انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية في العالم بالرسالة التي وجهها أوباما لإيران في عيد نورز، مثلما حدثت من قبل ضجة استبشار حين لم يستخدم اوباما في حفل تنصيبه عبارة quot;الحرب على الإرهابquot;، مع أن الإرهاب الإسلامي يشن منذ حوالي العقدين حربا بلا حدود على الحضارة والتقدم البشريين، وعلى الغرب خاصة، وهي حرب لا تواجه بغير الحرب المضادة، سواء سميت حربا أو لا.
إن الأغلبية العظمى من التعليقات والتفسيرات حول رسالة اوباما ذهبت إلى أن هناك تغييرا جذريا في مجمل السياسة الخارجية الأميركية، مناقضا على طول الخط لسياسة الإدارة السابقة.
الواقع إن هناك بعض ما يفسح المجال لتفسيرات كهذه، خصوصا في لهجة الرسالة الفائقة الود، واللباقة، والتنسيق، وهو ما يجعل بعض المعلقين يعتبرون كما لو أن أوباما quot;يستجديquot; القيادة الإيرانية، وهي لهجة لم يكن بوش يستخدمها حول إيران.
لم يضعْ بوش الحرب على إيران في جدول الأعمال ، بل عارض إسرائيل عندما فكرت في هذا الحل، ورغم إدراج إيران في quot;محور الشرquot;، فإن ذلك لم يمنع من حدوث اتصالات أميركية مع إيران حول العراق، بل دعت وزيرة الخارجية السابقة إيران للحوار، وكان ضمن خطط إدارة بوش فتح مركز دبلوماسي في طهران بتمثيل متواضع، وفي 2006 وقف بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليدافع عن حق إيران في الحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
إن رسالة أوباما الطويلة تضمنت، وسط الكمية الكبيرة من الإفراط والمبالغة في عبارات الود والتذكير بالحضارة الإيرانية، عدة سطور مفادها أن على إيران الكف عن طريق التسلح والإرهاب لو أرادت فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة والمجتمع الغربي: أي على إيران التخلي عن مشروعها النووي العسكري، وعن التدخل في شؤون دول المنطقة وتصدير الإرهاب. لم يأت ذلك بوضوح تام ومحدد، وبوضع النقاط على الحروف، ولكنه مع ذلك متضمن وموجود في الرسالة، علما بأننا نرى أنه، في قضايا دولية ساخنة وحساسة، كالقضية الإيرانية، فإن الخطاب يجب أن يكون واضحا كل الوضوح، وذلك تجنبا لأي إبهام قد يثير الالتباس، فيبلبل الرأي العام الأميركي والدولي، رغم أن المقصود لا يخفى على رجالات السياسة المحترفين، وهو ما فهمه خامنئي،
إن سياسة بوش في الموضوع النووي كانت متطابقة مع مواقف وإجراءات مجموعة 5 + 1، أي الضغط على إيران لتغيير موقفها في النووي وذلك بفرض العقوبات، المقرونة بحزمة من المحفزات. هذا بالضبط ما تعنيه سياسة quot;الجزرة والعصاquot;، التي توصف بها السياسة الجديدة، وهذا التطابق هو ما أشار له الزميل كمال غبريال في مقالته منذ أيام حين قال:
quot; في ماذا تختلف سياسة العصا والجزرة، التي يتجه بها أوباما نحو إيران، عن سياسة العقوبات وحزم الحوافز، التي سبق تقديمها في مراحل عديدة لإيران؟!!quot; حوافز قدمت دون أن تغير إيران من مواقفها . في هذا المنحى أيضا ذهبت صحيفة الفيجارو الفرنسية، القريبة من الحزب الحاكم، في مقالتها الافتتاحية ليوم 23 مارس 2009، تحت عنوان quot; حملة أوباما الدبلوماسية.quot; الصحيفة تلاحظ أن التوجه الأميركي الجديد نحو إيران وروسيا وغيرهما، يركز على وضع الدبلوماسية الناعمة في الصدارة على ألا تكون غاية بحد ذاتها، بل أداة لخدمة مصالح واشنطن والغرب، وهذه السياسة لا تأتي بنتائج فورية، ولكنها تسهم في تبديل المناخ، بحيث أن الخصوم لا يمكن أن يردوا على اوباما بنفس عنف الخطاب نحو الإدارة السابقة، و تسترك الصحيفة قائلة:
quot; غير انه، رغم كل هذا، فإن ثمة قدرا كبيرا من الاستمرارية بين الإدارة الحالية وإدارة بوش. إن هذه الاستمرارية هي التي جعلت شخصية محافظة مثل روبرت كاغان أن يقول عن أوباما [ إنه يتصرف تماما كبوش].. quot;
لقد جرت عملية هائجة، مستمرة لتشويه وأبلسة سياسة بوش، والتشنيع بشخصه، وعرضوه كالوحش المتعطش للحروب والدم، ونسبوا لسياساته عوامل التوتر، سواء مع إيران، أو غيرها، مع أن إدارته، وكما مر، كانت مساهمة في إجراءات ومواقف مجموعة 5 + واحد، ومع أنه لم يصعّد التوتر مع روسيا بعد غزو جورجيا، كما أنه دعاها مرارا للمباحثات حول موضوع الدرع.
إن هذا المنطق الأعوج يجعل بوش مسئولا عن توتر المجتمع الدولي مع إيران، أو الغزو الروسي لجورجيا، ومدها إيران بخبراء النووي، ومناوراتها العسكرية في الكاريبي، وبناء القواعد البحرية العسكرية هنا وهناك. أما في القضية الفلسطينية، فما هي فوارق المواقف بين الإدارتين؟ ألم تجعل غونديلا رايس من المنطقة محط زياراتها المكوكية؟ ألم يدعُ بوش خلال ولايتيه لقيام دولة فلسطينية؟ إذن فما الجديد؟!! ألم يضغط أكثر من مرة على إسرائيل عندما كانت تبالغ في عنف الرد؟ ثم هل يمكن لأوباما القبول بتهديد من إسرائيل؟ كلا بالطبع.
إن ما مر لا يعني أن إدارة بوش لم تقترف أخطاء كبيرة، خصوصا في سوء التخطيط لما بعد الحرب في العراق، كما لا يعني انه ليس هناك الجديد الأميركي في السياسة الخارجية، كاحتمال التخلي عن مشروع الدرع الصاروخي مقابل مساعدة روسيا في لجم النووي الإيراني، أو الاتجاه نحو الحوار مع quot;معتدلي طالبان.quot; إن هذه الجدة، لو طبقت، فستكون نوعا من مغامرة تجارب الخطأ والصواب، ومضيعة للوقت، ليعود أوباما بعد ذلك مضطرا إلى جوهر السياسات السابقة إذا أراد حماية الأمن الأميركي، وصيانة وحدة الموقف الغربي؛ فروسيا لن تقبل بأقل من الاعتراف لها بأن منطقة القوقاز والجمهوريات الشرقية السابقة تدخل ضمن مناطق نفوذها، وفي أفغانستان، وكما ورد في مقال سابق، لا يمكن الحديث عن معتدلين ومتشددين بين طالبان. أما عن إيران، فقد برهنت التجارب والوقائع منذ ست سنوات على أنه لا طريق للتعامل معها غير تشديد العقوبات، مع الالتزام بقيام علاقات دبلوماسية أميركية معها، وتقديم الحوافز، فإيران لن تتخلى عن المشروع النووي، وهذا ما أعلنه للتو مساعد لأحمدي نجاد، حيث صرح أنه ما من أحد يستطيع وقف البرنامج النووي الإيراني.
إن الرد الإيراني على رسالة أوباما تميزت بالمكابرة والمغالطة، اللتين تذكّران بخطب صدام. ربما تعتقد إيران أن أميركا في حرج وفي موقف ضعف، وأن اوباما سيكون كارترا جديدا، وكان خميني قد وصف كارتر بأنه تصرف مع إيران quot;كدجاجة بلا رأسquot;؛ غير أن الموقف الإيراني يخفي، في الوقت نفسه، القلق من العزلة الدولية الشاملة، ومن الأزمة الداخلية، والطموح الداخلي المتزايد، خصوصا بين الشباب، نحو التغيير الحقيقي، إذ هناك أزمة حقيقية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية، فكرية، سنعود لتناولها في مقال قادم.
نعم، إنها مكابرة وتحد، ولكنهما يخفيان القلق أيضا، خاصة من العزلة الدولية الشاملة، بل حتى خيار الحرب لا يستبعد نهائيا، وفي نهاية المطاف، فيما لو أصرت إيران على صنع القنبلة، وكان وزير الخارجية الفرنسية كوشنر قد صرح قبل حوالي شهرين بأن الحرب قد تكون ورادة، بل الدكتور البرادعي نفسه، وهو صديق إيران، قد صرح خلال وجوده قبل أسابيع بباريس، في برنامج أعدته قناة quot;تي 5 في العالمquot;، وquot;إذاعة فرنسا الدوليةquot;، وصحيفة quot;لوموندquot; بأنه:
quot; يمكن استخدام القوة حين تكون الخيار الوحيد، والأخير، والأفضل المتاح، وحين نكون قد استنفدنا كافة الخيارات السياسية، وأعتقد أننا لم نفعل ذلك.quot;
أجل، لا نرجح أن يخرج أوباما، بعد امتحان التجربة الجديدة مع إيران لفترة ما، عن سياسة بوش، ونأمل أن لا يقع في مطب انتظار الانتخابات، وفي مصيدة المناورات الإيرانية الجديدة، وأن يثبت لخامنئي أنه ليس بسذاجة كارتر، وأن أميركا قوية رغم الأزمة الاقتصادية، والوضع الصعب في أفغانستان، وأن مشكلة إيران ليست مع واشنطن وحدها، بل مع المجتمع الدولي كله.
على كل، فالمستقبل كشاف!!