عبد الجبار العتابي من بغداد: هذا كتاب ثناء على سيرة عطر وشخصية تحتذى، ليس لأن صاحبها هو أخي وحسب، بل لأنها سيرة نقاء وسط أجواء آسنة، وسيرة محبة وسط اجواء متدفقة من الكراهية، سيرة عطاء ونكران للذات في زمن شيوع قيم الانانية، سيرة حرية رغم جدران العبودية، سيرة علم ومعرفة، سير بناء في وقت منذور بالكامل للهدم، سيرة صبر ومجالدة، سيرة من ظل ينتمي إلى أفق فكري فسيح رغم عزلته المكانية والزمنية القسرية، سيرة من اجتمع الناس وهم المتفرقون والمختلفون حد البلبلة على محبته ونقائه وعفة لسانه ويده، سيرة شخصية تكاد تختصر في نهايتها سير العراق في سعيه الى حريته.

كان هذا مقطع من كلمة طويلة للكاتب علي عبد الامير عجام في ذكرى رحيل شقيقه الكاتب عبد الامير عجام الذي منحه وصف (قتل الملاك في بابل) وهو عنوان الكتاب الذي اصدره علي وفاء لذكرى شقيقه لمناسبة الذكرى السادسة لرحيله حيث قتل غدرا وعدوانا في 17 /5/ 2004، فكان هنالك حفل استذكاري جرت فيه وقائع توقيع الكتاب، حيث اجتمع اصدقاء واهل الراحل في قاعة في فندق المنصور ميليا، لكن القاعة الكبيرة لم تكن تضم بين حناياها سوى قلة قليلة من الادباء يمكن عدهم بسهولة واغلبهم جاء من محافظة بابل، ومن الطريف ان القاعة ذاتها كانت متعاطفة مع الراحل عندما كانت الكهرباء فيها تنطفئ بين حين وآخر ليخيم السواد على القاعة حتى ان الشاعر رعد كريم عزيز قال: ان القاعة هي الاخرى حزينة على رحيل قاسم عجام وان هذا السواد الذي يجللها هو طقس من طقوس الحزن.

افتتح الاحتفالية الشاعر رعد عزيز بكلمة قال في مفتتحها (الزمن الغادر يجعلنا نتواصل في إطلاق المراثي)، وبعد لحظات من الصمت،عرض فيلم وثائقي بعنوان(في بيت قاسم عجام) تضمن سيرة ذاتية موجزة للراحل منذ طفولته امتدادا الى ذلك الطريق في محافظة بابل الذي توقف فيه الزمن ليعلن توقف مسيرة حياة قاسم عجام، ولتظل أوراقه ومكتبته واشياؤه طرية تنتظر الذي لن يأتي، فيما كان اولاده يسردون بحبر عذاباتهم اوجاعهم وذكرياتهم التي كانت تتناثر في الفضاء مثل طيور لا تعرف مستقرا لها،عبر تلك الموسيقى التي ارتفع فيها صوت الناي، الفيلم رسم الشاعر رعد كريم عزيز جهده واضحا على تصويره وتعليقه واخراجه.

ثم القى وكيل وزارة الثقافة فوزي الاتروشي كلمة جاء فيها ً: لا يسعني الا ان اردد دائماً إحدى حكم الشاعر الجواهري العظيم التي يقول فيها: (لغز الحياة وحيرة الألباب/ ان يستحيل الفكر محض تراب)، لكننا نتجاوز الحيرة والقلق الى اليقين بأن هذا التراب معطر ندي قابل للإنتاج والانجاز وهو حي فينا، في هكذا لحظات نود ان نكون ابعد من الرثاء واقرب الى الوفاء، نتجاوز الرثاء كمجرد ساعة حزن كمجرد استحضار او قصيدة تتلى الى كتاب يرقد في ذاكرة الزمن، فليت كل مثقف يحظى بهذا التكريم وهو ان يؤثث له في ذاكرتنا الجمعية زاوية تجعله حيا وهو راحل، وتجعل قتلته امواتا وهو على قيد الحياة.

ثم قرأ كلمة طه حسن ابن أخت الراحل كلمة اسرة الفقيد وجاء فيها: أي مفارقة قاسية ومريرة حفرت في ذاكرة الثقافة العراقية جرحاً عميقا، تلك التي وجد فيها قاسم عبد الأمير عجام نفسه صباح يوم 17/5/2004 في مواجهة مع الرصاص الخارج من فوهات بنادق الظلام والهمجية والتكفير والجريمة، (أبو ربيع) أحد أهم صناع الحياة والأمل والإبداع في هذا الوطن، في هذا الوطن المحتشد بالأوجاع والقهر في، مواجهة مع صناع الموت الخارجين من كهوف الظلام، إذ تميل بهم الأرض لحظة مواجهتهم دفق النور المنبثق من روح واعماق قاسم، هو غابة الامل والحلم الجميل وينابيع واعماق ورؤى وانجازات ثقافية وفكرية وعلمية تسمو بالانسان، وهم الغارقون حتى النخاع في مستنقع الجريمة والوحشية والتي تتناسل في رؤوسهم أفاع وعقارب تتربص بواهبي الحياة والجمال والأمل من مثقفين ومفكرين واكاديميين وعلماء، ابو ربيع المتوقد بنضارة الابداع ووهج المعرفة واشراقة حياة، وقتلته من سقط المتاع حملوا في اعماقهم ارث الخراب والدم الذي استباحوه عبر كل العصور ليطفئوا مشاعل الحياة والمعرفة وليغرقوا عالمنا بظلامهم ويشيعوا القبح والجهالة والتخلف والانحطاط.

ثم ألقى الأديب سعد صلاح خالص كلمته وجاء فيها:
- لقد قيل عن الشهيد قاسم كل شيء يمكن ان يقال، تكلموا عن قلمه وعن نقاء سريرته وعن ثقافته ولكن بالنسبة لي شخصيا قاسم عبد الأمير اكثر من هذا بكثير، قاسم عبد الامير جزء من تاريخنا العائلي والثقافي، انه جزء من تراث وحياة مجلة الثقافة العراقية كما كان مع الثقافة الجديدة والفكر الجديد وطريق الشعب، لقاسم عبد الامير بصمة على كل مراحل الفكر الثوري اليساري في العراق، قاسم ليس بمرحوم، لانه خالد لا يموت وامثال قاسم لا يموتون والفكر لايموت، نحن هنا لنستذكر لا لنرثي، واتمنى ان نرثي الاحياء، قاسم وامثاله وهم قلة باقون في قلوبنا، باقون في اولادهم واولادنا وفي كل هذه الاجيال التي تذهب للمدارس كل يوم، واتمنى ان تقام مثل هذه المناسبات سنويا ليس من اجل نرثي، بل من اجل ان لاننسى.

كما تحدث الشاعر عبد الخالق كيطان فقال: كانت رفقتي بشقيق الشهيد الشاعر علي عبد الامير عجام خلال اكثر من عشرين سنة في بغداد وعمان حافزا للتعرف إلى الشهيد ابو ربيع، فقد كان علي عبد الامير يكرر دائما ان معلمه الاول في الحياة هو قاسم، والحديث عن قاسم المستمر على مسامعي جعلني افكر في العلاقة بين اخوين، اثر قاسم على علي كبير جدا ويستطيع اي شخص ملاصق لعلي ان يلحظ هذا الاثر، واضاف: مشهد اغتيال قاسم هو مشهد سينمائي صرف حقيقي، للاسف الشديد إن الحياة في العراق بعد سقوط الدكتاتورية قد شهدت مشاهد سينمائية كثيرة، وللاسف ان اغلب ضحايا هذه المشاهد هم ناس ابرياء ومن المؤسف ان يكون ضحاياها مبدعين ومفكرين مثل قاسم عجام.

كما شهدت الاحتفالية قصائد شعرية للشاعرين رشيد هارون وصادق الطريحي، حال سوء الكهرباء دون الاستمتاع بسماعها بشكل جيد، وكانت الفقرة الاخيرة لحظات توقيع الكتاب وتوزيعه على الحضور، والكتاب الذي صمم غلافه حذيفة عبد الزهرة حملت صفحة العنوان فيه (قتل الملاك في بابل / المفكر والناقد قاسم عبد الامير عجام نصا ورثاء / تحرير: علي عبد الامير عجام ) صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يقع في (464) صفحة من الحجم الكبير تضمن سبعة فصول هي عبارة عن آثار الراحل في فنون الكتابة، حملت عناوين: مذكرات وما اشبه، ناقدا ثقافيا، ناقدا ادبيا، ناقدا سينمائيا، ناقدا تلفزيونيا، اغتيال الامل و.. الى اخي قاسم، ثم خاتمة وملحق صور.