الظروف التي وفّرت لرجال الدين، المنتمين إلى الإسلام السياسي الحركي، فرص نشر أفكار هذا النوع من الإسلام، وفرص إقامة مشروعهم الديني السياسي والاجتماعي، المشروع الذي أثبت فشله في عدة مواقع ومحطات والمنطلق من شعار الإسلام هو دين ودنيا أو الإسلام هو الحل، وجعلتهم يغوصون في بحر المصالح الدنيوية ليحصلوا على فرص عيش جديدة وفرتها لهم تلك الظروف، وجاء الكثير منها من خلال طرق ملتوية غير مشروعة، في حين تشددوا مع شعوبهم في مختلف مناحي الحياة وفرضوا عليهم قيودا ثقافية واجتماعية أصبحت معها حريات الإنسان الطبيعية وحقوقه الأساسية مهددة، ذلك جعل شعبيتهم في المجتمعات العربية والإسلامية تتأثر وتتراجع بشكل كبير، هذا إذا استثنينا دورهم في تأجيج الطائفية وترسيخ التمييز ونشر العنف والإرهاب ضد المسالمين والآمنين، كذلك دورهم المشبوه في جمع أموال الخمس والزكاة والتبرعات وأموال الصناديق الخيرية، أضف إلى ذلك ممارساتهم غير الطبيعية وشغفهم المريض تجاه الجنس الآخر.


لذلك نجد العديد من رجال الدين يحذرون زملاءهم ويدعونهم إلى الابتعاد عن الإسلام السياسي والتركيز على الإسلام المفصول عن السياسة وعن مسائل الحياة، الإسلام الروحي المعنوي، كي لا يتضرر طريق الإيمان من جهة، وكي ترفع عن أصحاب العمائم تهم الاستغلال المصلحي السلطوي الرخيص للدين والدنيا وتهم التكسّب غير المشروع وتهم الانحلال الخلقي وتهم نشر العنف والإرهاب. فأنشطة الغالبية العظمى من هؤلاء تجاهلت ساحة الإيمان وسارعت إلى الطريق المؤدي إلى استغلال الدين لتحقيق المصالح الشخصية أو الحزبية أو السلطوية، إنْ عن طريق الابتزاز الإقتصادي والاجتماعي أو عن طريق حب السيطرة والنفوذ المؤدي كلّه إلى الظلم والقهر وفساد المجتمع.


في إيران قام آية الله جلال الدين طاهري أحد كبار رجال الدين بتوبيخ زملائه الذين quot;جمعوا الثرواتquot; وقال إن ذلك quot;سيظهر أننا أردنا الثورة ]الإسلامية[ كوسيلة لخدمة أنفسناquot;. ويقول المراقبون أن تشدد رجال الدين في إيران أدى إلى دفع الكبار منهم إلى إبعاد أنفسهم عن السلطة السياسية من أجل إنقاذ سلطتهم الروحية. وحينما تأجج الخلاف بين الإصلاحين والمحافظين وتم خلاله استخدام العنف، وجه آية الله حسين علي منتظري (النائب السابق لمرشد الثورة الراحل آية الله الخميني) رسالة إلى مسؤولي الحكومة قال فيها: quot;كنت قبل وبعد الثورة الى جانب المسؤولين الحاليين وأود التذكير بأن أساليب العنف والخشونة من قبلكم وأنصاركم، خاصة وانها تجري بإسم الإسلام، تؤدي يوماً بعد يوم إلى ابتعاد الشعب. فالشعب ينفصل عن رجال الدين والنظام الإسلامي، تماماً كما انفصل الشعب عن النظام السابق وأنصاره. ولهذا ينبغي إعادة النظر بهذا الأسلوبquot;.


عباس باليزدار، العضو في لجنة التقصي القضائي والتحري في إيران، وأحد أنصار الرئيس محمود أحمدي نجاد، أثار فضيحة قبل أشهر باتهامه عددا من رجال الدين المحافظين الكبار وأشخاص مهمين في الجمهورية الاسلامية بالفساد في محاضرة له في جامعة بمدينة همدان. وهو خطاب ساهم في توسيع رقعة عدم شعبية رجال الدين هناك في ظل الحالة المعيشية المتدهورة.


قدم باليزدار تفاصيل عن عدة صفقات تجارية غير قانونية وخروقات جنائية، واتهم عددا من الشخصيات السياسية الدينية الإيرانية المهمة، منهم آية الله هاشمي رفسنجاني الرئيس السابق ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، وآية الله إمامي كاشاني إمام صلاة الجمعة في طهران، وآية الله واعظ طبسي المسؤول عن حرم الإمام الثامن لدى الشيعة (الإمام علي بن موسى الرضا) وهو يعتبر أحد أبرز رجال الدين في مدينة مشهد، اتهمهم بجمع مئات ملايين الدولارات بشكل غير قانوني. كما أشار باليزدار، في شرح مسهب، كيف تم السماح لآية الله محمد يزدي رئيس السلطة القضائية الأسبق بشراء مصنع إطارات بحجة دعم كلية الحقوق للنساء في مدينة قم. وقالت المعلومات المتداولة حول الموضوع أن القيمة التقريبية للمصنع تبلغ حوالي 600 مليون دولار، في حين سمح ليزدي بشرائه بـ10 ملايين دولار. وقال يزدي إنه لا يستطيع أن يدفع أكثر من 10 بالمائة نقدا، ثم باع المصنع في سوق الأوراق المالية الإيراني بأرباح طائلة.


يشرح باليزدار في حديث مع إحدى المدونات الإيرانية، سبب عدم تكلمه عن quot;فسادquot; عائلة رفسنجاني، وهل هذا بسبب خوفه من قوة رفسنجاني؟ أجاب بأن هناك عمليات هائلة من استغلال النفوذ عند عائلة رفسنجاني مما قد يستلزم جلسة خاصة للحديث عن هذا الموضوع. وحسب باليزدار، فإن رفسنجاني يملك حسابا ماليا كبيرا في شركة نفط كندية، وفي الجزيرة السياحية الإيرانية كيش. كما قال أن هناك دليلا مصورا لإبن رفسنجاني، مهدي، وهو يتحرش جنسياً بالموظفات العاملات لديه. وقد ضمت قائمة المتهمين بالفساد التي أعلنها باليزدار، رجال دين كبار محافظين. منهم آية الله محمود هاشمي شاهرودي رئيس السلطة القضائية الحالي، وآية الله ناطق نوري رئيس البرلمان الأسبق ورئيس قسم التحري والتحقيق في مكتب المرشد الأعلى، وآية الله مكارم شيرازي من كبار العلماء ومراجع الدين في إيران، وآية الله علي فلاحيان وزير الاستخبارات الأسبق، وآية الله علم الهدى إمام صلاة الجمعة بمدينة مشهد.


في العراق أكد تقرير نشره مؤخرا موقع إيلاف الإلكتروني أن شعبية رجال الدين السنة والشيعة شهدت تراجعا كبيرا. وقال التقرير أن تراجع شعبية هؤلاء أصبح واضحا في العاصمة العراقية بغداد وبقية المحافظات الوسطى والجنوبية والغربية. وأكد أن المواطنين العراقيين أصبحوا يحمّلون رجال الدين السبب في تدهور الأوضاع السياسية والأمنية بسبب تبنيهم مشاريع طائفية ودينية. وتحدث بعض المواطنين العراقيين عن انحسار ظهور رجال الدين العراقيين بعد أن كانوا قبل سنوات محل تبجيل الناس. وعزا هؤلاء هذا التراجع إلى إمساك الأحزاب الدينية العراقية (أحزاب الإسلام السياسي الحركي) بزمام السلطة بعد أن اقترنت فترة حكمهم بتردي الواقع الخدمي والإنساني والاجتماعي، حيث أظهروا عدم دراية بكيفية الحياة السياسية وتأسيس دولة بمواصفات حديثة. وأضافوا أن أكثر المناطق تراجعا في الخدمات هي التي تكثر فيها المساجد ومكاتب الأحزاب الدينية التي اتهموها بتكوين إمبراطوريات مالية من الميزانية العراقية.


وتحدث مهندس مدني لإيلاف عن سيطرة رجال الدين على معظم المقاولات التي تعرض، حيث تفوز الشركة المرتبطة برجل الدين المنتمي لأحد الأحزاب المهيمنة على المقاولات في معظم الأحوال، وقد شكا من سوء تنفيذ المشاريع التي تشرف عليها تلك الشركات. وقال محقق في هيئة النزاهة العراقية أن ملفات عدة تنتظر التحقيق بإهدار المال العام، لكن يجري تأخيرها بسبب ضغوط سياسية. وأشار إلى أن من بين الأسماء المتهمة بإهدار المال العام والفساد الإداري والمالي شخصيات دينية. وأكد سائق تاكسي أن شارع الشيخ زايد في بغداد يضم الآن عشرات الفلل الفارهة لأعضاء في البرلمان العراقي ورجال دين مقيمين في الداخل والخارج، وقال بأنه حتى معارضي السلطة الحالية من رجال دين لديهم هناك فلل.


يقول محمد محبوب، وهو مواطن عراقي شيعي من البصرة، بأنه quot;شيعي من الجنوب العراقي المعذب، شيعي يحلم بوطن ديموقراطي تعددي ليبرالي، وطن لايفرق بين الجميع، ولايوجد فيه من يحمل وكاله عامه مطلقه من الله ليتصرف بحياة الناس كما يشاء ويدعي أنه يحكم بأمر الله، وطن لاتوجد فيه نساء ببغاوات يطالبن بحق الرجل بضرب المرأه ويرددن وهن نائبات في البرلمان بإن المرأه أقل قيمة وقدرا من الرجل، وطن لا يحكم فيه أنصاف الملالي القادمين من مدينة قم الإيرانية، وطن لا يتحول رجال الدين فيه الى سياسيين آفاقين ولصوص، وطن لا يوجد فيه مغامرون يستخدمون الدين مطيه للوصول الى طموحاتهم السياسية، وطن خال من دكتاتورية رجال الدين وتسلطهم على الناس وتذلل البسطاء لهم وتقبيلهم لأيديهم، وطن لا يلغي قانون الأحوال الشخصيه ويستبدله بالظلام، وطن لا يتحول فيه رجال الدين الى شرطة تلاحق الناس وتقمع الحريات الفرديةquot;. إن كلمات محمد لم ترتبط بمؤامرة ما ضد رجال الدين، بل هي خرجت بعفوية لتسطر عبارات تعبّر عما يعانيه الإنسان العراقي من ظلم رجال الدين، مما جعل شعبيتهم تتهدد كما هو الحال في إيران.

فاخر السلطان

كاتب كويتي
[email protected]