محمد الأمين: يتناول المخرج الهولندي Johan Timmers حياة عائلة قروية تمثل ثلاثة أجيال من الجزارين ـ إذ يشاء القدر أن يفارق الجد الحياة عشية عيد الميلاد في العام 1960 وقد تزامن وفاته مع ولادة حفيده جيري الذي تأخذ حياته طابعا مأساويا بسبب قسوة الأب وعنفه الشديد تجاهه وهو عنف نابع من اعتقاد الأب ان جيري هو مصدر تعاسته والسبب في كل الإخفاقات التي تواجهها العائلة في تسيير حياتها اليومية والصعوبات التي تجابهها إزاء القوانين الجديدة المتعلقة بمهنة القصابة (الجزارة).
الستينات اذا باعتبارها المرحلة التي شهدت تغييرا كبيرا في الحياة الاجتماعية في هولندا والتواصل مع حركة الحريات في الغرب، هي المرحلة الزمنية التي تدور فيها أحداث الفيلم، لكن المكان يعزل قرية الجزارين عن حياة المدينة وتحولاتها، فمحاولات جيري للتخلص من همجية الأب وإصراره على انخراطه في مهنة العائلة التقليدية تتوقف عند القناة النهرية التي تعزل القرية عن حياة المدينة الهولندية، الأمر ذاته يصدق على محاولة جيري وخطيبة اخيه التي يقع في غرامها، ففي المشهد المرتبط بحفل زواج إثنين من إخوانه الأربعة يهرب جير وزوجة أخيه الأكبر أن تعرض لإذلال من قبل مهرج الحفل والعائلة برمتها، تستلم زوجة أخيه ذات الجذور الايطالية و في لحظة عصبية لرغبة مشتركة في ممارسة الجنس في غابة خارج القرية، ولكن الخيار المتاح لكلاهما يتلخص بالعودة الى البيت، حيث على جير أن يواجه عنف الأب، في المسلخ ذاته الذي كرر فيه المخرج مشاهد تعكس عنفا مبالغ فيه في طريقة صعق الأبقار وذبحها.
الطبيعة وحدها كفيلة بانقاذ جير، وليس جدته التي أنقذته أكثر من مرة من محاولات أبيه في التخلص منه، وليس على جير سوى أن يضع آلة الصعق الكهربائي التي انصاع لأوامر أبيه في استعمالها رغم حداثة سنه، أن يضعها فوق الكوخ الذي شيده الأب لممارسة هوايته المفضلة أي العزف الصاخب. وهنا يأتي دور الطبيعة للانتقام من الأب العنيف تجاه الطفولة والبراءة والحيوانات، صاعقة فحسب ويتحول الأب الى قطعة مفحمة بعد أن أحرقت الصاعقة الكوخ في لحظة بخطف البصر.
كان بامكان فيلم الدم الغريب أن يكون فيلما ناجحا لو أن المخرج حصر الفئة العمرية التي يتوجه اليها بشريحة الناشئة، مادام أنه إرتأى أن يضع الراوي ونظرته للأحداث والأمور، اضافة الى المعالجات الطفولية للاحداث بالشخصية المحورية أي جير ذي الستة عشر عاما، وكان للمشاهد الغرائبية التي تخللت الفيلم أن تكون عنصر قوة في هذا الإطار،أما تذرع المخرج quot;يوهان تيمرسquot; بالغرائبية أو السوريالية المخففة كما جاء في تعريف الفيلم فانها لاتبرر على أي نحو تقديم فيلم روائي لجمهور عام، إذ أن هذه الغرائيبية تم اقحامها في النقاط التي يتعذر على السيناريست والمخرج في إيجاد حلول لها،فثمة مشاهد مقززة تشير الى الوعي السييء للأب القمعي وليس من عفوية المخيلة، والمثال الذي يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد هو، إخراج قطعة لحم (المشيمة) من بين فخذي زوجته الملطخين بدم الولادة وطبخها وتناولها مع أفراد أسرته كوجبة عشاء.

ما يغفله الفيلم أو يتعمد تجاهله هو العلاقة التي ربطت بين الأغنام والقرويين في ستينات القرن الماضي، وهي علاقة أكثر حميمية من العلاقة ذاتها في العصر الحديث، فاذا كان الذبح هوالنتيجة النهائية لمصير الأغنام في كلا المرحلتين الزمنيتين، فان المساحة التي كانت تحظى بها الحيوانات للعيش في فضاء مفتوح هي أفضل بكثير من المزارع الحديثة حسب جمعيات ومنظمات الدفاع عن حقوق الحيوانات.
فيلم الدم الغريب، فيلم غريب في مضمونه، ما يحسب له أنه قد يساعد مدمني أكل اللحوم عن التناول المفرط لها لأيام قليلة على الأقل وقد علق أحد المشاهدين الهولنديين بعد انتهاء العرض الأول للفيلم في هذه الدورة من مهرجان الفيلم الهولنديquot;سوف تكون فكرة جيدة ان تم اهداء نسخ من الفيلم من الأقراص المدمجة من الفيلم لكل زبون يبتاع أكثر من كيلو من اللحم في الأسبوعquot;
أما من الناحية الفنية فان نقطة قوة فيلم الدم الغريب تتمثل في الأداء المميز للممثلة السينمائية
Viviane de Muynck voor، وقد أدرجت لجنة التحكيم اسمها ضمن قائم ثلاثة مرشحين لجائزة أفضل ممثلة لدور ثانوي.

محمد الأمين : صحفي عراقي مقيم في هولندا


فيديو:
http://www.youtube.com/watch?v=-RchDhLYybIamp;feature=player_embedded#!