يُجمع المعارضون السوريون على إدانة اعتداءات باريس بشكل مطلق، مؤكدين بأنها تضر الثورة وتصب حتمًا في مصلحة النظام، معتبرين بأن الهدف السياسي تمثّل في قلب الطاولة على الجميع في اجتماع فيينا عبر القول: هناك من يقتل شعبه فقط، وهناك من يهدد الكوكب برمته.

بهية مارديني: دان عمار قربي، أمين عام تيار التغيير الوطني، الاعتداءات التي وقعت في باريس الجمعة الماضية، وقال لـ "إيلاف": "لا شك ان تفجيرات باريس وغيرها من العمليات الارهابية، هي عمليات وحشية بربرية ومحل ادانة واستنكار من كل عاقل، بل ان الاسلام نفسه اول من حرمها ووعد بعقاب عسير لمن يقترفها، ومهما كانت المسوغات، فليس هناك ما يبرر ازهاق أرواح الأبرياء والآمنين"، لكنه أضاف: "ادانة تلك العمليات لا يمنعنا من ادانة عمليات القتل بالرموت كنترول التي يمارسها النظام وبعض الدول للابرياء في سوريا، فالقيمة الانسانية واحدة".
واعتبر "ان ما آلت اليه الأمور في العالم اليوم لن يصرفنا عن وضع اليد على السبب الحقيقي في ذلك، وهو قيام الدول الغربية في الاستثمار في دمائنا، فكانت النتيجة ان دفع ويدفع الابرياء في العالم الثمن".
الثورة سُرقت
وشدّد أن "الارهاب والتطرف الحالي، على بشاعته، انما هو رد فعل على تراخي الغرب واستراخصه للدم السوري والعربي، والتعامي عن الاسباب ومعالجة الاعراض، وكأن قدر المدنيين في العالم ان يدفعوا ثمن سياسات متطرفين يحكمون، وآخرين يطمحون للحكم".
مُذكّرًا أنه "ومنذ بداية الثورة السورية، وبعد تشكيل ما يسمى المجلس الوطني السوري، وهو الاب الروحي للائتلاف الحالي، ادركت أن الثورة تعرضت للسرقة من الدول التي جاءت بمن تريد وفوضتها برقاب الثوار، وان هذه الحال لن ترضي من خرج للحرية، مما سيولد الانشقاقات والصراعات، فسافرت لعدة دول، منها الولايات المتحدة والمانيا وهولندا وفرنسا وغيرها، واجتمعت مع المسؤولين هناك شارحًا لهم وبالادلة، ان هذه السياسات من الاستزلام والتفرقة والاكتفاء بالفرجة والتشجيع عوضًا عن التدخل الجدي لن تفضي إلا الى تعقيد الحالة، وستكونون انتم ضمن قائمة الضحايا، وأشرت حينها الى ما ينتظر اوروبا من الارهاب واعداد اللاجئين، وهذا موّثق في محاضر جلساتي مع تلك الدول".
سياسة خرقاء
لكنه أوضح أنهم "كانوا يبتسمون ويدعون القدرة بالسيطرة على الوضع"، وقال: "اذكر ان سفيرًا قال لي اننا قمنا بالعراق باكثر ما نقوم به بسوريا، ولم نسمع بضربة كف واحد خارج العراق، وحاولت ان اشرح بأن الغرب قد دخل العراق محتلًا، ولذلك لم يجد من يود قتاله صعوبة في قتاله بأرض العراق، وانتفت الحاجة لتكبد قتاله خارجها، اما في سوريا فسيخرج من يود قتالكم لانكم لستم متواجدين على الارض، كما ان الخريطة الديمغرافية الطائفية والعرقية المتوازنة في العراق تختلف عن سوريا ذات الاغلبية السنية العربية".
واستدرك قربي بالقول: "لكن من قال بأن تنظيم داعش هو تنظيم سني؟ أوليس السنة هم اول من دفع ويدفع اثمان هذا الارهاب؟ أليس السنة في العراق من القبائل والصحوات هم من قاتل القاعدة هناك؟ أوليست داعش من قتل 1500 شخص بيوم واحد من قبيلة الشحيطات وحدها في دير الزور، عقابًا على محاربتهم لهم وعدم مبايعتهم؟"، لكنه رأى أن "الغرب، وعوضًا عن دعم الاعتدال واحقاق الحقوق، لجأ الى اذكاء الصراع ودفع الناس باتجاه داعش عبر سياسات طائفية خرقاء، فتارة يصور الحرب في عين العرب كوباني بالحرب بين العرب السنة والكرد، علمًا ان الاكراد والاجانب الذين كانوا في داعش حينها اكثر من العرب، وتارة يغض الطرف عن المليشيات الشيعية التي تقاتل في سوريا من لبنانية وافغانية وايرانية وعراقية، والاهم هو اولوية قتال داعش والهدنة مع النظام السوري".
وشدد "ان الغرب اليوم مطالب بإعادة تقييم سياساته المعتمدة في العالم العربي والاسلامي، كما عليه رفع رأسه من رمال الصحارى العربية التي دفنه فيها، والتوقف عن الهروب للامام، فقضية فلسطين وقضية الديمقراطية للشعوب وقضية الاستبداد المدعوم غربيًا ستبقى المحرك الاساسي للشعوب العربية، وستبقى بيئة خصبة لتفريخ ارهابيين جهلة مختوم على قلوبهم بالاجرام، وعلى عقولهم بالغباء".
قلب الطاولة
من جانبه، قدّم رئيس الوزراء السوري السابق المنشق، رياض حجاب، أحرّ التعازي لأسر الضحايا والشعب الفرنسي الصديق والحكومة الفرنسية، مؤكّدًا في تصريح تلقت "إيلاف" نسخة منه، قداسة الإنسان، "وأنه المخلوق الوحيد الذي خصّه الله، فنفخ فيه من روحه، وحرّم قتل الإنسان إلّا بحق، فدم البشر واحد، بغض النظر عن جنسيتهم أو قوميتهم أو دينهم أو الأفكار التي يعتقدون بها، وما أريق من دماء في شوارع باريس، لا تقل غلاوة عن دماء السوريين في دمشق وحلب وحماة وحمص ودير الزور وغيرها من المناطق المنكوبة، التي شرّع الأسد أبوابها لمحترفي الإرهاب المنظم في العالم".
وقال: "بنظرة حيادية لسياق وتوقيت العمليات الإرهابية قبل اجتماع فيينا للبتّ بالشأن السوري، يتبيّن أنّ الهدف من ورائها، خلق اضطراب مقصود في الأولويات والبوصلة السياسية للدول الكبرى، خاصة بعد إعلان الرئيس الفرنسي ونظرائه، بتصريحاتهم الأخيرة، أنّ الأولوية في مكافحة الإرهاب تقتضي زوال بشار الأسد، وأنّ لا مكان له في الدولة السورية".
واعتبر "انّ تبنّي تنظيم داعش الهجوم الإرهابي على الجمهورية الفرنسية المناهضة لإجرام الأسد والمؤيدة لمطالب الشعب السوري، يهدف لتغيير سلّم أولويات الدول الكبرى في مكافحة الإرهاب، ووضع العالم بين خيار إرهاب الدولة المقتصر على قتل السوريين فقط، أو التطرف الديني العابر للقارات، ما يدلّ على أنّ هذا التنظيم الإرهابي كيان وظيفي وواجهة أيديولوجية تديرها أنظمة الإرهاب السياسي في الزمان والمكان المناسبين لخدمة وتكريس أجندتها السياسية".
تشويه الثورة
الى ذلك، قال المنسق في الجيش الحر كرم خليل لـ"إيلاف"، إن الهجمة الارهابية التي حصلت بالعاصمة الفرنسية جريمة بشعة يجب ادانتها بحزم وبلا تردد، وهذا ما فعلته الامة الاسلامية جمعاء، وهي جريمة يجب ان تكون مدانة، بالذات من العرب والمسلمين.
وأكد: "نحن الذين ندفع في نهاية المطاف ثمن هذه الجرائم الارهابية، هذه القضية بالذات، أي من هو المستفيد من هجوم باريس غير النظام السوري الارهابي، ان منفذين هذه الجريمة هم بالضرورة على درجة عالية من الاحتراف، وتلقوا تدريبًا عسكريًا متقدمًا، والسيناريو المتخيل سيكون كابوسًا حقيقيًا، لكن هل هذا التضاد الثنائي هو الطريقة المثلى للنظر إلى المشكلة؟".
ورأى أن "الخطر الأكبر الآن هو السقوط في شرك وضع الهجوم في إطار الصراع بين الإسلام والغرب، وهو ما يسعى اليه النظام السوري".
ومن ناحية أخرى، أشار الى "ان وضع الهجوم في هذا الإطار هو بالضبط ما يريده بشار الاسد الارهابي"، موضحًا "إنها الطريقة الوحيدة لطبع الثورة بالطابع الاسلامي المتطرف، ومحاولة منه لتشويه اهداف الثورة السورية، وهي طريقة تضمن تحويل الاهتمام عما هو معرض للخطر في الصراع ضد الإرهاب، مثل قيم الانفتاح والتعددية والتسامح، التي يرفضها النظام السوري"، وبهذا السياق، جزم" ان داعش والاسد وجهان لعملة واحدة، وهم على أعلى مستويات التنسيق والتخطيط".
وأضاف: "التوقيت، كما اعتقد، يندرج بإطار خدمة نظام الاسد، وربما معاقبة لفرنسا على مواقفها الداعمة للثورة بوضوح، وبالتالي فإن هذه الأحداث التي سبقت اجتماع فيينا تهدف إلى اعطاء الاولوية لمكافحة الارهاب واعادة تسويق نظام الاسد الارهابي او جعله شريكًا بمحاربة الارهاب، والسؤال هنا: هل وصل التنسيق بين نظام الاسد وداعش الى الاراضي الفرنسية؟"
وانتهى الى ان جميع فصائل الجيش السوري الحر اصدرت بيانًا يدين الأعمال الأرهابية في باريس، ويشير إلى أن المستفيد منها هو نظام بشار الارهابي.
كارثة
من جانب آخر، اعتبر أعضاء في الائتلاف الوطني السوري المعارض أن "ما حصل من نتائج في لقاء فيينا انما هو اكثر من كارثة على الشعب السوري، واقل ما يمكن ان يقال عليه انه اجازة قانونية مشرعنة للدم السوري منذ انطلاق الثورة السورية، كما انه التفاف على مقررات مؤتمر جنيف 1، التي كان من اهم بنوده حكومة كاملة الصلاحية".
وقال الدكتور نذير الحكيم، عضو الائتلاف في رسالة ارسلها الى الاعضاء، "إن المعارضة، أيًا كان ممثلوها، سيغرقون في شبر من التفاصيل والتفسيرات لنتائج هذا الاجتماع، وقد رأينا بداية هذا الاختلاف على منصة المؤتمر الصحفي لوزيري خارجية اميركا وروسيا، وعليه فإن اي حكومة، حتى ولو كان جميع اعضائها من المعارضة، محكوم عليها بالموت والفشل بوجود الاسد والدولة العميقة المتمثلة بالجيش والامن والاقتصاد والاعلام".
وأشار الى ان "مقولة الحفاظ على مؤسسات الدولة انما المقصود بها الحفاظ على اركان الدولة العميقة التي ستبقى جاهزة للانقلاب على الثورة السورية، ويجب النظر الى التجارب الثورية في الدول العربية التي تم الانقلاب على ثوراتها واخذ ذلك في الاعتبار".
وقال الحكيم "ان الانطلاق بالمفاوضات من الصفر هو توجه لتجاوز أي مكتسبات سابقة للثورة السورية، وبالتالي اي تفاوض بدون سلة واحدة تتضمن ما تم الاتفاق والتوافق عليه دوليًا في السابق، هو عبث لا معنى له".
وأضاف: "ان ما حصل في فيينا انما هو محاولة لاعادة انتاج معارضة على مقاس النظام السوري بمن يحضر أو يشارك بالحوار، بالإضافة إلى رسم سوريا الجديدة بمن بقي فيها، والقضاء على أي مكون ثوري فاعل على الارض، عبر التقييمات المزمع اجراؤها مع بعض الدول، وبالتالي، وفي حال تم ذلك، فهو تخطيط لاطلاق حرب اهلية سنية - سنية على الساحة السورية".
وشدد "أن اهم قرار يجب ان يُتخذ هو عدم القبول بالمشاركة الا بوجود قرار اممي تحت الفصل السابع يتضمن العفو العام وعودة المهجرين والمنشقين، عسكريين ومدنيين، بالإضافة إلى مرحلة انتقالية بحكومة وطنية كاملة الصلاحيات وحل مجلس الشعب وتشكيل مجلس قيادة عسكري ومدني يتولى التشريع خلال المرحلة الانتقالية يتكون من اطياف الشعب السوري كافة، وكذلك وقف الدستور الحالي واعادة صياغة دستور جديد وطرحه على الاستفتاء الشعبي، اضافة الى تشكيل هيئة العدالة الانتقالية لإعادة الحقوق الى ما كانت عليه قبل الثورة السورية، ومحاسبة مجرمي الحرب عبر محكمة دولية أو وطنية، وانتخابات رئاسية لا يشارك فيها الاسد حتمًا، ومسار موازٍ لهذه العملية في محاربة داعش والتنظيمات الارهابية".