وردتني بالبريد الأليكتروني، وربما لغيري أيضا، أملوحة عراقية يقول نصها: quot; بشرى سارة إلى الشعب العراقي المناضل: تم دمج المديرية العامة للكهرباء مع المديرية العامة للإطفاء فأصبحت (المديرية العامة لإطفاء الكهرباء)quot;.
لا أظن أن العراقيين نجحوا في عرض أوضاعهم ومعاناتهم، خلال السنوات الخمس الماضيات، بطريقة مؤثرة، أكثر مما فعلوا وهم يصوغون نكتة، المديرية العامة لإطفاء الكهرباء.
طوال خمس سنوات والعراقيون يعيشون حال (النصف) في السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والأمن، والسلم الأهلي والمصالحة الوطنية: نصف لم يصبه الخراب، ينير وينير معه أمال الملايين من العراقيين ويدفعهم للسعي الحثيث من أجل إنارة (النصف) الأخر المعطل. ثم، فجأة، يبدأ (النصف) السليم، بإطفاء النصف الأول المنور.
وبالطبع، لا يمكن إلا تحميل quot;المقاومةquot; المسؤولية الأكبر في (تخريب) النصف العامر الصحيح. فقد ظل quot;المقاومونquot; العراقيون (وهذا وضع لم تعرفه أي حركة من حركات المقاومة في العالم) يؤمنون أن طرد قوات الاحتلال يمر، بالضرورة، عبر حرمان الناس من قوتهم اليومي، عن طريق تفجير أنابيب النفط، أو أن تحرير البلاد لا يتم إلا عندما يتم تفجير مولدات الطاقة الكهربائية ويلجأ فقراء العراق إلى استخدام quot;المهفةquot;، أو أن المحاصصة الطائفية لا يمكن القضاء عليها إلا بإبادة عمال المساطر إلى حد أن تعجن دمائهم برؤوس البصل وكسرات الخبز التي يحملونها أديما لهم. أو أن إبعاد الرئيس بوش وحزبه الجمهوري من سدة السلطة لا يمر إلا عندما يتم حرق سوق الغزل ببشره وبحيواناته. أو أن فوز أوباما لا يتحقق إلا باستئصال شارع المتنبي من الوجود. أو أن مشروع الشرق الأوسط الكبير لا يمكن نحره إلا عندما يتم نحر عراقيين تدفعهم معتقداتهم للسير مشيا على الأقدام لزيارة مقدساتهم، وهم لا يملكون من حطام هذه الدنيا سوى أسمال بالية وquot;أحذيةquot; بلاستيكية أعيد تصنيعها ألف مرة فبدت الأصابع مدماة من بين الثقوب.
لكن عملية إطفاء النصف (المنور) لا تنفذها قوى quot;المقاومةquot; والقوى الإرهابية وحدها، إنما تنفذها أيضا قوى راعية للعملية السياسية الجارية في البلاد منذ سقوط النظام السابق، بوعي أو بدونه. وهذه القوى الأخيرة تنفذ عملية إطفاء النصف (المنور)، ليس من أجل إفشال العملية السياسية الجارية، ولكن من أجل أن تسير العملية السياسية مثلما تشتهي هذه القوى وتتمنى وتحلم وتريد، على طريقة quot;إذا مت ضمئانا فلا نزل القطرquot;. نقتطف من أمثلة كثيرة:
بعد تأسيس مجالس الصحوات استتب الأمن وبدأت الأمور تعود، قولا وفعلا، إلى مجاريها القديمة الهادئة. وفي هذه الحال يحتم المنطق، أي منطق سليم يضع في أولوياته مصلحة البلاد والعباد، احتضان الصحوات، وتعميمها ونشرها في كل المناطق ليتنعم جميع العراقيين بنور هذه المديرية العامة لكهربة العراق ضد تنظيم القاعدة. لكن، الذي يحصل ونراه على الواقع، هو وضع المزيد من العصي وحجر الصوان من قبل قوى عراقية، أمام الصحوات لكي لا تتقدم للإمام، ولكي لا تنتشر. لماذا؟ هناك أكثر من مليون سبب، لكن ما بينها سبب واحد يتعلق بالمصلحة العراقية العامة. وكأن جهود quot;الإطفاءquot; المحلية quot;العراقيةquot; هذه لا تكفي، حتى أعلنت الحكومة العراقية نفسها على لسان رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي، أن quot;إيران دفعت عناصرها لأجهاض تجارب مجالس الصحواتquot;. المريب هو، أن السلطات الرسمية العراقية لم تعلق حتى الآن على ما أذاعته مديرية استخباراتها. والتعليق الوحيد جاء على لسان السلطات الإيرانية. طبعا بالنفي.
بشرى سارة للعراقيين: ظهرت في العراق المديرية العامة لإطفاء نور كهرباء الصحوات.
سماحة المرجع الشيعي السيد علي السيستاني بح صوته لكثرة ما أفتى بعدم جواز اشتغال رجال الدين بالشأن السياسي العام. وكان المرجع الديني سماحة الشيخ محمد اسحق الفياض قد انضم، قبل أيام معدودة، إلى السيستاني في دعوته إياها، عندما دعا رجال الدين إلى عدم الارتباط بالجهات الحكومية والسياسية. مع ذلك، فأنك لا تجد، خلال السنوات الخمس الماضيات، رجل سياسة إلا وبجنبه رجل دين، يعلو صوته ألف مرة على صوت السياسي، ويعطي رأيه في أكثر المسائل تعقيدا وإثارة للجدل والاختلاف. وأخر مرة تدخل فيها رجل الدين بالسياسية هي تلك التي حدثت قبل يومين عندما قال سماحة السيد عمار الحكيم نجل سماحة السيد عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى، في خطبة له بالصحن الحسيني أمام زوار أربعينية الإمام الحسين quot;ندعو إلى تشكيل إقليم جنوب بغدادquot;.
السيد عمار الحكيم يعرف، وهل هناك عراقي واحد لا يعرف، أن موضوع إقليم جنوب بغداد هو موضوع شائك ومثير للخلافات الشديدة، عند عموم العراقيين، ولدى العراقيين الشيعة أنفسهم. فحزب الدعوة له وجهة نظره الخاصة بالموضوع، وللصدريين رأيهم الخاص، ولحزب الفضيلة رأي أخر مغاير، وللمرجعية رأي مختلف، ولسواد العراقيين الشيعة أراء وأراء. وبالتالي فأن رأي المجلس الأعلى هو رأي واحد من بين أراء عديدة مختلفة. فلماذا إثارة هذا الموضوع الحساس، وفي هذه المناسبة الحزينة المضمخة بأجواء روحانية خالصة (أربعينية الحسين)، وفي ظروف سياسية ملتهبة كهذه؟ ماذا لو رد بعض الحاضرين، وهم بالملايين وينتمون إلى شيع وأحزاب متصارعة إلى ترديد هتافات مضادة لما قاله السيد عمار، ثم رد آخرون بهتافات مغايرة، ونحن نعرف أن السلاح هذه الأيام موجود حتى بين يدي أطفال العراق؟ هل سنقول عندها أنها quot;فتنةquot; أشعلها أعداء العراق؟ ما الذي يريد أن يؤكده سماحة السيد عمار الحكيم وهو يعيد التذكير بهذا الموضوع، وبهذه المناسبة؟ هل يريد أن يظهر أن هذه الملاين هي quot;ملكquot; للمجلس الأعلى، وحده دون غيره من باقي الأحزاب، وأنها رهن أشارة المجلس وحده، وأن هذه الجموع تؤيد ما يطرحه المجلس دون قيد وشرط؟ ثم، أليس هذه الساعات التي تحتشد فيها هذه الجموع المليونية هي، لحظات تعبد روحانية يجب أن تكون بعيدة عن السياسية وأحابيلها ومزالقها.
العراقيون بالكاد بدأوا يتنفسون الصعداء، وهم لا يكادون يصدقون أنفسهم أن الأمن أستتب، وأنهم شاهدوا أخيرا الضوء في نهاية النفق، فلماذا يصار إلى تشكيل مديرية عامة لإطفاء أمال العراقيين؟
منذ سقوط النظام الصدامي وهناك من لا هم له إلا التفتيش عن أي أثر للتدخل الإيراني في شؤون العراق الداخلية، ويتعامل مع موقف إيران إزاء العراق على طريقة (عنزة ولو طارت). ولكن هذه المواقف (الحنديرية) شيء والواقع كما هو، شيء آخر. وبما أن العلاقات الإيرانية الأميركية هي كما نعرف من سوء، فأن ما من عاقل يتوقع أن لا تحاول إيران إفشال الجهد الأميركي داخل العراق، حتى لو أعلنت إيران كل لحظة أنها لا تتدخل. هذه مصالح دولية متصارعة. ومثلما تصر الولايات المتحدة على التدخل بالشأن الإيراني، فأنه من المنطقي، بل والمتوقع أن تتدخل إيران بالشأن العراقي الداخلي لحرفه لصالحها. لكن، ما هو موقفنا نحن العراقيين أصحاب الشأن؟ أيهما أهم لنا، مصالحنا أم مصالح دول الجوار؟ المسؤولون العراقيون، والإيرانيين بالطبع، ينفون أي تدخل لإيران، ويطالبون بتقديم دليل يثبت تدخلهم، حتى لو كان تافها وضئيلا كما يقولون.
حسنا، لن نتحدث عن التصريحات الرسمية العراقية، أي تصريحات المخابرات العراقية التي ذكرناها توا، ولا عن المؤتمر الصحفي الذي أعلن خلاله محافظ البصرة أن القنصلية الإيرانية تسعى لاغتياله. سنذكر الآتي:
قبل عشرين يوما، أي في يوم 11/02/2008، وهو ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بثت فضائية (العراقية)، وهي قناة عراقية عامة تمول من المال العام، شريطا دعائيا( نؤكد دعائيا publicity ) عن إيران استغرق أكثر من نصف ساعة. والفيلم لا يتحدث عن موضوع محدد. أنه مخصص، بطريقة دعائية، لاستعراض ما تم انجازه في إيران الإسلامية منذ الثورة التي تزعمها الأمام الخميني حتى يومنا هذا. الفيلم يتحدث عن كل شيء، كل شيء: تقدم التقنية النووية، وجودة الكافيار الإيراني وانتشار الجامعات والمعاهد العلمية، وأوضاع النساء في جمهورية إيران الإسلامية، وسحر الطبيعة الإيرانية، وجهود علماء فارس في ميادين العلوم والاكتشافات منذ ظهور الإسلام حتى يومنا هذا (عندما يأتي الفيلم على ذكر جهود العلماء الفرس في ميادين الرياضيات والجبر والعلوم الأخرى، فأنه يرجعهم إلى أصولهم الفارسية، وليست أصولهم المسلمة). والفيلم هو إنتاج إيراني من ألفه إلى يائه، مثلما ظهر في نهاية العرض.
هل سيتهمنا أحد بالعداء لإيران لو قلنا أن عرض الفيلم المذكور هو فضيحة إعلامية عراقية: هل يتهمنا أحد بالعنصرية لو سألنا: من الذي مرر عرض الفيلم في قناة عراقية عامة مملوكة للدولة؟ هل تم العرض لقاء مبلغ من المال، كما يحدث في هذه الحالات في كل مكان في العالم، فنحن نشاهد كيف أن أفلاما إيرانية لا يتعدى عرضها سوى ثواني تعرض حاليا على شاشات الفضائيات العربية (قناة الجزيرة مثلا) لقاء أموال طائلة، ووفقا للأسعار العالمية المتعلقة بأفلام الدعاية. فكم مليون دولار استلمت الجهات الرسمية العراقية، أي قناة العراقية؟ ثم، إذا صح أن عرض الفيلم المذكور تم لقاء عقد بين جهتين رسميتين عراقية وإيرانية بأجور مالية محددة، فهل يجوز أن يعرض فيلم (أيديولوجي) من ألفه إلى يائه كهذا في قناة عامة مملوكة للدولة؟ لو أن دولة أجنبية أخرى، كأميركا أو السعودية، أو بريطانيا أو الباكستان أو أي دولة أخرى، قدمت فيلما مشابها تماما بدون زيادة ونقصان عن أوضاعها الداخلية، هل تقبل الحكومة العراقية أن تعرضه على أحدى قنواتها العامة؟ ثم، هل توافق السلطات الإيرانية أن تعرض، على سبيل المثال، فيلما عراقيا تظهر فيه القوات الأميركية وهي تشكل قوات الصحوة، وكيف بدأ الأمن بالاستتباب، وكيف أن البرلمان العراقي يجلس على مقاعده المتدين والمتطرف دينيا والديمقراطي والليبرالي، وتحتل النساء داخله نسبة 25 في المائة من مجموع الأعضاء، وكيف أن الصحف المملوكة للقطاع الخاص تصدر بالعشرات، وكيف أن الدستور العراقي ينص على عدم تشريع قوانين تتعارض مع المبادئ الديمقراطية؟
بالمناسبة، هذا الفيلم نفسه عادت عرضه ظهر يوم 26/02/2008 قناة (العالم) المملوكة من قبل حزب الله اللبناني. ونحن نفهم أن تقبل فضائية (العالم) بعرض الفيلم، فهي قناة خاصة تعرض ما يعجبها، بالإضافة إلى ما نعرفه من علاقات عضوية تربط بين إيران وحزب الله. لكن، كيف نفسر أن تعرضه وسيلة إعلامية عراقية مملوكة للدولة؟
الغريب في الأمر هو أن عرض هذا الفيلم يتم في وقت بدأت فيه المشاعر المعادية المبالغ فيها للجارة إيران تهدأ نسبيا داخل العراق، وتختفي مفردات عنصرية هي من مخلفات ترسانة البعث الصدامي، كالفرس المجوس، وخميني الدجال، وغيرها من الشتائم العنصرية.
فلماذا تؤسس السلطات الرسمية العراقية مديرية عامة لإطفاء مشاعر التسامح التي بدأت تلوح في الأفق؟
وأخيرا، نعرف أنه بسبب خلافات حادة بين الكتل البرلمانية حول ثلاثة قوانين هي قانون الموازنة العامة، وميزانية إقليم كردستان، والعفو العام، تم التوصل أخيرا، وبمشقة الأنفس، إلى التصويت على القوانين الثلاثة باعتبارها سلة واحدة. وبالفعل، تم تمرير القوانين الثلاثة دفعة واحدة، لكن، ما أن وصلت القوانين إلى مجلس الرئاسة حتى أعيد قانون المحافظات وحده. وهنا اعتبر الصدريون الأمر كله بمثابة خديعة دبرت بليل، وقال قائلهم أن إقدام مجلس الرئاسة على quot;خلعquot; قانون المحافظات وquot;تثبيتquot; قانوني الموازنة والعفو، يبدد كل ما تبقى من أجواء ثقة بين الأطراف.
الغريب أن هذه الواقعة حدثت والصدريون يعلنون عن تمديد قرار تجميد جيش المهدي لفترة ثانية. وبدلا عن المضي قدما في إنارة المزيد من quot;الكهرباءquot; quot;الصدريةquot;، ليستمر استتباب الأمور داخل العراق ويترسخ الأمن، يتم اللجوء إلى خلق المديرية العامة لإطفاء quot;كهرباءquot; الصدريين.
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه