كسر الاغتراب...

بداية تشتعل بالوعد، وبدون هذا الكسر يبقى المثقف الشيعي في عزلة من داخله وخارجه، لقد كان لهذا الاغتراب ثمنه الباهظ.
لم يكن يعاني من الاغتراب لأنَّه لا يملك شيئا، فقد يملك أشياء، قد يكون من أغنياء الخليج وأثرياء باكستان. لم يكن يعاني من الاغتراب لأنه أنتزع من مُلكه عنوة، قد يكون مالك عقار ودثار من الدرجة الأولى، يتصرف بماله وثراءه وغناه كما يريد. لم يكن هذا الاغتراب بسبب افتقاده للحرية الشخصية، فقد يكون حرا، يمرح ويسرح، يأكل كما يريد، ويلبس ما يحلو له كما هو الآخر، وربما يفكر كما يعتقد ويرى، ولم يكن يعاني من الاغتراب لاعتبارات تتصل بمنحى العالم المادي وتقنياته التي راحت تبتلع البشر...
اغتراب المثقف الشيعي يأتي من إخضاعه لإستراتيجية من التسميات المُختارة بعناية ، هذه التسميات مُختارة بدقة، هناك صياغة لهذه التسميات مستلة من تقدير لقيمة التاريخ، ودراسة دقيقة لقيمة الحضارة، وأهمية الانتماء، ودور الزمن، تسميات تتواصل وشائجها مع اعز شي على الإنسان، تلك هي عقيدته، وتلك هي وطنيته، وتلك هي شرفه، وتلك هي دوره في صناعة الواقع الحي، الواقع المشرق... وتلك هي جسده، وما أدراك ما الجسد الشيعي من لغة معقدة، تستجمع من أسرار الخلق البشري، من غياهب السر الباطني حتى شراسة الظهور العلني السافر تحت أشعة الشمس الفاضحة، ولي دراسة مطولة عن تجليات هذا الجسد بالخصوص لعلي أخص بها إيلاف التي تحولت بالنسبة لي سجنا لا أستطيع أن أبارحه حتى لو تحررت من قيوده الراسفة!!!
هذه التسميات رُسم لها مسار يتعدى المحسوس في أهدافه، في غاياته البعيدة، يهدف إلى إلغاء المُسمَّى من الجذور، من الأصل، تسنُّ قانون استباحته القصوى، في نفسه، وفي عياله، وفي ماله، وفي حريته، وأخيرا في مدى صلاحيته للوجود.
تُرى ما الذي يكمن وراء هذه التسمية المخيفة...؟
أقصد : الرافضة...
يظهر للوهلة الأولى أن هذه التسمية لا تتعدى رفض خلافة الشيخين ــ اللذين أحبهما وأقدرهما وأتعايش مع الكثير مما أنجزاه تاريخيا وتشريعيا رغم أني ترابي الهوى، أترصد كلمته ونفسه في كل ما يعترضني من هواجس الكون وظهورات الحياة ــ أو هي تسمية لا تتعدَّى الموقف السلبي من هذه الخلافة، في حين أن التسمية تتعدّى ذلك بكثير، ذلك أن خلافة الشيخين بتصور أصحاب التسمية تجسِّد الإسلام بكل تفاصيله، تجسد الدين بكل صفائه، هي مرحلة النموذج، مرحلة الإحالة، وبهذا فإن الموقف الرافض لهذه الخلافة يعني نفي الإسلام، نفي التجربة الأمينة على التطبيق، وبذلك فإن هؤلاء (الرافضة) يجب حذفهم للحفاظ على الإسلام، للحفاظ على التاريخ (المقدس)، فالشيعة (رافضة) من هذه الجهة، وبسببها يجب (رفضهم)، يجب إلغاؤهم تماما.
هذه هي الخلفية البعيدة لهذه التسمية، وهي تسمية تحريضية، تهدف لغايات سياسية بعيدة، ليست عقدية، عقدية في الظاهر، سياسية في الباطن، فليس غريبا أن تتسلط السيوف على رقاب الشيعة بحجة الرافضة، لان الرفض يستبطن رفضا أخر، رفض مدروس بعناية.
تُرى ما ذا يكمن خلف التسمية الأخرى؟
أحفاد ابن العلقمي...
تلك هي التسمية الأخرى، يا لها من تسمية لعينة، تشهد سطور التاريخ أنها كانت وما زالت سيفا حادا، يأكل رائحا آتيا برقاب ناعمة الملمس، لم يسعفها بعد نسيم المراهقة البريء.
لقد اتَّسع نطاق هذه التسمية في الأيام الأخيرة، كان صدام حسين حريصا على إشاعتها في أدبياته وهو يمضي مجازره بالشيعة المسالمين، بدون رحمة، بدون شفقة، وقد تم تصعيدها في الأيام الأخيرة بسبب التغيير الكبير الذي حصل في العراق، وقد تحوَّلت هذه التسمية في الأيام الأخيرة إلى مصطلح يُراد من ورائه تشويه طائفة معينة، هم الشيعة. ولكن السؤال الذي ينبغي الإجابة عليه هو الهدف البعيد من التسمية، ما هو المقصود الخفي؟ ما هو الغاطس من وراء هذه التسمية؟ لم تعد التسميات مجرّد عناوين عريضة، هي بناء داخلي أكثر من كونه صياغة خارجية عابرة، ويجب على الشيعة تفكيك هذه التسميات الدقيقة.
التسمية تهدف إلى التخوين الوطني الدائم، فنحن لسنا وطنيين، خونة التراب الذي أُنبتنا فيه، خونة الهواء الذي نتنسم نسماته، خونة الماء الذي يروي عطشنا... وبالتالي، نستحق النفي الدائم، نستحق الموت، نستحق الطرد، لا يليق بنا وطن، ولا نليق بوطن، هناك غاية خفية، غاية سياسية كبيرة، تتجسد بتشريع قتلنا، كلنا، بلا استثناء، بلا علامة فارقة، لان علامتنا الفارقة هي الخيانة الوطنية، نتوارثها أبا عن جد، وبالتالي، نحن محكوم علينا بالقتل والطرد قبل أن نأتي إلى الدنيا.
هذه التسمية التي ينقضها التاريخ بوضوح، التي تخالف حقائق التاريخ، هذه التسمية مكملة للتسمية السابقة، السابقة تنطلق من نقطة دينية، تنطلق من مقياس ديني، من مقياس طهوري مقدس، يتصل بالسماء، فيما التسمية الجديدة تتصل بالأرض، تنطلق من مقياس مادي، من هم يومي، يتصل بهموم الشعوب، بمصير الشعوب، وإذا كانت التسمية الأولى تبيح الذبح عقديا فأن الثانية تبيحه سياسيا.
نحن أحفاد العلقمي، فماذا ننتظر إذن؟ ننتظر أحكام الإعدام والطرد والتشريد والسجون والعزلة والبراءة! لأن الخيانة الوطنية لا يعادلها جزاء إلا ّ الموت.
هذه التسمية الباطلة لم يشفع برفعها من قاموس الشيعة تضحيات الشيعة لمئات السنين! فلم يجر عليها قلم المساءلة فضلا عن قلم النفي رغم أننا نحن الذين حاربنا الانكليز، ونحن الذين اقترحنا مشروع الملك العربي الهاشمي للعراق، ونحن الذين حررنا جنوب لبنان، ونحن الذين حاربنا صدام حسين.
فهي إذن تسمية مُصاغة للحكم على الزمن من دون اعتبار لكل حقيقة، حتى لو كانت بحجم ما قدمنا من دم، وبحجم ما خدمنا الأمة و الدين الحنيف الذي هو عزنا وشرفنا.
هل انتهت إلى الآن مخططات التسمية النافية؟
لا.
إنَّهم الشيعة... أولاد المتعة!
المتعة حرام في فقه الأخوة السنة، ليست زواجا، لقد نسخت وحرِّمت وعدّت من الأحكام المنسوخة التي لا تتفق وأغراض الشريعة ألسمحة!
هذه التسمية تطعن أعز ما يملكه الإنسان، ذلك هو الشرف! المتعة (زنا!)، ولكي نجلِّي عمق التسمية ينبغي أن نذكر أن المتعة زواج شرعي عند الشيعة، وهي حالة نادرة بطبيعة الحال، لا نريد هنا محاكمة هذا اللون من الزواج في ضوء الاستدلال الشرعي، فلذلك مجاله، وقد أُشبع بحثا ــ ولي فيه بحث صادم أضعه بين يدي قراء إيلاف مستقبلا ــ بل نريد تسليط الضوء على جوهر التسمية، المخفي في داخل شبكتها الدقيقة، فإنَّ وضع هذه التسمية على نحو العموم، وبلغة العنوان التعريفي... هذه العملية تنم عن اتجاه عدواني، استفزازي، تنم عن مشروع خطير، يهدف التشويه، والتحفيز المضاد، يهدف العزل، الطرد المعنوي... عمل يهدف تبرئة الدم الطاهر من الجسد الشيعي، الجسد الشيعي هجين، الجسد الشيعي مشوب، جسد لعين، جسد ملوث، لا ينفع معه دواء، يجب أن يخرج من دائرة الجسد المسلم.
إذن هناك تسمية نافية على أكثر من مستوى، مستويات تتكامل مع بعضها لتشكل حالة من النفي الشامل لهذا الشيعي، نفي عقدي، نفي وطني، نفي أخلاقي...
نحن (متاولة)!
مصطلح غريب النشأة وغريب النحت، لم نجد مادّته في القاموس العربي، صنع لأجل غايات سياسية بغيضة.
يتبع