هناك الكثير من العمل لكي يتحول القطاع السياحي العراقي الى قطاع منتج، وان استقطاب المزيد من السياح يكون بتطوير الخدمات السياحية وليس إدامة الصروح التاريخية فحسب، اضافة الى الشروع في تطوير حملات ترويجية عبر تفعيل دور الاعلام.

في الوقت الذي يندر فيه استثمار القطاع الخاص في العراق في قطاع السياحة الأارية، فان رجال أعمال ومستثمرين عراقيين يسعون الى جعل السياحة التاريخية في العراق صناعة مستدامة تقوم على أسس علمية لكي تصبح انتاجية أكثر منها استهلاكية للموارد والميزانيات.
ومما يشجع على ذلك بحسب المستثمر وليد الطائي هو الانتعاش الكبير الذي تشهده السياحة الدينية التي تتحول يوما بعد يوما الى رافد مهم من روافد الاقتصاد ، بسبب الاقبال الكبير لأصحاب رؤوس الأموال وشركات النقل والإنشاءات على الاستثمار فيه. ولان العراق يحتوي على آثار تاريخية مهمة بالنسبة للعرب والمسلمين والعالم فان السياحة الأثرية يمكن ان توازي في نجاحها السياحة الدينية.
وفي بغداد وحدها، باعتبارها العاصمة، فان هناك العشرات من الآثار التاريخية التي نالت على مدى عقود إعجاب السواح. ويشير الخبير السياسي جعفر حسن الى ان السياحة الأثرية ستساهم بكل تأكيد بأكثر من 25 بالمائة من الدخل القومي، شرط فسح المجال أمام شركات القطاع الخاص. يقول السائح الأردني عمر المحتسب، ان وقع اسم بغداد، يُغري كثيرين بزيارتها نظرا لرمزيته التاريخية، إضافة الى وجود النهر الخالد، دجلة، الذي يشطرها الى شطرين، هما الرصافة والكرخ. ويتابع: لطالما تحدثت كتب التاريخ وقصائد الشعر عن حوادث ووقائع شهدتها هذه الأماكن.
ويعدد خبير الآثار احمد حسن الكثير من الأماكن التاريخية في بغداد، حيث تسعى الجهات المعنية اليوم الى إعادة تأهيلها. لكن حسن يشير الى ان مجرد الحفاظ على هذه الأماكن سيكون عديم الجدوى اذا لم يتم الاستثمار فيها وتحويلها الى أماكن للترفيه والراحة أو مراكز معلوماتية تاريخية.
المدرسة المستنصرية
وأحد الأمثلة التي يشير اليها حسن هي المدرسة المستنصرية التي يمكن تحويلها بفنائها الواسع الى مركز ثقافي تقام فيه الفعاليات الاجتماعية والثقافية، والمحاضرات في التاريخ وأنواع العلوم الأخرى. والمدرسة المستنصرية تعد أهم جامعات العالم الإسلامي في العصر العباسي، وكانت تدرس فيها اللغة العربية والفلك والرياضيات وعلوم الدين والطب والصيدلة وكانت تضم مستشفى خاص لتدريب طلبتها. ووصول السائح اليها يكون سهلا جدا لأنها احدى معالم بغداد البارزة، حيث تقع قرب جسر الشهداء عند نهر دجلة. شيدت المدرسة في عهد المستنصر بالله العباسي الذي استمرت خلافته من ( 623- 640 هجري/ 1226-1242 م).
القصر العباسي
ويتحدث حسن أيضا عن إمكانية تحويل القصر العباسي الى معلم حي يعج بالحياة بدلا من كونه آثارا تاريخية يزوره السواح فقط من دون ان يتمتعوا بفعاليات ثقافية واجتماعية فيه او عنده. ويعود تاريخ القصر الى عهد الخليفة الناصر لدين الله ( 575-623هجري/ 1179- 1225م) ويمتاز القصر بضخامة بناءه ووسع إيوانه مما يجعله مكانا مناسبا لأي فعالية إجتماعية أو ثقافية.
المدرسة المرجانية و سور بغداد
وهناك أيضا المدرسة المرجانية في شارع الرشيد المشيدة سنة 758 هجري /1357 م. ويتوق الزوار شوقا الى رؤية سور بغداد، الذي شيد على يد الخليفة المسترشد بالله (512- 529 هجري / 1118- 1135م. لكن السائح سوف لن يتمتع برؤية السور الذي لم يتبق منه (الباب الوسطاني ) قرب ضريح عمر السهر وردي قريبا من شارع الشيخ عمر.
تل حرمل
وتقود الجولة السياحية للزائر الى منطقة ( تل حرمل )، وهو موقع أثري موغل في القدم يعود تاريخه الى العهد الآكدي وسلالة أور الثالثة، وكان مركزا إداريا تابعا لمملكة أشنونا التي كان مركزها ( تل أسمر) بمحافظة ديالى. وأول ما يصادف السائح عدة مباني وباب واسع على جانبيه برجان كبيران ومنه تشاهد أكبر بناء تم الكشف عنه وهو المعبد الرئيسي. وازدادت أهمية تل حرمل التاريخية بالعثور فيه على الرقم الطينية الدالة على مختلف أنواع العلوم.
عقرقوف
منطقة أثرية أخرى داخل العاصمة بغداد لا يفّوت زيارتها السائح، وهي زيارة المدينة الأثرية عقرقوف، المبنية وفق مفاهيم العمارة السومرية- البابلية على مسافة 30 كم الشمال الغربي مركز مدينة بغداد ، ويعود تشييدها الى بداية القرن الخامس عشر ق.م. بأمر من الملك كوريكالزو الأول الذي سميت باسمه. واحد المعالم الكبيرة الملفتة للزائرين زقورة المدينة إذ ترتفع لنحو 57م عن السهل المحيط بها.
المدائن
وبالتأكيد فان السائح سيعرج على صرح آخر من صروح التاريخ التي اشتهرت بها مدينة بغداد، وهي مدينة المدائن التي تبعد نحو 30كم، عن مركز العاصمة، ويرجع تاريخ تشييدها الى حدود القرن الثاني قبل الميلاد. وأول ما يبرز أمام الزائر طاق كسرى الشهير على مقربة من نهر دجلة ويرجع عهده الى منتصف القرن الثالث للميلاد ، وهو الأثر الباقي من أحد قصور كسرى آنوشروان. وفي نفس المنطقة يوجد مرقد الصحابي الشهير سلمان الفارسي المدفون هناك.
وبحسب الموظف الاثاري حيدر حليم فان المدائن تجمع بين السياحيتين الاثارية والدينية، لاسيما وان كثيرين يعتقدون ان الشرخ الموجود في الايوان هو الشرخ الذي حدث عند ولادة الرسول محمد (ص ). ويرى الباحث الاقتصادي حميد كامل ان هناك الكثير من العمل لكي يتحول القطاع السياحي الى قطاع منتج ، وان استقطاب المزيد من السياح يكون بتطوير الخدمات السياحية وليس ادامة الصروح التاريخية فحسب، اضافة الى الشروع في تطوير حملات ترويجية عبر تفعيل دور الاعلام لكي يقدم صورة جديدة عن الوضع في العراق من الناحية الامنية والاجتماعية ، مترافقا مع التعريف بأهم المناطق التاريخية.