ليست مسألة تلفيق الأخبار جديدة، إنما هي بدأت مع تكوّن المجتمعات الإنسانية الأولى، لكنها وصلت اليوم إلى حد فرض بعض البشر خيالهم على واقع كل البشر.

إيلاف من بيروت: عندما أعلن قاموس كولينز في عام 2017 أن عبارة "أخبار مزيفة" هي كلمة العام، ترك هذا انطباعًا بأن القصص الخيالية التي تتنكر لنا بوصفها واقعًا هي ظاهرة جديدة. لكن، عكس هذا التصور الشائع، ليست الأخبار المزيفة شيئًا جديدًا، إذ كانت موجودة منذ فجر الحضارة، على الرغم من أن استخدام المصطلح كما نستعمله اليوم صار أوسع انتشارًا في السنوات الأخيرة، ليس أقله بسبب انتشار مصادر الأخبار البديلة والسياسة الشعوبية.

قديمة قدم الإنسان

في كتابه "21 درسًا للقرن الحادي والعشرين" 21 Lessons for the 21st Century، يوضح يوفال هراري أن أقدم نوع من الأخبار المزيفة يأتي في شكل "ديانة" تم الاحتفاظ ببعض أشكالها على مدار قرون وآلاف السنين، لسبب واضح: القصص الخيالية تمامًا أو الخيالية جزئيًا تخلق شعورًا بالانتماء. وساعد اختراع القصص والأساطير وأنصاف الحقائق في توحيد الغرباء حول مجموعة مشتركة من القواعد، وخلق المجتمعات الأولى.

وفقًا لما نشرته مجلة "فوربز"، يفضل الناس الخيال على الحقيقة، لأن له بعدًا سياسيًا يسمح بتسلط السلطة. ومثلما تتشابك القوة والسياسة بشكل جوهري، كذلك يفعل السياسيون والأخبار المزيفة.

السياسة وفن الأخبار المزيفة

من خلال الاستفادة من طبيعتنا البشرية، يعلم القادة أن الفوز بالانتخابات يتم عندما تتصل الروايات بقلوب الناس بدلًا من أدمغتهم وحدها. هكذا، تصبح الحقيقة غير مريحة وأقل إغراء عندما يكون البديل المقترح هو انعكاس لما يريد الناس سماعه، بدلًا مما يحتاجون إلى سماعه.

هكذا، على الرغم من أنه قد يكون مغريًا الاستهزاء فكريًا برؤية رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون المثالية لبريطانيا في عالم ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بركسيت)، فإن أولئك الذين لا يفهمون ذلك يفوتون النقطة الرئيسية: في الوقت الذي قد تكون مريحا فيه المطالبة بامتلاك كل الحقائق، هناك شيء واحد مفقود، وهو امتلاكهم السلطة.

الخيال جزء من السياسة

بدلًا من التظاهر بأنه ينبغي لمجتمعاتنا تخليص السياسة من القصص الخيالية والأخبار المزيفة وأنصاف الحقائق والخرافات، علينا تعلم كيفية استخدام الخيال لصالحنا.

هذا لا يعني طبعًا أنه ينبغي منح السياسيين ترخيصًا بالكذب، وأنه ينبغي أن يفلتوا من العقاب عندما يفعلون ذلك، بل يعني التخلص من فكرة أن السياسيين سيقولون دائمًا الحقيقة كاملة، ولا شيء غير الحقيقة.

ثمة فرق بين من يبحرون في لجج الحقائق محاولين خلق قصة متماسكة، وبين أولئك الذين يفرضون الخيال عمدًا على حساب الحقيقة. وإلى أن يصبح الأول أفضل في بيع الحقائق بالقليل من الخيال، فإن الثاني متمرس في تحويل خياله إلى واقع يعيشه الجميع.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن موقع "فوربس". الأصل منشور على الرابط:

https://www.forbes.com/sites/frantisekmarkovic/2019/07/22/fake-news-the-power-of-fiction-and-what-we-can-learn-from-it/#79f82fce252d