلين وإعلاميين كانوا ضمن العاملين في أجهزة النظام المخابراتية وذلك من طبائع الأمور إذ أن كل شيء في العراق كان تحت هيمنة المخابرات وأجهزة الأمن لذلك لم يكن صعبا على النظام إستغلال الجزيرة لأهدافه الإعلامية الخاصة زارعا أحصنة طروادة في مفاصلها الإدارية والتحريرية ومتسللا إستخباريا تحت بند العلاقات العامة، وفعلا فقد تم تجنيد بعض العاملين السابقين في الجزيرة إستخباريا وليس في ذلك أي سر! والأسماء معروفة ومؤرشفة ولانرى داعيا لإعادة تكرارها! لأنه قد تم فصلهم ولحقهم مؤخرا المدير العام الأسبق السيد محمد جاسم العلي الذي كان يرتبط بصداقات وعلاقات وثيقة للغاية مع أقطاب النظام المقبور ومنهم خصوصا وزير التجارة السابق محمد مهدي صالح وليالي الأنس في دبي معروفة وموثقة أيضا!!، أما مراسلو الجزيرة فهم عناصر إستخبارية معروفة إختفت حاليا عن المشهد الإعلامي مع سقوط النظام العراقي البائد، رغم أن بعض الفضائيات العربية المتنافسة إستعانت بهم بعد إنهيار نظام صدام إلا أنهم تبخروا فيما بعد وتشتتوا يلتمسون الأمان في ديار الله!، لقد كان الهم الأكبر للنظام البائد هو إختراق برامج الجزيرة الحساسة ومنها برنامجي (الإتجاه المعاكس) و(أكثر من رأي) وذلك عبر الدخول للمتلقي العربي بشكل يصور القيادة السابقة بكونها قيادة ثورية ومظلومة وذات أهداف قومية ضد الإمبريالية.. إلى بقية الخطاب البعثي المعروف!، وكانت وجوه طارق عزيز ومحمد الصحاف وطه الجزراوي وناجي صبري حاضرة دائما على شاشة الجزيرة لتتحاور وتلقي خطابها الإعلامي وبطريقة مسرحية مرتبة ومتقنة إخراجيا إلى الدرجة التي تحولت معها الجزيرة لصوت النظام العراقي الخارجي وعقله الإعلامي! وهذه ليست تهمة تلقى على عواهنها بل أنها حقيقة موضوعية يقرها الجزيريون ذاتهم متعللين بتبرير التسابق الإعلامي والسبق الصحفي والتقرب من المصادر المسؤولة والصانعة للأخبار والأحداث!! ولم تكن الصورة دقيقة بالفعل، ولكن مع كل التوريطات والإنغماسات في حبائل النظام العراقي السابقة ومسايرة أهدافه الإعلامية السياسية إلا أن الجزيرة كانت أيضا النافذة الواسعة التي أطلت منها المعارضة العراقية السابقة على الجمهور العربي عبر مختلف القضايا والملفات كما تابعت تحركات وأنشطة المعارضة العراقية ومؤتمراتها دون التخلي عن أسلوب الدس والغمز واللمز والتلميح ومحاولة إستعداء الرأي العام العربي ضدها! إلا أنها كانت أيضا الشاشة التي فضحت كل جرائم وموبقات وإنتهاكات النظام السابق على لسان معارضيه! أي أن الصورة باتت متداخلة ثم أن في النهاية لم تكن هنالك حيادية مطلقة لكون لأهل الجزيرة ومن يقف خلفها رؤاهم ومنطلقاتهم النظرية وأساليبهم التكتيكية ودوافعهم التي تحركهم لإثارة هذا الملف أم ذاك! فليست هنالك مشاعر وأحاسيس بل هنالك مصالح وإرتباطات وأهداف خفية أو واضحة! وهذه الحالة تشمل جميع الفضائيات العربية دون إستثناء؟ ولكن مع إنهيار النظام العراقي البائد في التاسع من نيسان/ إبريل المنصرم فقد ولدت حركة عداء جماهيري عراقية ضد قناة الجزيرة عبرت عن نفسها في البداية في مدن الجنوب العراقي ثم إنتشرت لاحقا بسبب جهل غالبية العراقيين بالجزيرة وأخواتها لأن جميع الفضائيات كانت ممنوعة على العراقيين أيام صدام البائد، ولاتنسى الذاكرة مواقف بعض مراسلي الجزيرة يوم سقوط صدام وإرتفاع الأحذية الشعبية لتنهال على صوره وأنصابه حينما أعربوا عن إمتعاضهم من ذلك الموقف ومنهم تحديدا المذيع (ماهر عبدالله)!، إذ كانت علامات الأسى والحزن بادية في نبراته وهو يتابع وصف إنهيار الصنم الأكبر!.
اليوم .. صورة الصراع العراقي الجزيري قد وصلت حدودا ملتهبة بسبب حساسيات مجلس الحكم من دور الجزيرة الأخير في التحريض والإساءة وهو يدرس إمكانية حظر القناة نهائيا وسحب ترخيصها في العراق وهو أمر مؤسف فيما لو حدث لأن أسلوب المنع والمصادرة هو أسلوب عقيم لاينسجم والإتجاهات الدولية ولايتناسب مع دعوات الإنفتاح والديمقراطية والشفافية ولأن كل ممنوع مرغوب! وهنالك بالقطع وسائل ردع أخلاقية ومهنية أفضل كثيرا من وسيلة الحظر التي عانى منها الشعب العراقي طويلا .. فالمطلوب الوصول لحالة من التفاهم الضمني ومن مواثيق الشرف التي تضمن عدم التعدي على خيارات العراقيين الحرة وعدم الإساءة لمقدساتهم والجزيرة ليست منفلتة الحرية لأن لها ضوابطا قاسية تتعلق بالوضع الداخلي القطري على وجه التحديد لاتتجاوزها أو تقترب منها!! والأساليب البوليسية في التفتيش والمتابعة لاينبغي أن تكون سنة في متابعة المخالفين، فمن حق المعارضين إبداء معارضتهم ولكن وفق ضوابط معروفة حتى فيب الإعلام الغربي، فتشويه السمعة يكلف غاليا من الناحية القانونية، وتشويه التاريخ النضالي للشعوب لايقل كلفة عن إنتهاك حصانة وحرية الأفراد، ثم أن ظهور بعض (السفهاء) من المتقولين لن يغير من حقيقة التغيير التاريخي في العراق شيئا، فدع (التافهون) في غيهم يعمهون، ثم أن الجزيرة في نهايتها كما في بدايتها لاتنطق عن الهوا..! وما رياح قاعدتي العديد والسيلية ببعيدة عن تشكيل المشهد والصورة الإعلامية العامة لقناة الجزيرة.