منذ الحرف الأول، يجب علي ّ التأكيد على عدم معرفتي الشخصية بالنائب محمد الدايني الذي وُجـِّهت إليه تهم إرهابية، وانعدام النية لديّ للدفاع عنه وعن أي متهم بمعزل عن القانون والقضاء العراقي المحترم. لكن ملابسات مايتعلق بالنائب المذكور، وما حصل له خلال اليومين الماضيين يستوجبان تحبير بعض السطور، انتصارا ً لقيم الديمقراطية واحترام القانون التي ندّعي ndash; جميعا ً ndash; احترامها.

أعتقد أن الجهة الأولى التي ينبغي عليها إعادة النظر في كيفية تعاملها مع أسلوب تطبيق القانون هي مجموعة قيادات ومؤسسات quot; عمليات فرض القانون quot;. فعلى الرغم من الطبيعة الهادئة والمقنعة للناطق باسم قيادة هذه العمليات ؛ أي اللواء قاسم عطا، لكن إجراءات هذه quot; العمليات quot; وغيرها من المؤسسات الشـُرَطية مازالت تأخذ طابعا ً لايتناسب واعتبارات الدولة الديمقراطية الحديثة التي ننشد جميعا ً تأسيسها.

لقد انتهى عهد القمع، أو هكذا فهمنا من خلال مسيرة السنوات الست التالية لسقوط النظام السابق، أو من خلال تصريحات ومقابلات وبيانات رئيس الوزراء نوري المالكي والشخصيات المنضوية تحت لواء تكتله الواسع من مستشارين وأصدقاء وأقارب إلخ... لكن كثيرا ً من الممارسات التي تجري على الأرض، ويشهدها القريب والبعيد منا، لاتشجـّع على الاستمرار في هذا الإعتقاد.

في خصوص النائب الدايني، أو غيره من المواطنين العراقيين، يحق ّ لأية جهة من جهات فرض القانون أو مكافحة الإرهاب توجيه أية تهمة إليهم وفق المعطيات والدلائل المتاحة وفق القانون. وتعني عبارة quot; وفق القانون quot; هذه إحاطة القضاء بطرق أصولية سريعة علما ً بالواقعة، واستحصال تفويضا ً منها، لغرض ملاحقة هؤلاء المواطنين المتهمين. وفي حالة النائب الدايني، ينبغي أيضا ً أن يكون البرلمان على علم بالأمر، ولايكون كالزوج آخر من يعلم. إذ أننا نعتقد أنه برلمان محترم وليس خرّاعة خضرة، ونطمح إلى رؤية هذا الإعتقاد متحققا ً على أرض الواقع.

ومهما قيل عن وجاهة التهم التي تتربص بالدايني الدوائر، ومهما كانت سيرة الدايني وزوابعه الدعائية التي عاصرناها، بخاصة ٍ على شاشتي قناتي quot; الجزيرة quot; القطرية والقناة الرابعة البريطانية، والتي تشير بوضوح إلى تبنيه خطا ً مناوئا ً لتطلعات قطاعات واسعة من أبناء الشعب العراقي تحت ذريعة معاداته المزعومة للطائفية والتدخل الإيراني في الشؤون العراقية، لكنه يبقى في نهاية المطاف نائبا ً من نواب الشعب العراقي المنتخبين وينبغي احترام شخصيته الحقيقية والحقوقية ( الإعتبارية ) احتراما ً للشريحة الشعبية التي يمثلها في مجلس النواب، واحتراما ً له كإنسان ومواطن قبل كل شيء.

تعلـّمنا مما قرأناه وسمعناه طوال عقود أن النظام السياسي العادل الذي يتمتع بوجود مؤسسات قضائية محترمة يعتبر المتهم بريئا ً حتى تثبت إدانته. غير أن ما نراه أمامنا على أرض الواقع وعلى شاشات الكمبيوتر والتلفزيون يؤكد غير ذلك. فما أن توجـّه إحدى المؤسسات الشـُرَطية ( لا أقول البوليسية ) اتهاما ً ما لعراقي ٍّ ما، حتى تتناوشه quot; أقلام quot; وأفواه الإعلاميين والناس أجمعين لتتركه في نهاية المطاف منزوع الريش، منزوع الكرامة، أعزل َ، عاريا ً عن أية حماية حتى لو كانت مجرد ورقة توت، فماذا تبقـّى للقضاء المستقل إذن؟

أمام رئيس الوزراء نوري المالكي مهمة عاجلة، ربما أكثر أهمية من جميع وعوده الإنتخابية في الإنتخابات المحلية الأخيرة، وهي العمل على تعليم الأفراد والمؤسسات المؤتمرين بأمره مباشرة احترام القانون ودولة القانون.

فصحيح أن البلاد تمرّ بأوقات حرجة تكاد تصل إلى مستوى ً يفرض حكمها بقوانين الطوارىء ومكافحة الإرهاب، لكن نظامنا العراقي الجديد لاينبغي أن يشبه أنظمة قمعية وكيفية مثل بعض الأنظمة التي تحيط بنا، الذين يحددّ فيهما الشـُرَطيون وأجهزة القمع والمؤسسات الموازية لمؤسسات الدولة شكل وطبيعة القانون وأسلوب التعامل مع القانون. وانتهازا ً لهذه الفرصة السانحة، أعبر عن اعتقادي بأن أفضل عربون يمكن أن يقدمه السيد رئيس الوزراء لدولة القانون المرتقبة هو البدء بجهاز حمايته القمعي والجاهل قبل غيره من المؤسسات الموازية لمؤسسات الدولة القانونية. فقد طفح الكيل بالناس ndash; وخاصة الإعلاميين والصحفيين والسياسيين ndash; جرّاء ممارسات هؤلاء الجهلاء من أقارب رئيس الوزراء والذين يؤلفون الشطر الأعظم من طاقم حمايته، وخاصة زوج ابنته وزوج شقيقته اللذين يذكـّراننا بالمقبورين صدام وحسين كامل، أو على أفضل تقدير بـ quot; الدكتور quot; السجين عبد حمود !

ويؤسفني القول أنه لا دليل في الأفق على أن واقع هذا الطاقم القمعي في طريقه إلى التحسن. فبعدما تغاضى زعيم ائتلاف دولة القانون عن ممارسة هؤلاء الجلاوزة التنكيل الوحشي بالصحفي الشاب منتظر الزيدي أمام عدسات التلفزة، ولم يأمرهم باحترام القانون واحترام الحيثية الإنسانية للمتهم مهما كان حجم ماأقدم عليه، وصلنا اليوم إلى درجة عدم خوف هؤلاء وغيرهم من طواقم الحمايات والأجهزة الشـُرَطية من أية جهة وعدم مراعاتهم لأي اعتبار قضائي أو قانوني أو ديمقراطي.

والشيء بالشيء يذكر وسامحونا على أي تقصير، خاصة ً وأننا بعيدون عنكم ولامطمع لنا فيكم إلا حثـّكم على احترام القانون ودولة القانون، أنقل بأمانة مارواه لي الدكتور محمود شمسي وهو أحد الشخصيات السياسية العراقية في المهجر اللندني حول الطبيعة القمعية والجاهلية لطاقم حماية رئيس الوزراء. فخلال زيارة المالكي العلاجية إلى لندن قبل عدة أشهر، طلب د. شمسي وشخصية أخرى السماح لهما بزيارة رئيس الوزراء في المستشفى لعيادته على اعتباره صديقا قديما لهما. وبالفعل حصلت موافقته. وعندما توجها لزيارته في الموعد المحدد فوجئا باعتراضهما من قبل صاحب الرأس الكبيرة نفسه الذي quot; أمر quot; بإطفاء أنوار الكاميرات في واقعة منتظر الزيدي، ومحاولته منعهما من زيارة المالكي بحجة نومه، رغم وجود الموعد المسبق. وعندما قفلا عائدين وهما ممتعضان من السلوك الهمجي واللاحضاري لهذا الشيء، لاحقهما آخر كان يعلم بالموعد ( وهو شخص على قدر من الوعي ) وأقنعهما بالعودة إلى المستشفى معتذرا ً لهما عما حصل.
الدكتور محمود شمسي قال لهؤلاء: إذا كانت هذه هي أخلاقكم في لندن، فكيف تتعاملون مع الناس هناك، في العراق !

علاء الزيدي

www.elaphblog.com/alzeidi