تشعرنا أخبار اليمن بمرارة كبيرة وتملانا رعبا وألما ليس للخسائر التي تسببها وحسب بل ولما تثيره من إشكالات لا يمكن تجاهلها أبدا، إذ نحن نعلم أن الصراع في اليمن ما كان له أن يجلب هذه المواقف المتشنجة ويثير هذه الإشكالات لو لم تدخل فيه العوامل الطائفية، ولقد لاحظنا كيف تعاطت وكالات الأنباء ومواقع الأخبار مع هذا النزاع الذي غذته وصعدت من أواره مواطن الفتنة القابعة في بواطن العقل الجمعي الذي شمر عن ساعديه المجذومين بداء الطائفية، فغدت هذه الحرب ابعد ما تكون عن مجرد حرب بين طرفين يمنيين، بل حربا طائفية إقليمية باردة تنذر بالكثير من العداء والانقسام.


ولقد رأينا كيف تعاطت بعض قنوات ومواقع الأخبار مع الغارة الجوية التي أزهقت أرواح العشرات من الأطفال والنساء، وكيف انقسمت مواقف تلك القنوات والمواقع بحسب خلفيتها الطائفية حيث بان التشفي من البعض والغضب والانزعاج من البعض الأخر، وإلا فان الشيء الطبيعي أن نجد إجماعا على إدانة الماسي والفواجع أيا كان مسببها أو هدفها ما دمنا جميعا بشر بل وتجمعنا الكثير من الروابط، لكن العقل المتمنطق بنطاق التعبئة الطائفية ما كان له أن يتبدى إلى هذا النسق الإنساني وهو مربوط بعقد الوجدان الخبيئة المتوارية في غياهب العقل الباطن أو المتبدية في مركب الوعي ونسقه الظاهر.


والشيء الذي يجب أن يخشاه اليمنيون بل وان يبذلوا جهدا كبيرا لتجنبه، هو أن تجذر هذه الحرب الطاحنة عداءا عميق الغور بين الأطراف المتحاربة يتغلغل إلى أعماق الوجدان وكهوفه العميقة ليملا ذاكرة الذهن بالكثير مما يصعب محوه من صور الموت والدمار، ما يجعل من الانقسام اليمني أمر واقع لا سيما إذا ما تجذر إلى انقسام نفسي عميق، الأمر الذي يصعب فيه إعادة الأمور إلى مجاريها وتغدوا فيه الانتصارات العسكرية ابعد ما يكون عن الحسم، فما فائدة انتصار يشعر الطرف الأخر فيه انه ضحية وانه مأخوذ رغما عنه، لأنه سيبقيه متربصا ينتظر الفرصة السانحة التي تتيح له أن يعيد الكرة من جديد ليأخذ ثأره.


فهذه الحرب ليس بالإمكان حسمها بالوسائل العسكرية التي قد تعقدها أكثر، كما لا يمكن تجاهل تأثيرها على الوجدان والضمير بعد أن تتحول إلى سوط لاهب يوجع النفس و الوجدان، وبدلا من أن يأتي الانتصار العسكري أكله في استقرار وأمان يشعر اليمنيين من خلاله بالرضا والطمأنينة، يتحول إلى لعنة ماحقة تملا الساحة اليمنية بالكثير من التباغض والتباعد لتتكرر فيها صور لبنان والعراق بكل ما فيها من رعب وألم.


فاليمنيون سيكونون مهددون بهذا النوع من الخطر طال الزمان أم قصر لان عوامل الفتنة الطائفية ستكون فاعلة ومؤثرة.

لذا لا مناص من إيجاد حل سلمي لهذا النزاع يستذكر فيه اليمنيون روابطهم القديمة وتاريخهم المشترك، لان شيعة اليمن وسنته هم جزء من نسق واحد هو نسق التاريخ اليمني الضارب في جذوره إلى أعماق التاريخ فبينهم روابط يصعب فصلها ومصالح يصعب تجاهلها، فلا يمكن لليمن تجاهل ارثها الزيدي المتمثل بسلطة الإمامة السابقة مثلما لا يمكن تجاهل ارثها السني المغروس في موروثها وضميرها، إنهما بعدان أساسيان من أبعاد الوحدة اليمنية التي هي بلا شك مصلحة مشتركة لجميع اليمنيين فاحذروا الفتنة لتنجوا.