تحقيق ديوان عفيف الدين التلمساني
محمد الحمامصي
(إذا ماس من يهواك تيها فلا عتب
ومن ذا يري ذاك الجمال فلا يصبو
ومن ذا الذي يسقي بذكرك قهوة
ولا ينثني تيها ويزهو به العجب
سبيت الوري حسنا وأنت محجب
فكيف بمن يهواك إن زالت الحجب
وأصبحت معشوق القلوب بأسرها
وما ذرة في الكو إلا ولها قلب
إذا سكر العشاق كنت نديمهم
وأنت لهم ساق وأنت لهم شرب)
هذه الأبيات الجميلة للشاعر الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني (610 ـ 690 هـ) الذي كفّره معاصره الشيخ ابن تيمية حين قال صراحة (وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر!)، في حين رأى فيه شاعرا جيدا (وشعره في صناعة الشعر جيد، ولكنه كما قيل لحم خنزير في طبق صيني).
ديوان عفيف الدين التلمساني حققه المحقق المعروف والروائي د.يوسف زيدان وصدر هذا الأسبوع عن دار الشروق والذي استهله بتمهيد أكد فيه أن شعر الصوفية نال قسطا وافرا من إهمال دارسي التصوف لوقوعه في دائرة الأدب ومن إهمال دارسي الأدب لوقوعه في دائرة التصوف، وقال إنه بين الدائرتين بقي شعر التصوف على ما فيه من روعة بعيدا من الأعين التي مهما بحثت في زواج المكتبة العربية فلن تجد إلا أقل القليل من دواوين الشعر الصوفي، فالمحقق منها لا يزيد علي أصابع اليد الواحدة والدراسات الجادة حولها لا يزيد عددها على أصابع اليد الأخرى.
ويشير د.يوسف زيدان إلي أن هذا الديوان يأتي كخطوة على طريق التعرف إلى شعر الصوفية، هذا التعرف الذي يعد مدخلا مهما لفهم آفاق التجربة الصوفية وما تحمله من عمق لا نجده في أي تجارب وجدانية أخرى، ويعد من جهة أخرى مدخلا لإثراء الحس الأدبي عند الشعراء المعاصرين الذين وقفوا دون حدود التصوف، فلم يتملكوا هذه الطاقات الشعورية الهائلة التي تنفجر في قلب الشاعر الصوفي.
ويتوقف د.يوسف زيدان قبل النص المحقق للديوان عند أمرين أولهما حول عفيف الدين التلمساني وتفاصيل حياته وتصوفه، وثانيهما حول المنهج النقدي المتبع في تحقيق الديوان.
يقول د.زيدان: وفي ربوع تلمسان (مدينة تقع الآن علي الحدود الغربية للجزائر) وهناك تلقي بذور التصوف وطريق الصوفية، ثم رحل عن بلاده وطاف في ديار المسلمين بحثا عن شيخه، حتى لقيه في بلاد الروم، وكان هذا الشيخ هو تلميذ ابن عربي الأشهر: صدر الدين القونوي المتوفي سنة 672 هجرية. وكان لقاؤه بشيخه تحولا خطرا في مساره الروحي، فقد تعرف من خلاله إلى عالم فسيح، هو عالم ابن عربي الذي تعمق بالتجربة الصوفية حتى اخترق الفقه والفلسفة وعلم الكلام وغيرها من علوم الحقبة، ليقدم في النهاية نمطا مميزا من التصوف الجارف الذي تجلت آفاقه في مؤلفات ابن عربي وفي اتجاهات مدرسته من بعده.
ويبدو أن الرابطة بين التلمساني والقونوي كانت وطيدة، فقد لازمه طويلا وأخذ من تصوفه الكثير، وصحبه في رحلاته الطويلة التي كان أهمها الرحلة لبلاد مصر، وفي مصر نزل التلمساني وشيخه بخانقاه (سعيد السعداء) وهي دويرة الصوفية المعروفة بالخانقاه الإصلاحية، يقول عنها المقريزي: هي أول خانقاه عملت بديار مصر، يلقب شيخها بلقب شيخ الشيوخ، كان الفاطميون قد أسسوها ثم أوقفها صلاح الدين الأيوبي على الصوفية، وكان سكانها من الصوفية يغرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم وكانت لهم هيئة فاضلة.
وفي مصر التقي التلمساني بصوفي لا يقل عن ابن عربي مكانة وخطرا هو الصوفي الأندلسي محمد عبد الحق بن سبعين المتوفي سنة 669 هجرية.
ومن مصر إلي دمشق حيث نال التلمساني شهرة واسعة كواحد من أهل الطريق الصوفي، واعتقد الناس في علمه وفضله وزهده.
ويري د.يوسف زيدان أن ابن تيمية اعتمد في نقده للتلمساني وتكفيره له على بعض الروايات التي بحسب تعبيره: حكاها الثقات، فهل تكفي الحكايات لتكفير رجل من المسلمين؟ وأين استشهادات ابن تيمية بنصوص التلمساني؟ فقد كانت عادته أن يورد من نصوص مؤلفات المتهمين شيئا يبرر حكمه عليهم، لكنه لم يفعل مع التلمساني، ثانيا كان ابن تيمية معاصرا للتلمساني، فقد ولد 661 وتوفي 728 هجرية، وقد تعلمنا أن نأخذ شهادات المعاصرين بالكثير من الحذر لما تنطوي عليه من ملابسات قد تحجب الصواب عن أعينهم. ثالثا جمع ابن تيمية كل صوفية عصره في سلة واحدة وقذف بهم إلي قعر الجحيم، ولعل ذلك يرجع لاعتقاده الذي صرح به حين قال عقب هجوم عليهم: وكثيرا ما كنت أظن أن ظهور هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار واندراس شريعة الإسلام، وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه الله.. وهكذا كان فكر ابن تيمية مأزوما بهموم عصره، وإلا فها هم الذين هاجمهم تمر عليهم مئات السنين ولا يظهر الدجال الأعور الكذاب، وها هم التتار ينحسرون من العالم الإسلامي في حياة التلمساني.
ويكشف د.زيدان أنه مع تسليمه بمكانة العفيف التلمساني الشعرية، وعدنا إياه واحدا من أروع شعراء الصوفية، فإننا لا نميل إلى عده من شيوخ التصوف الكبار، فهو قد خاض من التجربة الصوفية ما يؤهله لاستشفاف المعاني الذوقية التي يعانيها أهل الطريق الصوفي، لكن هذه التجربة لم تصل به إلى الذروة التي يمكن معها إدراجه ضمن كبار أولياء التصوف الذين يقتدي بهم المريد.
ويشير د.زيدان عند توقفه مع نصوص الديوان إلى أنه على الرغم من أن أشعار التلمساني تكتسي بطابع الرمزية الذي يتميز به الشعر الصوفي، حيث نجد (ليلي، لبني، سلمى.. وغيرهن) هن محض إشارات إلي جمال الذات الإلهية، ومحض رموز يعبر بها الشاعر الصوفي عن استهلاكه محبة الله، إلا أن الإشكال يكمن عند التلمساني في بضعة أبيات قليلة جدا لا يمكن حملهاإلى جانب الرمز والإشارة الصوفية، يقول التلمساني:
كأن عذار من أحب بخده
رضاه وفيه بعض آثار صده
رشيق التثني راشق الجفن فاتك
جيوش الهوى من تحت راية قصده
يكلف ردفيه من الثقل مثل ما
يكلف من ثقل الهوى قلب عبده
يموج غدير تحت غصن قوامه
وثعبان ذاك الشعر ظام لورده
ويرى د.زيدان أنه ليس هناك ما يمنع أن يكون الشاعر قبل دخوله الطريق الصوفي قد أحب حبا إنسانيا عبر عنه في هذه الأبيات التي تحمل الطابع الحسي الفج، ثم انصرف عن هذا الحب الزائل إلي المحبة الدائمة لله تعالى، ولما جمع شعره في ديوان، ضمت هذه الأبيات التي أنشدها في محبوبة إنسانية ذات أرداف، وإلا فإن هذه الصفات لا يمكن أن تشير إلى الذات الإلهية بأي وجه من الوجوه، مهما كان قدر الرمزية عند الشاعر الصوفي.
وأراني ميالا إلي تأكيد أن الحب الإنساني الذي عبرت عنه أبيات ابن الفارض
(أهواه مهفهفا ثقيل الردف ... كالبدر يجل حسنه عن وصفه ) (ما أحسن واو صدغه حين بدت
... يا رب عسى تكون واو العطف) والتلمساني الحسية، كان سابقا على دخولهما غمار التجربة الصوفية وإنشادهما شعر المحبة الإلهية، لأن المفترض في المحبة الإلهية عند الصوفية أنها: لا تترك في قلب المحب بقية لمحبة سواه عز وجل.
محمد الحمامصي
ومن ذا يري ذاك الجمال فلا يصبو
ومن ذا الذي يسقي بذكرك قهوة
ولا ينثني تيها ويزهو به العجب
سبيت الوري حسنا وأنت محجب
فكيف بمن يهواك إن زالت الحجب
وأصبحت معشوق القلوب بأسرها
وما ذرة في الكو إلا ولها قلب
إذا سكر العشاق كنت نديمهم
وأنت لهم ساق وأنت لهم شرب)
هذه الأبيات الجميلة للشاعر الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني (610 ـ 690 هـ) الذي كفّره معاصره الشيخ ابن تيمية حين قال صراحة (وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر!)، في حين رأى فيه شاعرا جيدا (وشعره في صناعة الشعر جيد، ولكنه كما قيل لحم خنزير في طبق صيني).
ديوان عفيف الدين التلمساني حققه المحقق المعروف والروائي د.يوسف زيدان وصدر هذا الأسبوع عن دار الشروق والذي استهله بتمهيد أكد فيه أن شعر الصوفية نال قسطا وافرا من إهمال دارسي التصوف لوقوعه في دائرة الأدب ومن إهمال دارسي الأدب لوقوعه في دائرة التصوف، وقال إنه بين الدائرتين بقي شعر التصوف على ما فيه من روعة بعيدا من الأعين التي مهما بحثت في زواج المكتبة العربية فلن تجد إلا أقل القليل من دواوين الشعر الصوفي، فالمحقق منها لا يزيد علي أصابع اليد الواحدة والدراسات الجادة حولها لا يزيد عددها على أصابع اليد الأخرى.
ويشير د.يوسف زيدان إلي أن هذا الديوان يأتي كخطوة على طريق التعرف إلى شعر الصوفية، هذا التعرف الذي يعد مدخلا مهما لفهم آفاق التجربة الصوفية وما تحمله من عمق لا نجده في أي تجارب وجدانية أخرى، ويعد من جهة أخرى مدخلا لإثراء الحس الأدبي عند الشعراء المعاصرين الذين وقفوا دون حدود التصوف، فلم يتملكوا هذه الطاقات الشعورية الهائلة التي تنفجر في قلب الشاعر الصوفي.
ويتوقف د.يوسف زيدان قبل النص المحقق للديوان عند أمرين أولهما حول عفيف الدين التلمساني وتفاصيل حياته وتصوفه، وثانيهما حول المنهج النقدي المتبع في تحقيق الديوان.
يقول د.زيدان: وفي ربوع تلمسان (مدينة تقع الآن علي الحدود الغربية للجزائر) وهناك تلقي بذور التصوف وطريق الصوفية، ثم رحل عن بلاده وطاف في ديار المسلمين بحثا عن شيخه، حتى لقيه في بلاد الروم، وكان هذا الشيخ هو تلميذ ابن عربي الأشهر: صدر الدين القونوي المتوفي سنة 672 هجرية. وكان لقاؤه بشيخه تحولا خطرا في مساره الروحي، فقد تعرف من خلاله إلى عالم فسيح، هو عالم ابن عربي الذي تعمق بالتجربة الصوفية حتى اخترق الفقه والفلسفة وعلم الكلام وغيرها من علوم الحقبة، ليقدم في النهاية نمطا مميزا من التصوف الجارف الذي تجلت آفاقه في مؤلفات ابن عربي وفي اتجاهات مدرسته من بعده.
ويبدو أن الرابطة بين التلمساني والقونوي كانت وطيدة، فقد لازمه طويلا وأخذ من تصوفه الكثير، وصحبه في رحلاته الطويلة التي كان أهمها الرحلة لبلاد مصر، وفي مصر نزل التلمساني وشيخه بخانقاه (سعيد السعداء) وهي دويرة الصوفية المعروفة بالخانقاه الإصلاحية، يقول عنها المقريزي: هي أول خانقاه عملت بديار مصر، يلقب شيخها بلقب شيخ الشيوخ، كان الفاطميون قد أسسوها ثم أوقفها صلاح الدين الأيوبي على الصوفية، وكان سكانها من الصوفية يغرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم وكانت لهم هيئة فاضلة.
وفي مصر التقي التلمساني بصوفي لا يقل عن ابن عربي مكانة وخطرا هو الصوفي الأندلسي محمد عبد الحق بن سبعين المتوفي سنة 669 هجرية.
ومن مصر إلي دمشق حيث نال التلمساني شهرة واسعة كواحد من أهل الطريق الصوفي، واعتقد الناس في علمه وفضله وزهده.
ويري د.يوسف زيدان أن ابن تيمية اعتمد في نقده للتلمساني وتكفيره له على بعض الروايات التي بحسب تعبيره: حكاها الثقات، فهل تكفي الحكايات لتكفير رجل من المسلمين؟ وأين استشهادات ابن تيمية بنصوص التلمساني؟ فقد كانت عادته أن يورد من نصوص مؤلفات المتهمين شيئا يبرر حكمه عليهم، لكنه لم يفعل مع التلمساني، ثانيا كان ابن تيمية معاصرا للتلمساني، فقد ولد 661 وتوفي 728 هجرية، وقد تعلمنا أن نأخذ شهادات المعاصرين بالكثير من الحذر لما تنطوي عليه من ملابسات قد تحجب الصواب عن أعينهم. ثالثا جمع ابن تيمية كل صوفية عصره في سلة واحدة وقذف بهم إلي قعر الجحيم، ولعل ذلك يرجع لاعتقاده الذي صرح به حين قال عقب هجوم عليهم: وكثيرا ما كنت أظن أن ظهور هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار واندراس شريعة الإسلام، وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه الله.. وهكذا كان فكر ابن تيمية مأزوما بهموم عصره، وإلا فها هم الذين هاجمهم تمر عليهم مئات السنين ولا يظهر الدجال الأعور الكذاب، وها هم التتار ينحسرون من العالم الإسلامي في حياة التلمساني.
ويكشف د.زيدان أنه مع تسليمه بمكانة العفيف التلمساني الشعرية، وعدنا إياه واحدا من أروع شعراء الصوفية، فإننا لا نميل إلى عده من شيوخ التصوف الكبار، فهو قد خاض من التجربة الصوفية ما يؤهله لاستشفاف المعاني الذوقية التي يعانيها أهل الطريق الصوفي، لكن هذه التجربة لم تصل به إلى الذروة التي يمكن معها إدراجه ضمن كبار أولياء التصوف الذين يقتدي بهم المريد.
ويشير د.زيدان عند توقفه مع نصوص الديوان إلى أنه على الرغم من أن أشعار التلمساني تكتسي بطابع الرمزية الذي يتميز به الشعر الصوفي، حيث نجد (ليلي، لبني، سلمى.. وغيرهن) هن محض إشارات إلي جمال الذات الإلهية، ومحض رموز يعبر بها الشاعر الصوفي عن استهلاكه محبة الله، إلا أن الإشكال يكمن عند التلمساني في بضعة أبيات قليلة جدا لا يمكن حملهاإلى جانب الرمز والإشارة الصوفية، يقول التلمساني:
كأن عذار من أحب بخده
رضاه وفيه بعض آثار صده
رشيق التثني راشق الجفن فاتك
جيوش الهوى من تحت راية قصده
يكلف ردفيه من الثقل مثل ما
يكلف من ثقل الهوى قلب عبده
يموج غدير تحت غصن قوامه
وثعبان ذاك الشعر ظام لورده
ويرى د.زيدان أنه ليس هناك ما يمنع أن يكون الشاعر قبل دخوله الطريق الصوفي قد أحب حبا إنسانيا عبر عنه في هذه الأبيات التي تحمل الطابع الحسي الفج، ثم انصرف عن هذا الحب الزائل إلي المحبة الدائمة لله تعالى، ولما جمع شعره في ديوان، ضمت هذه الأبيات التي أنشدها في محبوبة إنسانية ذات أرداف، وإلا فإن هذه الصفات لا يمكن أن تشير إلى الذات الإلهية بأي وجه من الوجوه، مهما كان قدر الرمزية عند الشاعر الصوفي.
وأراني ميالا إلي تأكيد أن الحب الإنساني الذي عبرت عنه أبيات ابن الفارض
(أهواه مهفهفا ثقيل الردف ... كالبدر يجل حسنه عن وصفه ) (ما أحسن واو صدغه حين بدت
... يا رب عسى تكون واو العطف) والتلمساني الحسية، كان سابقا على دخولهما غمار التجربة الصوفية وإنشادهما شعر المحبة الإلهية، لأن المفترض في المحبة الإلهية عند الصوفية أنها: لا تترك في قلب المحب بقية لمحبة سواه عز وجل.
الكتاب: ديوان عفيف الدين التلمساني
دراسة وتحقيق: د.يوسف زيدان
الناشر: دار الشروق
الطبعة الأولي: 2008
عدد الصفحات: 254
دراسة وتحقيق: د.يوسف زيدان
الناشر: دار الشروق
الطبعة الأولي: 2008
عدد الصفحات: 254









التعليقات