يشارك البريطانيون في 23 يونيو المقبل باستفتاء حول البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه. وحتى يحين الموعد، تحتدم المنافسة بين حملات مؤيدة وأخرى معارضة لهذا الخروج.

إيلاف من لندن: ماذا تريد بريطانيا؟ الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أم البقاء فيه؟ ما فوائد الخروج من الاتحاد وما مخاطره؟ أسئلة تراود مواطني البلاد التي تشهد حملات شرسة للتشجيع على البقاء وأخرى على الخروج من الاتحاد الاوروبي بانتظار استفتاء 23 يونيو الآتي.

فقد زادت حملة الخروج "بريكسيت" أو "بريتيش إيكزيت" من إرباك المواطن الذي يشكو عدم الوضوح حول ما اذا كانت بلادهم ستواجه خطر عزلة شبه شاملة كما يدّعي مؤيدو البقاء، وسط تحذيرات وتخويف شابه تهديد واضح من بعض السياسيين البريطانيين وآخرين أوروبيين.


ويبدو أن هذا الاستفتاء قد جمع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وغريمه زعيم المعارضة جيريمي كوربين في زواج موقت، جعلهما يكثفان حملاتهما للبقاء، والانضمام إلى الفريق المؤيد الذي قام بما لا يقل عن الف تحرك في انحاء البلاد داعيًا للتصويت بـ "نعم" للبقاء.

وخرج كوربين عن صمته للدفاع عن حملة "البقاء" بعد ضغط قوي من حزبه لتغيير موقفه الرافض، مخاطبًا المواطنين بالتصويت لصالح "البقاء" مع توجيه أصابع الاتهام إلى حكومة المحافظين في اتخاذها خيارات خاطئة أوصلت البلاد إلى هذا الاستفتاء بحسب تعبيره، ومنتقدًا في الوقت نفسه الاتحاد الاوروبي: "أنا وغيري ما زلنا ننتقد نواقص الاتحاد الاوروبي بدءًا من فشله في محاسبة ديمقراطية للمؤسسات الضاغطة بهدف خصخصة الخدمات العامة، لذا تحتاج اوروبا إلى التغيير، لكن هذا التغيير يمكن اتمامه فقط بالعمل من داخل الاتحاد الاوروبي".

مخاطر

إلى ذلك، يواجه كاميرون خطر خسارة رئاسة الحكومة في حال الخروج من الاتحاد، كما يواجه تمردًا حادًا داخل حزبه، لكنه رحب بتأييد كوربين من دون الاشارة إلى الاتهام الذي ساقه هذا الاخير. وفي محاولة منه لجمع صفوف المحافظين المنقسمين بين معارض للبقاء ومؤيد له، وبعد اتفاقه الشهير مع "الشركاء الاوروبيين" الذي منح بريطانيا وضعًا خاصًا في قلب الاتحاد، بدأ حملته لاقناع البريطانيين بالتصويت بنعم مباشرةً بالاتصال الهاتفي الشخصي، لعله بذلك ينزع كأسًا مرةً كان وراء إعدادها، محذرًا بدوره من أن الابتعاد عن الشراكة الاوروبية ربما يؤدي إلى انكماش، ويعرّض الاقتصاد البريطاني لخطر جديّ. كما نبّه إلى ان هذا الامر يعني ايضًا نهاية عضوية بريطانيا في البنك الاوروبي للاستثمار، والذي ضخ 16 مليار جنيه استرليني في مشاريع بريطانية في السنوات الثلاث الاخيرة.

وفي كلمته أمام مؤيدين لحملة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي بمقاطعة أوكسفورد شاير، قال: "إذا قررنا مغادرة الاتحاد الأوروبي فإننا سنصوت بذلك على أسعار أعلى، ووظائف أقل ونمو أقل، وسنكون صوتنا على ركود محتمل".

تحفظات

في المقابل، أبدى رونالد بايز، عضو حزب المحافظين ورئيس مصحة 92 للاسنان في لندن، قلقه من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قائلاً: "إن ارتباط أعمالي بشركات اوروبية يجعلني قلقًا جدًا بشأن استطاعتي دخول السوق الاوروبية الموحدة للتجارة الحرة، وكصاحب مشروع يوظف أطباء وممرضين ممتازين من جميع انحاء أوروبا وخصوصًا ايطاليا، لا أعلم إذا كانت وظائفهم عندي آمنة، خصوصًا مع صعوبة وجود بديل بريطاني بالكفاءة نفسها، في حال تغيّرت قوانين العمل بعد الاستفتاء بالخروج. إلا أنه لم يبدِ تخوفًا كبيرًا من تغيير الوضع، وقال إن العقارات في بريطانيا لا تعرف الخسارة.

ويستمر وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن في تحذيره من صعوبة تفاوض بلاده في شأن اتفاق تجاري جديد مع دول الاتحاد الأوروبي أو الدول غير الاوروبية المرتبطة باتفاق خاص مع بروكسيل في حال خروجها من الاتحاد، مشددًا على أن بلاده ستضطر إلى المساهمة في موازنة الاتحاد، والموافقة على حرية تنقل الافراد، وتوقيع أكثر من 50 اتفاقًا تجاريًا مع الدول غير الاعضاء في الاتحاد، من دون ان يكون لها رأي في تلك السياسات، اذا أرادت الوصول إلى السوق الموحدة. وهذه المخاوف لم يخفها مصرف البنك البريطاني الذي أعلن أن الخروج سيسيء لنمو اقتصاد البلاد.

كما دعم رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر هذه المخاوف في تصريحات شابها تهديد صريح، نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية، وحذر من تصويت البريطانيين بـ "لا" ضد البقاء، مؤكدًا أن الحياة في التكتل الاوروبي لن تستمر كما في السابق، اذ سيتعين على المملكة المتحدة أن تقبل التعامل معها كطرف ثالث، وقال: "لن نبذل جهودًا جمة من أجله، وسيكون علينا وعليهم قبول عواقب ذلك، وهذا ليس تهديدًا لكن علاقاتنا لن تبقى كما هي اليوم".

حملات مضادة

هذه الحملات تقابلها حملات مضادة لا تقل عنها شراسة، حيث خرج الفريق المؤيد للانسحاب من الاتحاد، وعلى رأسهم حاكم بلدية لندن السابق بوريس جونسون، العضو المحافظ والمرشح الاساس في حال استقال كاميرون، الذي وصف الشراكة الاتحادية بالاستعمار، وصرح في بريستول: "لم يحن فقط أوان تحرير بريطانيا من قيودها، بل حان وقت الدفاع عن الحرية في مجمل القارة الأوروبية"، مؤكدًا أن بلاده ستكون أفضل وتريد أن تزدهر أكثر من أي وقت مضى عبر الخروج من الاتحاد.


هذا التشبيه يؤكده الوزير المحافظ السابق أوين باترسون أيضًا. يقول: "إن التصويت للبقاء في الاتحاد الأوروبي يعني جعل البلاد مستعمرة في دولة الاتحاد الأوروبي الكبيرة مع مزيد من الاندماج وتراجع النفوذ البريطاني".

وأطلق زعيم حزب الاستقلال البريطاني اليميني، نايجل فاراج، شعار "ليف" أو غادر، كُتب على حافلة لندنية حمراء تجوب المدينة، منتقدًا الحملات المؤيدة للبقاء، قائلًا إن عددًا قليلًا من المؤسسات، والأثرياء، والشركات المتعددة الجنسيات والبنوك الكبيرة هم من يدعمون البقاء وهم من استفاد بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وهم يعملون ضد مصلحة الشعب البريطاني.

وفيما يرى البعض أن "بريطانيا أقوى في أوروبا"، يرى الشارع البريطاني انها أفضل حالًا خارج الاتحاد. عامل البناء تيم هاينز قال لـ"إيلاف" إنه فقد العديد من العقود بسبب المهاجرين من اوروبا الشرقية الذين يعملون بأجور ضئيلة.