الدكتور رياض الأمير
&
تقديم صورة العراق بعد التاسع من نيسان/ ابريل وعن العراقيين تكون اكثر وضوحا عندما يدونها كاتب عراقي مهمته الاولى رسم مفرداتها ومن ارض الواقع. الدكتور رياض الامير عاد إلى وطنه بعد اكثر من 34 عاما، التقى خلال وجوده في بلده بالعديد من الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية وكذلك المستويات القيادية الحالية. كما أنه زار العديد من المدن، منها الشيعية ومدن من المثلث السني. ينقل لقراء إيلاف في خمسة حلقات مشاهداته تلك التي ستلقي الضوء، ليس فقط على ما خلفه النظام الساقط في بغداد من مآسي، وانما على الجوانب السلبية التي يمر بها العراق اليوم واسبابها. هذه الحلقة الرابعة وهي تحت عنوان:
&
المجلس والشارع العراقي


&
المقصود هو مجلس الحكم الذي اعلن عن تأسيسه في الثالث عشر من تموز من العام الماضي، على رغم الكثير من الهفوات في تشكيله، يلقى اعتراف ودعم اغلب العراقيين الذين ساهموا في اسقاط النظام البعثفاشي، كما وان العديد من اعضائه ساهم بشكل فاعل في عملية إزالة النظام السابق. وتدافع الاغلبية العراقية عن مجلس الحكم وتعتبره ممثلا شرعيا للشعب العراقي في ضروف استثنائية. وما يقدم له من نقد، خاصة من الوطنين العراقيين يصب في المصلحة الوطنية ومن اجل اداء سليم للوصول إلى عراق معافى من الامراض المختلفة التي خلفها النظام المنهار، وهي عديدة وكثيرة وفي مقدمتها الحزبية الضيقة والطائفية وحكم العشيرة والمنطقة والتسلط المصلحي على حساب الوطن والمواطن وغيرها الكثير. يتحمل مسؤولية الدفاع عن المصلحة الوطنية العراقية كل وطني شريف يفترض منه القول بشجاعة كاملة مشيرا إلى الخطا قبل استفحاله، ومن اجل الاسراع ببناء المجتمع المدني في العراقمن اجل حل قضايا حساسة جدا بالنسبة للعراق والعراقيين. كان تشكيل المجلس مهمة صعبة، ولكنها خطوة جادة للمساهمة في تحقيق برنامج المرحلة الانتقالية، وخاصة في مجال الامن والاستقرار، انهاء مخلفات النظام الدكتاتوري واعادة الاعمار، واخيرا تقديم صورة للعراق الجديد الذي انتظره العراقيون اربعة عقود في العمل الجمعي والفردي. تشكل المجلس بقرار من سلطة الائتلاف المؤقتة وفق مقاييس التوزيع القومي والطائفي ويضم 25 عضوا. فبعد اكثر من ثلاثة عقود من التسلط الفئوي فقد الإنسان العادي العراقي الحس باستقلالية القرار وتحول إلى تابع صغير لاي رمز من رموز السلطة يخافه ويعتقد انه يستطيع تحقيق ما يحلم بتحقيقه وفي نفس الوقت في قلبه الرهبة الكاملة منه،حتى وان كان في داره، لانه يملك القوة القاتلة دون قانون، خاصة مسئولي النظام الذين كانوا يحيون ويميتون. ان ذلك الشعور اثر على سلوكيات الفرد العراقي بعد التحرير في الاعتقاد بان أي فرد في المؤسسة الجديدة (مجلس الحكم ) له اهمية وسلطان كما كان لدي افراد النظام السابق. استفاد بعض الاعضاء من ذلك الشعور المرضي في ايجاد تجمعات حزبية او تنظيمات هلامية، خاصة دون وجود قاعدة فكرية او نظرية لها امتداد في الشارع العراقي ودون الالتفاف إلى المهمات الملقات عليهم للمساهمة في انجاح الفترة الانتقالية. حتى اولئك الذين ادخلوا المجلس وهم لا يمثلون إلا انفسهم يحاولون اليوم من ايجاد احزاب اوخلق مجموعة من الناس تحيط بهم لإيجاد وزن سياسي كاذب في اغلب الاحيان تمهيدا للايام القادمة. جاء ذلك متمما لما خلفه النظام النظام المقبور من مرض آخر لدي العراقيين بالإضافة إلى الرهبة من الحاكم، إحاطته بهالة من التمجيد حتى ان بعض اعضاء المجلس بدأوا يصدقون بانهم غير عاديين. وكما كان النظام السابق يحجز الاذاعة المرأية في مناقشات سطحية من اجل ان تطل الكاميرا على شخص "الرئيس الضرورة " تحجز "العراقية" وليد العراق الجديد لاكثر من ساعتين لتلميع شخص او اثنين من اعضاء مجلس الحكم. ولم يسكت الشارع العراقي والمثقف منه دون ان يشير إلى ذلك على اعتبار إن في ذلك إعادة لاساليب النظام السابق، على الرغم من ان النظام البائد قد انتهى مع رموزه.
ان اداء القلة من اعضاء مجلس الحكم في تالفه مع الشارع العراقي تفسده الممارسة الحزبية الضيقة لجماعته وتشوه ادائه عن طريق الطلب إلى الذين يودون التعين بوضائف عادية جدا، او المشاركة بمناقصات صغيرة تقديم تزكية الحزب الفلاني او التلاني، وعلى الرغم من احدهما هو اقدم الاحزاب الإسلامية على الساحة السياسية العراقية. يعيش اغلب اعضاء مجلس الحكم في عالم بعيد عن الشارع العراقي والاحتكاك به ليقدموا صورة جديدة ونوع آخر من السياسين عن طريقها يرسمون صفحة جديدة من العلاقة بين المواطن والحاكم، صورة اخرى للعراق الجديد. وعلى الطرف النقيض من الابتعاد بعيدا عن الناس يلاحظ العراقي اهتمام غير عادي لدي البعض بالقضايا التجارية وعقود إعادة الاعمار. ان بعض الوزارات تهتم بالدرجة الاولى لتلبية رغبات عضو المجلس المتفضل على الوزير بالتعين ومن ثم لحزبه دون الالتفاف، بعد للمصلحة الوطنية العراقية. ان الاشاعات التي بدأت تسري كالنار في الهشيم على ان البعض من اعضاء مجلس الحكم بدأ عن طريق الوزير الذي اختاره اعطاء مشاريع لشركات واشخاص من عائلته وتلبي مصلحته الذاتية. ان ذلك ما حدى بالادارة المدنية لقوى التحالف وبول بريمر بالذات ان يبلغ مجلس الحكم والوزراء العراقيين بقرار السلطة مكافحة الفساد الاداري في المؤسسات الحكومية مؤكدا عدم التساهل مع اية حالة فساد تجري في دوائر الوزارات. ان الفساد الإداري الذي خلفه النظام السابق لا زال ينمو في الاجهزة الحالية لم تستطع الدماء الجديدة التي جاءت بعد التحرير تنقيته لان بعضها كان فاسد من الاساس وزاد من فساد الاولى. ان نتيجة الاستطلاع الاخير الذي تنشره صحيفة الزمان نال فيه مجلس الحكم الانتقالي تاييد 2% فقط. ورفض 60% من المستطلعين ان يكون الرئيس المقبل او المجلس الرئاسي الثلاثي من اعضاء مجلس الحكم. راى 72% من الذين شملهم انه "لا يوجد قادة سياسيون يمكن القبول بهم او لديهم قدرة على تسلم السلطة.
ان المصالحة الوطنية مهمة صعبة في بلد استابح فيه ازلام النظام وفراد الاجهزة الحزبية حرمة العراقيين وسفكت دمائهم، وهذا لا يعني انها عملية مستحيلة، خاصة وان هناك الكثير من البعثيين الذين انتموا كرها دون ان يسيئوا إلى محيطهم ويمكن اعتبارهم ضحايا النظام نفسه، لكن ذلك لا يعني إعادة المسئولين الحزبين وتأهيلهم والاعتماد عليهم. ان قرار اجتثاث البعث الذي اصدره المجلس مهما للعراقيين وعراق الغد وان مخالفة ذلك ليس خروجا عن قرار جماعي للمجلس فحسب وإنما إسائة كبيرة لتطلعات العراقيين بعالم خالي من رموز القمع البعثي وادواتها وفكرهم الخطر. وعلى الرغم من ذلك يستقطب احد اعضاء المجلس ومسئول احدى الحركات السياسية اعضاء الحزب البعثفاشي ويفسح لهم المجال بالعودة إلى الحياة السياسية العراقية تحت مظلته حتى غدى عضو فرقة ومسئول قطاع واسع في الحزب المنحل احد المسئولين المقربين منه وفي حركته. ان الرأي العام العراقي رصد ذلك ويستنكره مما أنعكس على سمعة المجلس واعضائه الآخرين. في وثيقة لجنة التنسيق بين القوى الديمقراطية التي ساهم في اعدادها واحد او كثر من اعضاء مجلس الحكم تحت مسمى " من أجل حركة ديمقراطية فاعلة ومؤثرة " جاء فيها:
"ان التجربة القصيرة لنشاطات مجلس الحكم كشفت عن خلل على مستويات التنظيم والآليات وفضلا عن تفاقم ظاهرة التنافس السياسي بصورته السلبية ومحاولات استغلال المجلس لاحداث تغييرات وتشريعات غير اجتماعية قد تكون من شأنها تقييد ارادة العراقيين في المستقبل. وكانت نشاطات وفعاليات المجلس اقل من الآمال المعلقة عليه بل ان بعض قراراته كان مثارا للتساؤلات. فقرار تعيين الوزراء جاء على وفق مبدأ التحاصص وليس على اساس معايير الكفاءة، فضلا عن إخفاقه بمجالات الاعلام والاتصال الشفاف بالمواطنين ". وعلى الرغم من معرفة الاخطاء التي تتوسع على ارض الواقع لا زال اعضاء المجلس بعيدين عن الشارع العراقي وهناك انفصال كامل بينهما. وكان بول بريمر اكثر جرأة من جميع مؤيدي التحرير ومجلس الحكم معا في نقده لاعضاء المجلس في قوله:"انهم يفكرون بانفسهم قبل العراق". وهل كان بريمر بعيدا عن الحقيقة وكذلك الشارع العراقي ؟ لا قطعا. فاجتماعات المجلس تلتئم كاملة في قليل من الحالات لان الاغلبية اما خارج العراق او للقيام باعمال حزبية او خاصة، في الوقت الذي يمثل عمل المجلس اولويات الواجب الواطني. يمثل العضو في حالة غيابه سياسين من الدرجة الثانية مما يعيق انجاز الهمات الملقاة عليه في التعامل مع الاحداث بسرعة وشفافية، وهنا يسأل المواطن العادي ان لم يكن لممثل عضو مجلس الحكم الحق في التصويت، فهذه مصيبة وان كان له الحق فالمصيبة اعظم. يرغب الكثير من الاعضاء التواجد خارج العراق لسببين، الاول شعور اكثر بالامان و الثاني الظهور كممثل للعراق وبعضم لم يفلح من قبل ان يمثل حتى نفسه. لا زال الشارع العراقي الذي اخذ يتنفس اجواء الحرية يعيش تحت صدمة اختيار الحكومة العراقية على نفس اسس اختيار مجلس الحكم وهم يقرنون الماضي بالحاضر. فان كان صدام حسين يختار وزرائه دون الكفاءة المهنية على اسس القرابة والولاء وقع السياسيون الجدد في نفس المطب الخاطئ الذي اثار حفيظة الحالمون بعراق الغد. ان نظام مثل النظام السابق كان يتوقع منه كل شئ، لكن من سياسيين بعضهم له باع في العمل الوطني يصعب التصديق في انه وضع حجر فاسد في بناء الدولة العراقية الجديدة،كما كان اختيار الحكومة الحالية. وكان من الممكن، والعراق غني بالكفاءات المهنية في داخله وخارجه بتشكيل مجلس متجانس وعلى اسس الوطنية العراقية والانتماء إلى الوطن الواحد الموحد، بغض النظر عن الخلفية الدينية والقومية يكون مسئولا امام مجلس الحكم وليس قنوات تمر عبره مصالح الاعضاء الحزبية والشخصية.
يلعب الدين دورا مهما في التوعية السلوكية للناس ورجال الدين احسن من يقوم بهذه المهمة، لكنم يتخلفون قطعا عن رجال السياسة او القيام بدور سياسي لانه يحتاج إلى تغرغ لا يملكه رجل الدين وكذلك إلا مرونة يفتقده رجل الدين ايضا. ولم تسلم المؤسسة الدينية العراقية بكلا الشقين الشيعي والسني من ظلم النظام السابق وتحجيم دورها وما يظهر بين الفين والآخر من تدخل في القرار السياسي العراقي راجع إلى احتماء البعض ومنهم اعضاء المجلس بالمؤسسة الدينية او الحوزة العلمية لدفعها في اتجاه لا يخدم المصلحة الوطنية العراقية، كما هو الحال في موضوع الانتخابات المستجعلة. ومن المقرف ان لا يكون مجلس الحكم حسب اغلبية الاصوات هو الفصل في ذلك الموضوع وليس الامم المتحدة. وجاء في تصريح للسيد السستاني لمجلة المانية يوم السبت العشرين الجاري: "الائمة الشيعة مقتنعون بان على رجال الدين ان لا يهتموا بالمسائل السياسية وان لا يقبلوا مناصب حكومية". ولربما في هذا القول تعزيز إلى ما ذهب إليه الصديق المفكر العراقي الدكتور سيار الجميل من قول اتفق به معه :" ان مشروع العراق في استعادة وضعه على سلم التاريخ بحاجة الى مثقفين حقيقيين وليس الى رجال دين! مع احترامي لرجال الدين ومواقفهم السياسية التي ربما تخدم في لحظات حاسمة من عمر المجتمع والبلاد ولكن لا يمكن بناء العراق ومجتمعه المدني ومؤسساته الاهلية وقوانينه المعاصرة على ايدي رجال الدين.., فكما للمثقف حياته واسلوبه وتفكيره وميادينه.. كذلك لرجال الدين اماكنهم واعمالهم وميادينهم. ومن البديهي ان يغدو المثقف سياسيا، ولكن من الصعوبة ان يغدو رجل الدين بسياسي ".
يتطلع المواطن العراقي المحرر من جور اعتى الانظمة القمعية في العالم إلى حياة جديدة ليس فقط في إعادة البنى التحتية المدمرة وعودة الحياة الطبيعية لجزئيات الخدمات العامة، وانما ايضا إلى التناغم بين اداء مؤسسات الدولة الجديدة وحاجاته وبناء علاقات مختلفة كليا عما كان سائدا في السابق. فهل استطاع ان يصل إلى ذلك ؟ لا زال الطريق طويلا وغير سهل، لربما يتحمل المسئولون الجدد وممثليهم في الوزارة الحالية جزء مهم من تخلف الاداء ذلك. ليس المهمة اننا ازلنا نظام صدام حسين وتحرير العراق وانما ان يتعزز ذلك بالانتصار على الارض في تعزيز اللحمة الوطنية العراقية ودفع مفهوم المواطنة والعراق الموحد اولا إلى الامام ومساعدة حلفائنا من اجل الاسراع في برنامج إعادة العراق. ان مهمة كسب الشارع العراقي إلى جانب العراق الجديد مهمة اكثر من أي شئ آخر تتخلص في ايصال فكرة ان التحرير سيغير ليس حياته السياسية إلى الاحسن بزاوية مقدارها 180 درجة وانما مجمل حياته بنفس الاتجاه وذلك عندما تبدأ عجلة إعادة الاعمار تدور بوتيرتها المنتظرة، وان في ذلك مصلحته ومصلحة وطنه التي لا بد له من رعايتها. ان تعاون الشارع يسحب البساط من تحت اقدام اعوان النظام وحاملي فكره المتعفن وخططه السوداء وكذلك المجموعات الارهابية التي تسفك دماء العراقيين. ان ايجاد علاقة مبنية على المصداقية بين قوات التحالف والتيار الوطني من اجل المصلحة الوطنية العراقية لتثبت مصالح العراق الوطنية ووحدة اراضيه وتآخي قومياته وتنظيف مؤسساته من الفساد والمفسدين، عمل يتمناه العراقي كما يتمنى ان يقوم به اعضاء مجلس الحكم كاعلى سلطة حالية.
هل يفقد العراقي الامل بمجلس الحكم الحالي ؟ لا يمكنم ان يكون ذلك ولا يتمناه الوطنيون العراقيون المخلصون، ولكنهم يدعون لاداء افضل وحس وطني اعلى وتفضيل المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والدينية والقومية. ان زيادة اعضاء المجلس إلى التسعين او اكثر في ادخال ممثلي المجتمع العراقي الفاعلة منها منظمات المجتمع المدني، وليس اصحاب التجمعات الحزبية الهلامية سوف يزيد من فعاليته، ولكن هل سيشفى الذين في قلبهم مرض عقدي يتمثل في التعصب القومي او الديني ؟؟؟
&