عنوان هذه المقالة مقتبس من أقوالالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في لقائه الصحفي الطويل مع صحيفةquot; الحياة اللندنيةquot;، الذي أجراه الزميل غسان شربل رئيس تحريرها، ونشرته الصحيفة في أجزاء ثلاثة متوالية الأيام القليلة الماضية، ومن بعدها نقله عنها أكثر من وسيلة إعلامية أردنية و عربية. وهي حسب متابعاتي أشمل حديث للملك عبد الله الثاني وأكثر أحاديثه صراحة ووضوحا، وكأنه تعمد أن يكون هذا الحديث الطويل جردة شاملة: سياسية، اقتصادية، واجتماعية لمحصلة عشر سنوات من تسلمه ولاية العرش في المملكة الأردنية الهاشمية. والكتابة عن هذا اللقاء سببه أنه يضع أجوبة صريحة من مسؤول عربي على مجمل الأسئلة المطروحة في الساحة العربية، ونتيجة التعاطي مع هذه الأسئلة أو نتيجة الأجوبة على هذه الأسئلة هي التي ستقرر في السنوات القليلة جدا القادمة، ما إن كان سينعم الجميع بالسلام والأمن والرفاهية أو (الفوضى والمزيد من التأزيم في انتظار الجميع).


أولا: سؤال المفاوضات والسلام في الشرق الأوسط
لا يجامل الملك عبد الله الثاني أي طرف عندما يتحدث بهذه الصراحة والجرأة عن سير عملية السلام في الشرق الأوسط، خاصة أن بلاده وقعت اتفاقية سلام وصلح مع دولة إسرائيل منذ عام 1994 أي قبل خمسة عشر عاما، وبالتالي فهو يدرك طوال عشر سنوات من حكمه من هو الطرف الذي يعرقل عملية السلام. وهو يحمل إسرائيل صراحة هذا التدهور في المنطقة بسبب رفضها لكافة مبادرات السلام الفلسطينية والعربية واستمرارها في تحدي الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي بما فيه الرأي العام للإدارة الأمريكية. يقول الملك عبد الله الثاني: (كلنا نشعر بخيبة الأمل لعدم حدوث التقدم المطلوب، وأعتقد أن إسرائيل لعبت بطريقة ما لإحراج أبو مازن وإحراج العرب حتى لا تنطلق المفاوضات، وحتى يقول العرب لا نريد مفاوضات وبالتالي تتذرع بعدم وجود شريك....هناك إجماع دولي على عدم شرعية المستوطنات وما تمثله من عقبة في وجه السلام، ونحن نطالب بوقفها بشكل كامل، والسؤال هو: إذا كانت إسرائيل فعلا ملتزمة بحل الدولتين، فما معنى بناء المستوطنات على أراضي الدولة الفلسطينية المقبلة؟. طالبنا بوقف المستوطنات وبدء مفاوضات فاعلة توصلنا إلى حل الدولتين وفي إطار إقليمي يحقق السلام الشامل، وليس عملية سلام جديدة لأن الناس يئست وملت من عملية سلام مفتوحة لا تحقق نتائج). هذه الصراحة لا يمكن لأي طرف بما فيه إسرائيل أن تقول أنه تهرب من المفاوضات وعملية السلام، لأن دولة صاحب هذا القول وقعت اتفاقية سلام منذ خمسة عشر عاما، وإسرائيل بتعنتها في الملف الفلسطيني وعدم جديتها في إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967، جعلت هذه المعاهدة ومن قبلها بسنوات معاهدة الصلح مع مصر، مجرد اتفاقيات على الورق لم تشهد أي تقدم في علاقات الشعبين أو التطبيع كما يسميه البعض.
وأرى أن استمرار الدولتين المصرية والأردنية في الالتزام باتفاقيتي الصلح والسلام رغم التعنت الإسرائيلي ومطالبة المعارضة في البلدين بإلغائهما هو الموقف السياسي الصحيح، لأن الإلغاء ستستغله إسرائيل للتدليل على مقولتها الخاطئة بأن العرب لا يريدون السلام. وبالتالي ما معنى أو ما الفائدة من المطالبة بإلغاء الاتفاقية خاصة من طرف جماعات الإخوان المسلمين في البلدين، عندما يقول ملك إحدى الدولتين الموقعة على هذه الاتفاقية، وهو الملك الأردني عبد الله الثاني حرفيا وبالصوت العالي: (يجب أن تكون هناك آلية تضمن أن المفاوضات ليس لتضييع الوقت، فإذا لم يتحقق مبدأ تجميد الاستيطان لبدء المفاوضات، يجب أن تكون هناك ضمانات أمريكية ودولية ملزمة ومكتوبة من خلال الأمم المتحدة، تؤكد أن المفاوضات ستعالج كل قضايا الوضع النهائي: الحدود والقدس واللاجئون، وستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية بحدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفي إطار جدول زمني واضح). وماذا يريد المطالبون بإلغاء الاتفاقيات أكثر من ذلك؟ وهي المطالب التي تريدها منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، وطالب بها خالد مشعل في حديثه مع الصحف الأمريكية، وتطالب به حماس ndash; غزة علنا من خلال الالتفاف القائل بهدنة طويلة المدى مع دولة إسرائيل لمدة ستين عاما. وبالتالي فإن حديث الملك عبد الله الثاني الصريح الجريء الواضح هذا يضع كامل المسؤولية على التأزم القائم والعنف السائد، على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خاصة حكومة نينياهو الحالية التي تستمر في استفزازات عالية خاصة في موضوع المستوطنات والقدس.


ثانيا: القدس خط أحمر
هذه المسألة في منتهى الخطورة والحساسية لأن القدس الشرقية بالنسبة للفلسطينيين والعرب والمسلمين ليست مجرد كيلومترات من الأراضي، ولكنها بحكم موقع المسجد الأقصى فيها ومكانته عند المسلمين (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)، هو مسألة روحية لا تقبل التحدي والمساس به وبالقدس الشرقية كمدينة تحتضن هذا المسجد. وهذا ما لا تدركه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. وليت الحكوم الإسرائيلية الحالية تفهم الدرس من قول الملك عبد الله الثاني: (القدس خط أحمر، وعلى الإسرائيليين أن يدركوا مكانة القدس عند العرب والمسلمين والمسيحيين وعدم اللعب بالنار، ونحن في الأردن سنستمر في عمل كل ما في استطاعتنا لحماية القدس...ونعمل أيضا عبر اجراءات عملية على الأرض لتمكين المقدسيين وتثبيتهم في مدينتهم وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية التي يحمل الأردن مسؤولية رعايتها).


ثالثا: الوضع الداخلي في الأردن
من الموضوعات التي استحوذت على تفكير وحديث الملك عبد الله الثاني طوال الجزء الثالث من لقائه الصحفي هو الوضع الداخلي في الأردن من كافة النواحي. وأهمية هذا الجزء من الحديث نابع من أهمية الأردن لوقوعها بين بؤرتين متوترتين هما العراق في الشرق والأراضي الفلسطينية المحتلة في الغرب، ووقوعه على جوار سوريا المحتلة هضبة جولانها أيضا من إسرائيل أيضا، مما يعني أنها مهتمة بعملية السلام الدائرة، وأيضا لا سلام شامل بدون سوريا ينتج عنه استعادة كامل أراضيها المحتلة في هضبة الجولان، ومزارع شبعا إن كانت لبنانية أو سورية فالمهم هو تحريرها من الاحتلال. وقد أجاب جلالته على أسئلة الوضع الداخلي الأردني بصراحة، ليت كل أطياف العمل الحزبي السياسي الأردني تعي ذلك، لتعرف أن العمل الديمقراطي من خلال هذه الثوابت يحقق لها المزيد من حضورها الفاعل وللأردن استقرارا ومناعة. أهم هذه الضوابط في الحديث الملكي التي أعتقد أن هناك إجماع حزبي وشعبي ورسمي أردني حولها هي رغم أنها موضوعات الجدل والنقاش والخلاف داخل بعض الأحزاب الأردنية خاصة الحركة الإسلامية:
1. quot;حماس ليست حزبا أردنيا، وسياستنا أن لا نسمح لأي تنظيم أو حزب غير أردني بالعمل في الأردن quot;. وهذا المبدأ تطبقه أعرق الديمقراطيات الأوربية والاسكيندينافية والأمريكية، فمن المستحيل قيام حزب سويدي بأي نشاط سياسي أو اجتماعي داخل النرويج أو التفكير بفتح مكتب له فيها.
2. quot; أما بالنسبة للحركة الإسلامية فهي جزء من النسيج الوطني والحراك السياسي، ونحن نشجع أن نتخرط كل التيارات السياسية والأحزاب في الأردن في مسيرة البناء وفي خدمة المصالح الوطنية وفقا للقانون...ومعيارنا في التعامل مع الجميع هو الالتزام بالقانون والعمل لخدمة المصلحة الوطنيةquot;.
فهل تعي الأحزاب الأردنية هذه الرسالة وضوابطها؟
أستطيع القول أن المتابع للحراك السياسي الداخلي الأردني يجيب على هذا السؤال بكلمة: لا كبيرة. وذلك عائد لسببين أساسيين:


الأول: أسلوب المناكفة والزعيق لدى الحركة الإسلامية
فهذه الحركة من خلال تصرفات مسؤلي حزبها الرسمي (جبهة العمل الإسلامي) لا تستعمل أسلوب الحوار حتى بين أعضائها وكوادرها، بدليل الخلافات السرية والعلنية التي أدت لفرز تيارين (صقور وحمائم أو الأصدق معتدلون ومزايدون) تبادلا الاتهامات العلنية التي ما زالت تعصف بالحركة وحزبها، لدرجة وصف بعض القيادات لبعضها ب (الدخلاء) وهو تخفيف لوصف (العملاء) كما ورد حرفيا في حديث رحيل غرايبة رئيس المكتب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين الأردنية وعضو مكتبها التنفيذي للزميل علي عبد العال في موقع (الإسلاميون نت) يوم الخامس والعشرين من أكتوبر 2009، حيث قال حرفيا:
quot; أؤكد أن هناك بعض الأشخاص يشكلون اختراقا لصفوف الجماعة وطريقة عملها، وهم يتعمدون اثارة الخلاف وتأجيج الأزمة وتوصيل ذلك للإعلام، لأنهم يرسلون رسائل مقصودة إلى أطراف خارجية كثيرة quot;. لو صدرت هذه التهمة من كاتب أو صحفي لأهدرت جماعة الإخوان المسلمين الأردنية دمه!! ولكنها شهادة من قيادي من الصف الأول بأن هذه القيادة فيها (خونة وعملاء) يرسلون رسائل مقصودة لأطراف خارجية كثيرة، لذلك فإسلوب الزعيق والمناكفة المتبع من الجماعة داخل الحراك السياسي الأردني لا يهدف إلا الوجود تحت الأضواء رغم أنف هؤلاء العملاء والخونة في داخل قيادة الجماعة، ومن لا يعجبه هذا القول فليراجع الدكتور رحيل غرايبة فناقل خبر الخيانة ليس بخائن!!!.

الثاني: تعدد الأحزاب الأردنية من سوبرماركت إلى ميني ماركت
بداية التعدد السياسي الحزبي في الأردن بدأه المرحوم الملك حسين عام 1989، ومنذ ذلك العام سارع الحزبيون والسياسيون الأردنيون لتأسيس أحزابهم، فإذا في الأردن الذي لا يزيد عدد سكانه عن خمسة ملايين ونصف يشهد ما لا يقل عن خمسة وثلاثين حزبا، المعترف بعضويتها في نكتة اسمها (المؤتمر العام للأحزاب العربية) فقط 17 حزبا. وهي نكتة سخيفة تطرح السؤال: كيف يفهم العرب الديمقراطية والتعدد الحزبي والسياسي، خاصة أن دولا عظمى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لا تعرف سوى حزبين أو ثلاثة. وتعالوا معي في رحلة حزبية أردنية لتكتشفوا حجم الملل والقرف من كيفية تطبيق بعض العرب للديمقراطية. من يسمع من الأردنيين تحديدا عن هذه الأحزاب المعتمدة في قائمة (المؤتمر العام للأحزاب العربية) ولها قيادات وأمناء عامين وسكرتارية ومرافقين وأعلاما خاصة:

حزب العمل القومي (حق)، حزب المستقبل، حزب النهضة الأردني، حزب الأرض العربية، حزب الأنصار العربي الأردني، حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب البعث العربي التقدمي، الحزب التقدمي، حزب جبهة العمل القومي، حزب الحركة القومية، حزب الوحدة الشعبية الديمقراطية....والقائمة تطول إذا استمرت زيادة النسل الحزبي الأردني،فربما يصل الأردنيون ل (حزب لكل ألف مواطن).
لذلك يمكنني القول هناك بعض القيادات الغربية الرسمية أكثر وعيا وتقدما و إصلاحا من قيادات بلادها الحزبية المعارضة تحديدا. ويبقى حديث الملك عبد اله الثاني مهم في طافة تفاصيله ومنها العلاقة مع إيران، لأنه جردة دقيقة لعشر سنوات من ولايته في الأردن...والخلاصة الموجهة للعرب والعالم أجمع: (إما السلام العاجل أو الفوضى والتأزيم في انتظار الجميع).
[email protected]