قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بيروت: مع تعثّر تشكيل حكومة وازدياد حدّة الأزمة الاقتصادية والمالية، تزداد نقمة اللبنانيين على الطبقة السياسية والمصارف التي تشهد يومياً إشكالات مع المودعين الراغبين بالحصول على أموالهم في خضم أزمة سيولة حادة تنذر بتصعيد الاحتجاجات.

ولليوم الثاني على التوالي، تظاهر مساء الأربعاء عشرات اللبنانيين أمام مصرف لبنان في شارح الحمراء التجاري في بيروت، رافعين شعارات ضد المصارف والإجراءات المتشددة التي تفرضها منذ أشهر على حركة الأموال.

وهتف المتظاهرون "يا لبناني أتفضّل شرِف حتى نسّقط حكم المصرف" و"لا ليرة ولا دولار، سلامة فلّس لبنان"، في إشارة إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يحمله متظاهرون جزءاً من مسؤولية التدهور المالي الحاصل إلى جانب المسؤولين السياسيين الذي يطالبون منذ ثلاثة أشهر برحيلهم.

وفرضت القوى الأمنية والجيش إجراءات أمنية مشددة في منطقة الحمراء وأغلقت الطريق الرئيسي المؤدي إلى مصرف لبنان.

ويأتي ذلك غداة مواجهات عنيفة استمرت خمس ساعات على الأقل ليل الثلاثاء بين المحتجين وقوى الأمن التي استخدمت الغاز المسيل للدموع بكثافة وأعلنت توقيف 59 شخصاً "مشتبهاً به في أعمال شغب واعتداءات".

وكسر المتظاهرون ليل الثلاثاء الواجهات الزجاجية الصلبة مستخدمين أعمدة إشارات السير التي اقتلعوها من مكانها وقساطل حديد ومطافئ الحريق. كما حطموا أجهزة الصراف الآلي ورشوها بالطلاء الأحمر وكتبوا على الجدران شعارات مناوئة للمصارف بينها "يسقط حكم المصرف".

وتظاهر عشرات المواطنين أيضاً من صباح الأربعاء أمام ثكنة عسكرية جرى نقل الموقوفين إليها. وقطع المتظاهرون مساءً الطريق أمام الثكنة احتجاجاً على عدم إطلاق سراح كامل الموقوفين، حيث لا يزال يتواجد أكثر من 50 منهم لدى قوى الأمن.

وخلال مشاركتها في الاعتصام أمام مصرف لبنان، قالت يمنى مروة (22 عاماً) لوكالة فرانس برس "نحن هنا لنقول إن ما يحصل هو جزء من الثورة ضد السياسات المالية التي تسرق منذ سنين، ولا يتضرر منها سوى صغار المودعين".

وأضافت "نحن اليوم في قلب الإنهيار، وما حصل أمس (من تكسير لواجهات المصارف) يأتي من وجع وغضب حقيقي لدى الناس".

وأسفرت المواجهات ليل الثلاثاء عن إصابة العشرات من مدنيين وعسكريين. وتظاهر العشرات أيضاً الأربعاء في مناطق عدة بينها مدينة طرابلس (شمال) والنبطية (جنوب) كما قطعوا طرقاً رئيسية عدة.

"غضب الناس"

ودان مسؤولون لبنانيون أعمال الشغب ليلاً. وطالب رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في بيانين منفصلين بمعاقبة المسؤولين عن الاعتداءات على المصارف، معتبرين أن ما جرى "غير مقبول"، في حين وصفته جمعية المصارف بـ"العمل الهمجي".

ودافع الحريري عن سلامة الذي التقاه ليلاً، وقال لصحافيين إن سلامة "لديه حصانة ولا احد يستطيع عزله"، وفق ما نقلت الوكالة الوطنية للإعلام.

وصباح الأربعاء، انهمك عمال التنظيف، وفق ما شاهد مراسلو فرانس برس، في إزالة زجاج المصارف المتناثر أرضاً، بينما انصرف عمال صيانة إلى كسر واجهات متصدعة، لاستبدالها بأخرى جديدة أو بألواح معدنية واصلاح الأضرار.

وحضر موظفو غالبية المصارف إلى دوامهم بشكل طبيعي.

وقالت عليا بعد خروجها من أحد المصارف لفرانس برس "التكسير ليس مقبولاً، لكنني أتفهم غضب الناس الذين باتوا متعبين جداً".

وتابعت "علي أن أحضر مرتين إلى المصرف أسبوعياً لأسحب 200 دولار"، مضيفة أن "القيود التي يفرضونها تجعل حياة المواطن معقدة جداً".

ومنذ أسابيع، ينتظر المودعون لساعات داخل قاعات المصارف لسحب مبلغ محدود من حساباتهم الشخصية بالدولار، بعدما حددت المصارف سقفاً لا يلامس الألف دولار شهرياً، كما فرضت مؤخراً قيوداً على سحب الليرة اللبنانية.

وتشهد المصارف بشكل شبه يومي إشكالات بين الزبائن الذين يريدون الحصول على أموالهم وموظفي المصارف العاجزين عن تلبية رغباتهم. كما لم يعد ممكناً تحويل مبالغ مالية إلى الخارج إلا في حالات محددة.

وفيما لا يزال سعر الصرف الرسمي مثبتاً على 1507 ليرات مقابل الدولار، لامس الدولار عتبة 2500 ليرة في السوق الموازية، التي ظهرت في الصيف للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.

وفي لبنان، يتم استخدام الدولار والعملة المحلية في عمليات الدفع اليومية، إلا أن الحصول على الدولار بات مهمة صعبة منذ أشهر ويتهم المتظاهرون المصارف بالتواطؤ مع الصرافين والتلاعب بسعر الصرف.

"لوموا أنفسكم"

ومنذ 17 أكتوبر، خرج مئات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع والساحات وقطعوا الطرق احتجاجاً على أداء الطبقة السياسية التي يتهمها المتظاهرون بالفساد ويحملونها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي وعجزها عن تأهيل المرافق وتحسين الخدمات العامة الأساسية.

وتسبّبت الاحتجاجات باستقالة رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، ومن ثم تكليف حسان دياب تشكيل حكومة إنقاذية، تعهّد أن تكون مصغرة ومن التكنوقراط، قبل أن يتحدّث الجمعة عن "ضغوط" يتعرض لها. واصطدم مؤخراً بدعوة كتل سياسية دعمت تكليفه إلى تشكيل حكومة تكنوسياسية.

ويطالب المتظاهرون بتشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن تضع خطة إنقاذ للاقتصاد المتداعي. وخسر عشرات آلاف اللبنانيين وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم جراء أسوأ أزمة اقتصادية في البلاد في تاريخها الحديث، بينما ارتفع الدين العام إلى نحو تسعين مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 150 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

وانتقد المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش في تغريدة الأربعاء أداء السياسيين الذين "يتفرجون على انهيار الاقتصاد" على وقع "تصاعد الاحتجاجات الغاضبة". وخاطبهم بالقول "أيها السياسيون، لا تلوموا الناس، بل لوموا أنفسكم على هذه الفوضى الخطيرة".