قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تحدثنا في مقال سايق عن ا لتراث وكيفية معالجة اثاره المدمرة على العقل العربي ومستقبل الامة.واليوم سنحاول ان ننتقل الى عقبة اخرى من عقبات التقدم الحضاري في الامة العربية الاسلامية، الا وهي اعتماد نظرية الترادف اللغوي في القرآن الكريم والتي اوقعتنا في وهم الغيبيات وأدخلتنا سجنها الفكري الرهيب.

مصطلح الترادف أشتق من الفعل (ردف)،والردف ما تبع الشيء.،واذا تتابع شيء خلف شيء فهو الترادف، اي التتابع،ومن ذلك قول الحق:(:بألفٍ من الملائكةِ مُردفين،الانفال 9) ويقول الكسائي:ان كل قافية اجتمع في اخرها ساكنان تدخل ضمن المترادفات،وللترادف معانٍ اخرى كثيرة خارجة عن القصد.والمتابع للسان العرب تحت كلمة ردف لا يجد مطلقا ان الكلمة تعني التشابه او المتشابهات،وهذا دليل لغوي ثبت على ان المصطلحات القرآنية خالية او بعيدة عن الترادف،لكن الفقهاء ألصقوه بالقرآن الكريم لصقاً في التفسير لعدم تمكنهم من معرفة المصطلحات القرآنية تأويلاً.

قبل الدخول في حوار الترادف والمصطلحات القرأنية الكثيرة لابد لنا من ان نعرف ان محتويات المصحف الشريف تشمل الايات الحدية والايات الحدودية وأيات التوجيه والاشاد،والاولى ملزمة التنفيذ، والثانية ثابتة في النص متغيرة في المحتوى،قابلة للاجتهاد، والثالثة جاءت من با ب التوجية والارشاد الديني لهداية النا س نحو الاستقامة الحياتية. لكن المفهوم العام ان كل الايات ملزمة التنفيذ بحسب درجات الفهم والاجتهاد التأويلي لها،لكن الالزام جاء بقناعة الناس الفكرية والقبول العقلي لها كما في سورة الكهف29..والبقرة 256.والانفال 7 وليرد الله ان يحق الحق بكلماته.هذا هو مفهوم القرأن الذي اغفله المفسرون.

وهذه التعددية في الايات القرآنية جاءت من اجل معرفة تحديد الفرق بين النبوة والرسالة، فالاولى مجموعة المعلومات والتوجهات التي جاءت في بداية الدعوة لتوجيه النبي نحوها وافهامها للناس للتصديق بها وبه كمبعوث من الله اليهم( كما في سورة العلق(أقرأ باسم ربك الذي خلق) اي لتثبيت حق الاقناع في الرسالة. والثانية كل الاوامر والتبليغات التي امر بتبليغها للناس كرسالة منه اليهم.واجبة التنفيذ بالقناعة لا بالاكراه.،فكانت الدعوة منذ البداية قد فتحت طريفا للاختيار الحر تمشيا مع ما جاء به القرآن الكريم.،كما في قوله تعالى(ولوشاءربك لأمن من في الارض كلهم جميعاً،أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين،يونس 99). ان ما طرحته الدعوة بحاجة الى منهج جديد يختلف عن المنهج الغامض الذي طرحته الحركة الفقهية الاسلامية والبسته ثياب التشدد والانغلاقية.
لو تتبعنا آيات القرآن الكريم تتبعا عقليا،بعيدا عن العاطفة،لسئلنا أنفسنا،هل يقع الترادف اللغوي فعلا في القرآن ويؤدي الى هذا التناقض في المعنى والقبول؟

لن نجد عندهم سوى الجواب التقليدي (هكذا اجمع العلماء،او السلف الصالح) لكن هؤلاء الاجلاء قد فات زمانهم الان وهم ونحن بحاجة الى مراجعة افكترهم فالزمن يلعب دور في عملية التغيير. والعالم اليوم فيه الكثير من المتخصصين الذين يستطيعون سد الثغرات والفجوات بثوب جديد دون الحاجة الى التمسك بما تمسك به رواد الترادف اللغوي القديم ا من علماء اللغة من امثال الهمذاني والزركشي والاصمعي والبغدادي،هؤلاء الذين يحشدون ألفاظاً كثيرة للمعنى الواحد ولا يفرقون بين الاسم وصفاته.لكنهم هم المعتمدون،بحجة ان ما اوردوه كان تراثا صحيحا لا يمس.

اما الذين انكروا الترادف في القرآن الكريم من امثال الجاحظ وابن قتيبة وابو علي الفارسي وابن جني والعسكري والراغب الاصفهاني فلا مكان لهم في رأي المفسرين.

ان طبيعة الاختلاف يجب ان يستند الى قواعد اللغة العربية وادابها في الدراسات الاكاديمية الصرفة لاكما نقلته لنا المعاجم دون مراجعة او تمحيص،لان ظاهرة التطور اللغوي حقيقة واقعة في كل لغة من لغات العالم واللغة العربية منها.

ان اللغة العربية ليست لغة فحسب،او وسيلة للتخاطب بين شعب من شعوب العالم بل هي ثقافة عامة لكل من يؤمن بالاسلام ويقرأ القرآن لانها لغة تحمل رسالة دينية هي اخر الرسالات وليست لغة الهملايا التي لا يعرفها الا سكانها الاصليين أفلا يدركون؟

ولنعد مرة اخرى لنقول:ان أشكالية وجود الترادف بحاجة الى حل جذري معتمد من قبل المجامع العلمية للغة العربية،فنحن لسنا بحاجة لان كل يوم يصدروا لنا معجما منقولا من الاخر وانما بحاجة الى نقلة نوعية في عالم اللغة والتفسير لان الامة حوصرت حصارا كاملا بهذا التفسير الترادفي الخاطىء.


عليهم ان يعالجوا القضية من جهة اشكالية المعنى والدلالة من خلال المقارنة النفسية والبعد المعرفي ودلالة الاطر والفضاءات الذهنية والتصور الفاعلي التي صاغها العلماء الاجلاء ولم يؤخذ بها لمخالفتها لرأي السلطة السياسية.

لقد وردت في القرآن مصطلحات متعددة ومتنوعة كل منها يعني معنىً معين مثل،الكتاب والقرآن والفرقان والذكر وأم الكتاب واللوح المحفوظ والامام المبين والحديث واحسن الحديث وكلها حشرها الفقهاء بمعنىً واحد حين خانتهم الحجة في التأويل فجاؤا لنا بتفاسير قرآنية بعيدة عن الحقبقة والواقع وزرعوها في افكار العامة والخاصة وها هي نتائجها المدمرة نحصدها اليوم ارهابا وعداوة وتباغضا،فكانت السُنة والشيعة وما انزل الله بها من سلطان.انهم بحاجة الى مراجعة تاريخية واصدار الاحكام عليها ليحنل العقل والضمير مكانة التكريم فيها.

كل المفسرين اصحاب الترادف اللغوي لم يفهموا ان هناك تلازما بين اللغة والتفكير ووظيفة الابلاغ منذ بداية نشأة الكلام الانساني،فراحوا يفلسفون اللغة ومعاني الكلمات على غير هدى،ونسوا ان بعض اللغات تتمتع بخصائص بنوية معينة ومتميزة بحاجة الى تميز في تحديد فروق معاني الالفاظ وحول التباين بين اسم الذات واسم الصفة،فظلت معاني كلماتها الصعبة ولغة القرآن الكريم العربية منها دون تحديد. ولنأخذ مثلا في سورة المزمل(ورتل القرآن ترتيلا) هنا لا يقصد القرآن التلاوة وأنما يقصد الثقل في التلفظ والنطق لوعورة ما يشتمل عليه القرأن من علم لم يفهمه الفقهاء والمفسرون،فجاؤونا بنظرية ان بعض الايات القرآنية لا تفسير لها والحروف في اول السورة زائدة لا معنى لها وكأن القرآن بنظرهم جاء حشوا بلا معنى في بعض اجزائه الكريمة.

كما قلنا لو شكلت لجان علمية لتفحص هذه الظاهرة الخاطئة المفروضة علينا في تفسير القرآن الكريم لهدمنا التصور الخاطىء في فهم الاسلام القائم على ترادف القرآن والكتاب.ولاصبح علينا لزاما تقديم تصور جديد في فهم الاسلام قائم على تباين في المعنى بين القرآن والكتاب. نحن ندعو الى تصور جديد في فهم الاسلام قائم على المنهج التاريخي العلمي في الدراسات القرآنية والتفريق بن مصطلحاته وما قصد منها.ولنأخذ مثلا بين القرآن والفرقان كما في سورة البقرة 185،يقول الحق: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان)،هنا نلاحظ ان القرآن جاء معطوفا على الفرقان،وفي اللسان العربي لا تعطف الا المتغايرات،فكيف الامر الى ذلك لوكانت الكلمات مترادفة المعنى.وكما في سورة فاطر( أية 31)، لكانت كل المصطلحات القرآنية متشابهة،فما معنى تصديق الذي بين يديه؟

ان الله مطلق ومعلوماته مطلقة وعندة توجد الحقيقة الموضوعية بشكلها المطلق،لذا اخذ الله سبحانه وتعالى بالحسبان لدى اعطاء الناس ما شاء من علمه،فكانت المصطلحات القرآنية تدرُجية في الفهم والمعنى لسهولة الوصول الى الحقيقة القرآنية التي لازلنا الى اليوم نجهلها. انا لا اعتقد ان القرآن كان كتابا دينيا حسب،بل كان كتاب هداية لكل القيم الانسانية التي اغفلتها البشرية من قبل وكان توجها الى فتح الافكار الانسانية نحو العلم وربط الظواهر الحياتية والعلمية،وليس كما صوره لنا الفقهاء والمفسرون وجعلوا من مدارسهم فكرا فيه الزامية الفرض والقبول على المسلمين نونسوا انفتاحية النص في التوجه العلمي والفكري المنفتح، يقول الحق:(قل سيروا في الأرض وأنظروا كيف بدأ الخلق،العنكبوت 20).

أنا ادعوا السادة المخلصين الذين يتزعمون حركة النقاش العلمي للنص الديني ا اليوم، ان يتبنوا الفكرة قولا وعملا ويبتعدوا عن الشعائر الدينية المتزمتة والبعيدة عن فكر الاسلام الحقيقي ووطنهم العراق صاحب الفكر المنفتح على الحضارات منذ فجر التاريخ فلا انغلاقية فية ولا جمود رافق فكره، ليصبحوا عوناً جديدا لنا في الحركة العلمية الجديدة المتميزة ولنخرج الوطن العراقي من التزمت الى الانفتاحية. فهل سيسمعون؟

د.عبد الجبار العبيدي
[email protected]