قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كثيرة هي الشعارات التي تصادفنا ونحن نسير في شوارع بغداد، سواء كانت في الرصافة أو الكرخ، شعارات، سياسية، رسمية، شعبية، حزبية، دعائية، شعارات مكتوبة على الجدران، بخطوط متنوعة الفن، فوضوية، مرتبة، مزخرفة، عشوائية، ومن أبرز ما يلاحظه القاري الراصد هو تلك الاخطاء النحوية واللغوية الفاضحة، رغم أن بعض هذه الشعارات من (إنجازات محافظة بغداد) العتيدة!
شعارات متنوعة النكهة والاتجاه والمضمون والخطوط كما قلت، ولكن هل نصدق أن بعض هذه الشعارات طائفية بامتياز! نعم إنها شعارات طائفية في سرِّها، أو شعارات تقر وتؤكد أن هناك احتقانا طائفيا، أن هناك مشكلة طائفية، بل هناك أزمة طائفية في هذا العراق المُبتلى!
نقرا مثلا: ــ
(لا طائفية بعد اليوم)!
نقرأ أيضا: ــ
(لقد ولى عهد الطائفية)!
نقرأ كذلك: (العراق للجميع)!
نقرا إضافة إلى كل ما سبق: ـ
(الموت لمروجي الطائفية)!
وتتعدد مثل هذه الشعارات التي تنضح برفض مطلق وحاسم للطائفية، رفضها سياسيا، ودينيا، ووطنيا، ووظيفيا، واجتماعيا... رفضها بالمطلق!
اللغة لعينة، لعوب، مومس ماهرة، تخفي أكثر أحيانا أكثر مما تُظهر، تثير في جوهرها فيما هي هادئة، ساكنة، حنون، وديعة في ظاهرها، اللغة باطن وظاهر، وفي كثير من الاحيان تستعين بظاهرها لتُعمِل با طنها بأشد ما يكون العمل!
لماذا نقول أنها معركة اللغة؟
(لا طائفية بعد اليوم)!
أي أن هناك طائفية حقا، هناك مشكلة كبيرة نعاني منها في العراق، ولأكون أكثر وضوحا، أن الشعار بحد ذاته يثير المسألة الطائفية، يذكرنا بمأساة الطائفية، يطرح الطائفية قضية قائمة، تحتاج إلى علاج، تحتاج إلى موقف، هي حقيقة صا رخة، إنها اللغة التي تعلن عن باطنها عن طريق ظاهر خادع.
كثيرا ما أقرا عن دعوة لصلاة مشتركة بين السنة والشيعة، تارة في الاعظمية وأخرى في الكا ظمية وثالثة في البصرة، ترى أي دلالة بعيدة تثيرها هذه الدعوات المتكررة للاسف الشديد؟ وهل من دليل أكثر سطوعا وقوة من أن البلد يمر بأ زمة ومفارقات طائفية من هذا الدليل؟
إن أمانة العاصمة مدعوة إلى إزالة كل هذه الشعارات التي تنز من داخلها برائحة طائفية مقيتة، شئنا أم أبينا، نريد جدرانا بلا شعارات تتسبب بنبش الذاكرة الدامية، وتهييج التاريخ المأساوي، وتحريك الدفين الوسخ، نريد شعارات تحث على مواجهة مؤامرات الاعداء داخليا وخارجيا، وليس شعارات من شأنها تكون علة في تداعي المفارقات الدينية والمذهبية والعرقية، فإن الشعار فن دقيق، وعلم أنيق، ويحتاج إلى قراءة التاريخ بشكل واعي وحصيف.
الجدار معلم، الشعار معلم، ثورة، وكان صادقا كل الصدق عندما قال ماتوسي تونغ (رب شرارة تحرق سهلا)، والكلمة شرارة، وشرارة يعترف بخطورتها التا ريخ.
إن مسؤولية وزارة الداخلية وأمانة العاصمة ودائرة محافظة بغداد مراقبة هذه الشعارات، دراستها، لأنها شرارات يمكن أن تحرق بغداد كلها، ولكن هل حقا أن محافظ بغداد بمثل هذا الوعي الذي يؤهله لقراءة الكلمات الخفية؟
أشك بذلك!
إن فهم المخفي، أو فهم ما يمكن أن تثيره هذه الشعارات من نار محرقة بشكل غير مباشر تحتاج إلى خبير ليس في فهم المعنى المباشر للغة، بل خبير لسبر سرّ اللغة، لعبتها، فنونها، فهي مومس ماهرة، تحتال على بائعها بفنون من الحركات السحرية، الحركات الموغلة بالمخفي من أجل أسر البائع، وتحويله إلى دمية بين يديها.
لقد ولّى عهد الطائفية!
هذا الشعار مكتوب على جدران بغداد، إذن، كانت هناك فتنة طائفية، وكان هناك عهد طائفي، وكان هناك واقع طائفي، وحتى لو كان الامر كذلك، بل هو كذلك، فإن الشعار يثير شبح تلك الفترة، ويولد رغبة الانتقام، أو يجيِّش في داخلنا شكا مفاده اليأس من أن يأتي اليوم الذي نعيش فيه وطنيون لا طائفيون!
أن وزارة الداخلية، كذلك محافظة بغداد، وأيضا وأمانة العاصمة ينبغي عليهم جميعا معالجة هذه الشعارات التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وتقوم بحملة تنظيف جدران العراق من شرورها، وإثارتها، ومثيراتها، وتداعياتها، وإني إذ اثير هذه الدعوة اشك بان هناك وعيا دقيقا لهذه الحقيقة المرّة.
لا أريد أن اتحدث عن مآسي النحو واللغة والمجاز والإملاء في الشعارات، فتلك مسألة تهون، ولكني اتحدث عن طبيعة الشعار، وما يمكن أن يتسبب به من كوارث رغم أنه مطروح بلغة تبدو شفافة وبريئة ومحايدة...