نظريات التمذهب الاسلامي نظريات طارئة وهمية صنعت من الاجتهادات الشخصية لرجال الدين المفتعلة التي لا دليل على صحتها. المسلمون الاوائل الذي رافقوا نبوة محمد(ص) لم يكونوا لا من الشيعة ولا من السنة ولا من المذاهب الاخرى،بل من المؤمنين،وحين اشتد الخلاف على الخلافة والسلطة بعد وفاة الرسول(ص)، ركن كل فريق منهم الى فريق من المتفيهقون ليكتبوا لهم مايرغبون ويريدون ليثبتوا لهم حقا هم ليسوا بصانعيه،من هنا نشأت الفرق المتخاصمة.فظهرت جماعة الاعتزال والجبر والقضاء والقدر والفرق الساكتة حين التزموا موقف الحياد او الانحياز في قضايا اسلامية مصيرية،كل منهم يدعي مايريد ويعتقد خدمة للسلطة لا للدين.

لقد تضمن القرآن الكريم الاصول الرئيسية لشريعة الاسلام من صوم وصلاة وحج وزكاة وكل ما يحتاجه الانسان من عبادات ومعاملاة ومبادىءالاحكام.لذا فان للاحكام في القرآن أصول واضحة،وفي سنة الرسول تبيان وتحديد لما جاء به القرآن،من هنا جاءت الاية الكريمة(وما آتاكم الرسول فخذوه،وما نهاكم عنه فأنتهوا،الحشر7).

وبما ان التدوين القرآني جاء محكما على عهد التدوين الاول بالمقارنة والتثبت،لذا لم يستطع احد اختراقه وادخال الغريب عليه ابدا.لكن الايدي أمتدت الى الحديث الشريف فغيرت منه وبدلت على هواها وبما تقتضي مصلحة السلطة الحاكمة،كما انهم لم يفرقوا بين ماجاء في الحديث معتمدا على القرآن من نصوص وبين ما يعتمد على تصرفات الرسول الشخصية فعدوها واحدة وهنا وقعوا في خطا التقدير الديني في التصرف والتوجيه،فخلطوا مابين الحديث والعادة والتقليد، وحتى لا تناقش فقد صبغوها بالصبغة المقدسة تجاوزا،فحرموا الدخول في محاورتها.تحت نظرية( قدس الله سره) والقرأن يرفض التقديس،البقرة 174.

وحين ظهرت الفرق المتناحرة في السياسة وخاصة بعد عهد الراشدين،شمل ذلك التناحركل جوانب الدين الاسلامي وعقائده واحكامه،وتعدى ذلك الى الاختلاف في الصفاة الالهية الاخرى في التجسيم والجوارح ويوم القيامة وكيف يرى،وهل القرآن مخلوق ام قديم،وقد انبرت المعتزلة لحوار علمي مع الفرق الاخرى،وحين اشتد الخصام وقف الخليفة المآمون مناصرا للمعتزلة وحين وصلت اى مرحلة الانتصار على عهد المعتصم استمات الفقها ء لدحرها حتى أفول نجمها على عهد الخليفة المتوكل العباسي الذي ناصبهم العداء والغى كل ما جاؤا به من أراء. ان اراء المآمون ومحاولاته لم تسقط وانما الذي سقط هو الدولة العباسية التي قامت على غير حق.

لمن العار ان تصير الخلافة والدين الاسلامي الى ناس مثل المتوكل والمنتصر الفسدة،وهذا جزاء ما اهمل من تقنين الخلافة وتنظيمها منذ البداية،وهم يتحملون مسئولية تدمير الدين والدولة معا.،بعد ان ابتعدوا عن العقل الذي هو اساس كل شيء في حياة البشر.والحق ان تاريخنا فقد شخصيته وروحه منذ ان اصبح مجرد نزاع على السلطان في ذاته،لاشيء اذا لم تكن له رسالة،والاسلام الذي ضيعوه هو رسالة التاريخ اللاسلامي.لذا تراهم اليوم في عالمنا الاسلامي يتخبطون كل يرمي على الاخر تبعة الفشل،لكنهم جميعا هم الفاشلون.

لقد ظن بعض العلماء الاوربيين ان محمدا اسطورة،مثلما ظنوا في اسطورة المسيح بن مريم، لكن حينما قرأ احد المستشرقين السيرة النبوية الموجزة لابي الفدا في تاريخه،تبين له ان رسول الله(ص) شخصية تاريخية حقه وليس اسطورة،وانه قام برسالته على النحو الذي ارادها الله للناس لوكان العرب يعلمون.

ان اخطر ما مرَ بالعقيدة الاسلامية والتمذهب الاسلامي حين تبنته الدولة او الخلافة، فاصبح رأيها مسلطا على الناس بقانون القوة لا بقوة القانون،فاهمل من خالف وعوقب بقسوة الى حد القتل تارة،والسجن تارة اخرى.حتى استقر الرأي على الاخذ بمذهب من مذاهب الافتاء دون صحة من رأي او رأي من حوار.فظهر ما سمي والى الان بأراء المذاهب الاربعة في الفقه واعتمد رأي الاشعري في العقائد.فكانت الطامة الكبرى في قتل الاجتهاد والرأي الحر مخالفين لاي نص يدعو لحرية الرأي في الاعتقاد،لا بل قل توقف النص القرآني عن اية فعالية في تحقيق حرية الرأي، فتوقفت حركة التقدم الحضاري في الامة العربية والاسلامية.

من هنا جمدت العقول واصبح صحيحي مسلم والبخاري وما جا فيهما كله صحيح،فسدوا علينا باب العلم والبحث في الحديث والاجتهاد فيه باجبار الناس على تقليد احد الائمة الاربعة،علماً ان الرسول قال بعد دخوله مكة:( خلوا بيني وبين الناس ولا تنقلوا عني غير القرآن،انظر الواقدي،المغازي).ورغم ما اصاب الامة من اجبار وقهر ظل البعض من المجاهدين يقفون على رأس المعارضة لهذا الاتجاه المنغلق.وتقف جماعة المؤيدين للفكر العلوي على رأس القائمة للمعارضة، وهم جماعة أهل البيت، من هنا جاءت فكرة التسمية لهم بالرافضة،فالرافضة ليسوا هم الشيعة العلويين ولا أهل البيت ولكن من رفض فكر القيود على الرأي والشريعة،وبمرور الزمن اصبحت التسمية ملصقة بهم والى اليوم دون دليل بل معتمدة على ما تتناقله الالسن وتسمعه الاذان خطئاً.

وبمرور الزمن اصبح النص الديني لايشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي،فأنتشرت الخلافات في المجتمع العربي الواحد والدين الواحد ووصلت الى حد الصراع الدموي.لذا فأن الاثر التاريخي ودوره في المجتمع الاسلامي خلق هذا التصادم في الراي والعقيدة وكل منهم بنى فكره على مايرى ويحكم دون من اساس شرعي ثابت وواضح. من هذا المنطلق والى ما وصلنا اليه من محنة حالية لابد من اعادة كتابة التاريخ بروح الموضوعية علنا نخلص اجيالنا من الوهم الذي به يعتقدون.

ومن خلال استقراء التاريخ يمكن ان نؤكد بان التراث هو قضية تاريخية،يمكن التحاور معه ومناقشته ونقده بروح المسئولية والتي لاتصل جميع جوانبه الى حد التقديس.وهنا سنخدم كلمة الحق وعدم التغييب،ونبذ المذهبية الباطلة المفتعلة والعصبية المسبقة بعيدا عن المصالح الذاتية والمصالح السياسية والاهداف المؤقتة وأراجيف الوعاظ وموظفي الحماية،شرط ان نجد من يتحمل مسئولية هذه المهمة الشاقة.وبما ان العراق مهيا الان لمثل هذه المهمة او النقلة الحضارية،فالمذهب الشيعي ليس مذهبا دينيا،بل هو فكر ايديولوجي عقيدي يحتاج الى من يفهمه ويعرضه على الملأ بروح المسئولية العلمية الثابتة فهو عقيدة كل المسلمين وليس الشيعة كما يدعون،لكن الفكر لم تتوفر له قابلية الحركة على يد العلماء النابهين فبقي رهين اوسجين افكار المقوقعين..فأنا ادعوا شخصياً السيد المالكي لتبني الفكرة ونقل المجتمع من التخلف الى الانفتاح والتقدم.فهل سيسمع او يجيب؟ وليكن ما بدأ به المآمون يكمله المالكي اليوم لنخلص والى الابد من وعاظ السلاطين.

ان المرض لازال قائما والصفقة ما زالت تنخر وتقبح وجه التاريخ،رغم وضوح الحق وصراحة الباطل في مجمل حياتنا العربية الحاضرة.ان الاتجاه بالخط المقترح سوف يعيد لنا الوحدة والقوة ويمنحنا الانسجام ويقضي على الفوضى الفكرية التي تلفنا اليوم،ويتجه بنا نحو الخير ومحاسبة النفس والسمو بانسانية الانسان.وانا اقول من هنا ان كل المذاهب اليوم ماهي الا أجتهادات شخصية عفا عليها الزمن وماتت بموت مخترعيها من السالفين، واصحاب المنافع للحاكمين فلا مذاهب في الاسلام بل فكر نير بحاجة الى تقنين.

وحين ننادي احدهم من متنفذي السياسة في وطننا العراقي اليوم الالتزام بهذ الخط، لعلنا ان نخترق المآلوف بعد ان اصبح الوقت متاخراجدا حين ضاعت الحقيقة على الناس ولم يعد بالامكان الانتظار اكثر من الذي مضى وكان. فهل من شجاع يجيب؟

د.عبد الجبار العبيدي
[email protected]