قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف من لندن: في الحلقة التاسعة من مذكراته "السنغال في القلب"، يقول الرئيس ماكي صال إنه اذا كان يحرص على ألا يغضب أحد منه، فإن الجميع سيغضبون منه في النهاية، مشيرا إلى أن من يريد أن يكون رجل دولة، لا بد في الوقت ذاته أن يكون مستعدا لفقد شعبيته.

يضيف صال أن الإجماع حولَ شخصٍ واحد، لا يمكن أن يكون إلَّا في ظلِّ الدِّكتاتوريَّة، "بينما أنا ديمقراطيٌّ، أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيء. هدفي هو أن أخدمَ لا أن أكونَ مَخدوماً، لأنَّه يهمُّني، جدَّاً، أن أتركَ بصمةً إيجابيَّة".

ويكشف الرئيس صال كيف انه كاد أن يفقد صوابه لما اكتشف وجود وكالة وطنية للموانىء الجديدة بينما لم يكن في السنغال أي ميناء جديد.

وبشأن تطلعاته للسنغال، يقول الرئيس صال إنه وضع سنة 2035 وجهة لبوصلته، مشيرا إلى انه يعرف انه في ذلك الوقت لن يتذوق ثمار ما زرعه. ويوضح قائلا :" من يأتي بعدي، أريده أن ينشغلَ بأشياء أُخرى، مثل تطوير ما يتعلَّق بإدارة المجتمع، أو دعم علاقات الشَّراكة بين المؤسَّسات الحُرَّة والمؤسَّسات العموميَّة".

وفي ما يأتي نص الحلقة التاسعة.

عهدُ الإصلاحات

لن أُكرِّرَ سردَ الأحداث الَّتي تميَّزَت بها السَّنوات السَّبع لولايتي الرِّئاسيَّة الأولى، ولكنِّي أريد فقط التَّذكير بأهمِّ الأمور الَّتي تمَّ القيامُ بها. إنَّني إنسان عَمَليٌّ، أعتمدُ على الإنجاز الفعليِّ. وأريد أيضاً أن أستعرضَ للنَّاخبين بعضَ الخصائص النَّفسيَّة للسِّياسيِّ الَّذي ينتخبونه.

مِن المهمِّ أن أؤكِّدَ بأنَّ الواقع علَّمَني أن غالبيَّة مَن انتخبوكَ، ينتصبونَ مُعارضينَ لكَ في اللَّحظة الَّتي تريد فيها تنفيذ التَّدابير والبرامج الَّتي عرضتَها واقترحتَها عليهم. وهكذا، عندما تتَّخذ أيَّ قرارٍ يتعارض مع مصلحة خاصَّة، يُهاجمك ناخبوك ويغتابونك. أنا أتمتَّع بمعنويات صلبة، وأعرف بأنَّني، إذا كنتُ أحرص على أن لا يغضبَ أحدٌ عليَّ، فإنَّ الجميعَ سيغضبون عليَّ في النِّهاية.

الاستعداد لفقد الشعبية

إذا كنتَ تريد أن تكون رجلَ دولة، لا بُدَّ أن تكون، في الوقتِ نفسِه، مُستعدَّاً لفقدِ شعبيَّتِك. إن الإجماع حولَ شخصٍ واحد لا يمكن أن يكون إلَّا في ظلِّ الدِّكتاتوريَّة، بينما أنا ديمقراطيٌّ، أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيء. هدفي هو أن أخدمَ لا أن أكونَ مَخدوماً، لأنَّه يهمُّني، جدَّاً، أن أتركَ بصمةً إيجابيَّة.

فالسِّياسيُّ إذا وُفِّقَ في برنامج مُفيد ونافع للجميع، فالَّذي يأتي بعدَه ليخلفَه لا يحتاج إلى استئناف العمل وفقَ خطَّة جديدة، بل سيواصل حيثُ وجدَ الأمور، وبعد مُدَّة من الزَّمن، سيدرك أن التَّحوُّل الإيجابيَّ أصبحَ واقعاً ملموساً.

إنَّ الَّذي يأتي بعدي، أريده أن ينشغلَ بأشياء أُخرى، مثل تطوير ما يتعلَّق بإدارة المجتمع، أو دعم علاقات الشَّراكة بين المؤسَّسات الحُرَّة والمؤسَّسات العموميَّة.

أتمنى أن يحلَّ القطاع الخاص محلَّ الحكومة

أنا ليبيراليٌّ ذو توجُّهٍ اجتماعيٍّ قويٍّ، وأتمنَّى أن يحلَّ القطاع الخاص محلَّ الحكومة شيئاً فشيئاً. صحيحٌ أن للحكومة دوراً سياديَّاً في مجال الأمن والصِّحَّة وصكِّ العملة والعلاقات الدِّيبلوماسيَّة. . . إلخ، ولكن، في الوقتِ نفسِه، أؤمن بأنَّ للقطاع الخاص دوراً مهمَّاً في كلِّ هذه المجالات.

أعتقد بأنَّه إذا تمَّ وضعُ الأسس العمليَّة للأشياء، فإنَّه يمكن للقطاع الخاص أن يحلَّ محلَّ الدَّولة في عدَّة أمور، مثل التَّعليم العالي في إفريقيا.

فمنذُ عقود، توفَّرت لدينا مدارس ومؤسَّسات عالية الجودة في التَّعليم العالي، تُوجِّهُ الحكومةُ بعضَ الحاصلين على الشَّهادة الثَّانويَّة نحوَ هذه المدارس. عندما تمتلئ المؤسَّسات التَّعليميَّة العموميَّة، فإنَّ الدَّولة تدفع رسومَ التَّسجيل والدِّراسة لهذه الجامعات الحُرَّة، ليدرسَ فيها بعض الحاصلين على الشَّهادة الثَّانويَّة.

لا بُدَّ من أن تكون هناك علاقات التَّكامل بين المؤسَّسات الحُرَّة والمؤسَّسات الحكوميَّة. أن مستقبل الوطن يستدعي مثلَ هذا التَّكامل. والشَّيءُ نفسه هو ما ينطبق في مجال الطَّاقة. مِن قبل، كانَت سلسلةُ إنتاج الطَّاقة تقع كلُّها على عاتق الدَّولة، ولكن الآن، يتمُّ إنتاج الطَّاقة، في المرحلة الأوَّليَّة، بواسطة القطاع الحُرِّ، فتتحوَّل الدَّولة إلى زبون له.

خلالَ ولايتي الرِّئاسيَّة كلِّها، حرصتُ على تنفيذ مثل هذه الرُّؤية التَّكامليَّة. كلُّ الإصلاحات تمَّ تصوُّرها وتنفيذها على أساسِ هذا الأنموذج الاجتماعيِّ واللِّيبراليِّ معاً.

تقدير عظيم لعبدو ضيوف

إنَّني لستُ بِدعاً في مثل هذا الأمر، فالرَّئيس عبدو ضيوف، الَّذي أُكنُّ له تقديراً عظيماً، كان يقول: "كلَّما كان تدخُّلُ الدَّولة أقلَّ، كلَّمَا كان ذلك أفضل للدَّولة". لا يمكنني أن أجدَ عبارة أحسن مِن هذه.

فلنرجِعِ الآن إلى الواقع الَّذي وجدتُ فيه الأمور، لَمَّا وصلتُ إلى سُدَّة الحُكم: إنَّني خلال رحلتي الاستكشافيَّة ما بين 2009 و2011، وجدتُ أن قِسماً عريضاً من الوطن كان يُعاني نقصاً رهيباً في كلِّ شيء. خلال هذه الرِّحلة، قطعتُ شأواً بعيداً جدَّاً في معرفة أحوال السِّنِغاليِّين.

مهمَّة الوزير الأوَّل كما سبق أن ذكرتُ، شاقَّة للغاية، وتتمثَّل في القيام بدور التَّحكيم والتَّوصُّل إلى الحلِّ الوسط، وإدارة ملفَّات يوميَّة لا تنتهي.

الوزير الأوَّل يكون عادةً بعيداً عن الأمور الميدانيَّة الحقيقيَّة، فتنقُّلاتُه الرَّسميَّة داخل البلد، يتمُّ تنظيمها بصفةٍ انتقائيَّة جدَّاً، مع المرور في أماكن ومحطَّات، يجدُ فيها مسؤولين محلِّيِّين يقولون له دائماً: "كلُّ شيء على ما يرام"، مع طلبِ مزايا ومصالح خاصَّة لا تنتهي.

إنَّ الوزير الأوَّل لا يعرف شيئاً عن الأمر الواقع في البلد، ويجد أن صِنفاً واحداً من النَّاس، هم الَّذين يُقدِّمون له المعلومات.

إنِّي ذهبتُ بنفسي إلى مختلف المناطق، ورأيتُ فيها النَّقصَ في كلِّ شيء، وشعرتُ بالفاقة الماسَّة للنَّاس في هذه المناطق. أن العالَم الرِّيفيَّ كان مُهملاً تماماً لصالح المدن السَّاحليَّة والموانئ وتجارة الموادِّ الأوَّليَّة...إلخ.

الرئيس السنغالي السابق عبدو ضيوف

إنَّ طريقة التَّعامل الاستعماريِّ لم تتغيَّر كثيراً في العلاقة بين المدن والأرياف. وأدَّى هذا الوضع إلى توجُّه النَّاس، بشدَّة، نحو الهجرة، ثمَّ تضخيم أحياء ضواحي المدن، ثمَّ أخيراً، الهجرة إلى قارَّة أُخرى، يُتَوَقَّعُ أن تكون الحياةُ فيها أفضل. أن هذه الحالة بدأت منذ الحقبة الاستعماريَّة، حيث كانت الهجرة الرِّيفيَّة تتوجَّه إلى دكار أو سان لوي أو كولخ أو تياس. وبعدَ الاستقلال، كان النَّاس ينتقلون، في كلِّ الدُّول الإفريقيَّة، إلى العواصم. وزاد الطِّينَ بلَّةً ما حدثَ سنة 1973من جفاف ومجاعة وندرةِ الموادِّ الغذائيَّة.

وبعد هذه الفترة الصَّادمة، توجَّه سُكَّان الأرياف، بأعداد غفيرة، إلى المدن، وتضخَّم حجمُ هذه الظاهرة خلال الثَّمانينيَّات من القرن الماضي.

الخلاصةُ أن جميع الحكومات المتعاقبة لم تكن تهتمُّ لا بسُكَّان المدن وليس ولا بسُكَّان الأرياف. السَّبب في ذلك يرجع إلى سياسة الإصلاحات الهيكليَّة المفروضة على هذه الحكومات في هذه الحقبة. وعلينا ألَّا ننسى أنَّ العالَم الرِّيفيَّ يُمثِّل 56 في المئة من سُكَّان السِّنِغال، وفقَ أدقِّ الإحصاءات.

قامَت شابَّةٌ سنغاليَّة بالإبانة عن تقديرها للأمور، وتحدَّثَت عن مسيرتها الشَّخصيَّة في مجلَّة "جون أفريك". فقد تابعت دراساتٍ تقنيَّة في فرنسا، وأصبحت مهندسة، مثلي تماماً. وبعدَ الحصول على الشَّهادة، رجعَت إلى البلد وغيَّرَت وجهتَها المهنيَّة الأولى، واختارَت مهنة الزِّراعة، مُعلِّلةً خيارها برأي أعتبرُه ذا مَغزىً كبير"إنَّنا ما زلنا، نستورد 200 الف طن من الذُّرة سنويَّاً، وهذا يُمثِّل 12 مليار فرنك سيفا في الميزان التِّجاريِّ عندنا، مع أن البلد تتوفَّر فيه الأراضي الخصبة، وأنَّنا نستطيع أن نُحقِّقَ الاكتفاء الذَّاتيَّ في مجال الغذاء. أن مسيرتي تُشكِّل عيِّنةً نموذجيَّةً، إذ إنَّني بدأتُ في المجال التِّقنيِّ ثمَّ تحوَّلتُ إلى زراعة الأرض. فأنا الآن أخلقُ فرص عمل للآخرين".

إنَّني كرئيسٍ للجمهورية، عملتُ كلَّ ما في وسعي لتدعم الدَّولة ومؤسَّساتها هذه الفتاة السِّنِغاليَّة.

لقد دعمنَا، إلى أقصى حدٍّ، القطاعَ الأوَّليَّ. إن الاستثمارات الَّتي قُمنا بها في مجال الزِّراعة وصيد الأسماك والرَّعي، لا مثيل لها في تاريخ السِّنِغال. فقد أوجدنا برنامج"إعادة دفعِ العجلة للإسراع بنسقِ الإنتاج الزِّراعيِّ" مع برنامجٍ زراعيٍّ وطنيٍّ آخَر يهدف إلى الاكتفاء الذَّاتيِّ في مجال الأرز.

في هذا الإطار، قُمنا بتوفير شبكة من المعدَّات الزِّراعيَّة الحديثة والماكينات الَّتي تجمع بين الحَصد وفصلِ الحبوب. واستثماراتُنا كبيرة أيضاً في مجال المستلزمات الزِّراعيَّة، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بالبذور والأسمدة، مع عدم نسيان الماكينات الزِّراعيَّة ومصانع معالجة الأرز.

لقد تطوَّرنا في مجال الإنتاج الزِّراعيِّ من 436 ألف طن بين 2013 و2014 إلى مليون طن ما بين 2017 و2018. هدفُنا هو الوصول إلى 1، 6 مليون طنٍّ. وهذا يعني تحقيق الاكتفاء الذَّاتيَّ على امتدادِ التُّراب الوطنيِّ.
ونسعى للوصول إلى الهدفِ نفسه، فيما يتعلَّق ببقيَّة المنتجات الزِّراعيَّة.

واليوم، حقَّقنا تقريباً، الاكتفاءَ الذَّاتيَّ فيما يتعلَّق بإنتاج البطاطس. أمَّا فيما يتعلَّق بإنتاج البصل، فقد حقَّقنا هذا الهدف، بيد أننا مازلنا نعاني من تحدِّيات كبيرة، مثلاً: لم نتمكَّن، حتَّى الآن، من حفظِ المنتجات المتوفِّرة لمُدَّةٍ طويلة.

من الواضح أن الأمور لا تتمُّ بين عشيَّةٍ وضُحاها، ولكن الزِّراعة والرَّعي والصَّيد، أصبحت قطاعات، في الدَّرجة الأولى من الاهتمام عندَنا.

في الرَّعي أيضاً، حقَّقنا تطوُّراً مهمَّاً للغاية. وهنالك، أيضاً، ابتكارات مشهورة ومعروفة في مجال الصَّيد، مثل تعميم المحرِّكات الخارجيَّة، الَّتي شجَّعناها بقوَّة، بواسطة إجراءات تحفيزيَّة كثيرة، خاصَّةً تقديم أموال طائلة لدعم ما يتعلَّق بهذه المحرِّكات.

الآن، ينمو حجمُ تصدير منتجاتنا في مجال الصَّيد إلى أوروبَّا وإلى بقيَّة دول العالم. أصبح صيدُ الأسماك هو القطاع الأوَّل في مجال التَّصدير لدينا.

بعدَ فترةٍ من القطيعة، استأنفنَا، الآن، اتِّفاقيَّاتنا مع الاتِّحاد الأوروبيِّ، ولكن في نوعيَّة واحدة هي سمك التونة، الَّتي تجلب لنا 240 مليار فرنك سيفا سنويَّاً. أمَّا بقيَّة الأنواع، فإنَّنا نحافظ عليها للاستهلاكِ الوطنيِّ.

تقديراً لهذه الجهود، قدَّمَت لي الأكاديميَّة الزِّراعيَّة الفرنسيَّة ميداليَّتَها الذَّهبيَّة في 24 أكتوبر 2018. إنَّني مَدينٌ بكلِّ هذا التكريم لأعضاء حكومتي، وخاصَّةً وزراء الزِّراعة والرَّعي والصَّيد، الَّذين يعملون مباشرةً تحت إشراف الوزير الأوَّل.

برنامج لفك العزلة

لكي نتمكَّن مِن تطبيق هذه الإصلاحات، في توازنٍ تامٍّ، أوجدنا برنامجاً لفكِّ العزلة وإيجاد إطار مناسب، يدفعُ النَّاس إلى البقاءِ في الوطن، وتطويره وبنائِه.

إنَّ أصحاب هذه المناطق في حاجة إلى الماء والكهرباء وخدمات الإنترنت والطُّرق المُعبَّدَة والإعداديَّات والثَّانويَّات والمستشفيات والجامعات.

لا بُدَّ مِن تثبيت المجموعات حيث يوجدون. فمنذ عهد الرئيس ليوبولد سيدار سنغور إلى يومنا هذا، فإنَّ أماكن تقديم العِلم تتَّصف باللَّامركزيَّة، وتنتشر وتتعدَّد في كلِّ مكان.

يجب أن تكون هناك زيارات مُنتظمة لجعلِ العلاقة حيَّة بين الشَّعب والحُكَّام. يجب أن تكون هناك زيارات مُطوَّلة، وفي أعماق بقاع الوطن.

وفي حقبة رئاستي، تطوَّرت هذه الزِّيارات، بصفة مُستمرَّة ومُتنامية. وهذه الزِّيارات تنقسم إلى نوعَين: في البداية، كانت الحكومة بكاملها، تنتقل خلال يومين أو ثلاثة أيَّام إلى أحدِ الأقاليم لملاقاة المُنتخَبين والمسؤولين المحلِّيِّين، وكذلك السُّكَّان. وينعقدُ خلال هذه الزِّيارة مجلسٌ وزاريٌّ مُشترك للتَّنمية. ويتمُّ التَّصديق على النَّتائج الصادرة عن هذا المجلس بواسطة مجلس الوزراء المنقول إلى إحدى العواصم الإقليميَّة. أمَّا أنا، فأُبقي بعد ذلك في هذا المكان الوزراءَ يستمعون إلى النَّاس، ويُسجِّلون مطالبَهم، ثمَّ يتمُّ تنظيم المجلس في المحلِّ نفسِه مع كافَّة المراسم الاحتفاليَّة المعهودة. وهكذا قمنا بعقدِ اجتماعاتٍ مُتكرِّرة في أقاليم السِّنِغال الأربعة عشر. فالعملُ يجب أن يبقى متواصلاً مُستمرَّاً، ولذا، لا بُدَّ مِن متابعة الملفَّات.

أمَّا النَّوع الثَّاني مِن التَّنقُّلات، فيتمُّ خلال زياراتٍ ذات طابع اقتصاديٍّ. وهي تنقلات تستغرق أسبوعاً كاملاً أو خمسة أيَّام على الأقلِّ. فمثلاً، أنتقل إلى سان لوي، وأغتنمُ تلك الفرصةَ للاجتماعِ مع النَّاشطين الاجتماعيِّين أو مع المُنتِجين الاقتصاديِّين، أو لتنظيمِ ندوةٍ أو ندوات حولَ مختلف المجالات الاقتصاديَّة،في كلِّ مرَّةٍ نقوم بتدشين أعمال إنشائيَّة ضخمة من المصانع أو المدارس أو مُنشآت أُخرى.

في الآونة الأخيرة، أعلنَّا عن مشروعَ بناء أطول جسر سيتمُّ، حتَّى الآن، في البلد، ويكون حول نهر سالوم بمسافة 1285 مترا.

هذه الزِّيارات ذات الطَّابع الاقتصاديِّ أصبحَت من التَّقاليد الحكوميَّة عندنا، منذ عهد سنغور، ولكنَّ غالبيَّة النَّاس لا يعلمون بهذا الأمر. والشَّيء الوحيد الَّذي ابتكرتُه أنا، هو المجلس الوزاريُّ المتنقِّل بين الأقاليم.

الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سنغور

تكييف الموازنة

كُنَّا نقوم بجرَّد الحسابات فيما يتعلَّق بكلِّ الالتزامات الَّتي وعدنَا بها، ثمَّ نُكيِّف الموازنة على هذا الأساس. عندنا برنامجٌ مهمٌّ لتحسين شبكة الطُّرق. السِّنِغال يتميَّز الآن بشبكة مُتميِّزة في مجال المنشآت الاجتماعيَّة. وفي ما يتعلَّق بالماء، وصلنَا إلى تغطية أكثر من 91 في المائة من الحاجات. وأريد أن أبلغ درجةَ تعميم خدمةِ توفير الماء، كما أنَّنا بصددِ تعميم التَّغطية الصِّحِّيَّة الشَّاملة.

في هذا المجال، انتقلنا من 20 إلى 47 في المائة خلال ثلاث سنوات. وأسعى للانتقال من 70 إلى 75 في المائة خلال 2024. غايتُنا هي الوصول إلى الحدِّ الَّذي لا يُحرَم فيه أيُّ سنغاليٍّ مِن خدمات الصِّحَّة بسبب ضعف إمكانيَّاته المادِّيَّة. في سنة 2012 لمَّا انتُخِبْتُ رئيسا للبلاد، كنتُ أُدرك أن الوضعَ صعبٌ للغاية، وكانت وطأة النَّقص في المنشآت أخفَّ مِن وطأة الظُّروف الَّتي لم تكن مواتيةً بالمرَّة إطلاقاً. إنَّ الأزمة الاقتصاديَّة كانت قد طالَت القارَّةَ الإفريقيَّة بكاملها.

الحكومة السابقة وتأجيل الرواتب

كانت الحكومة السَّابقة تُفكِّر في تأجيل دفعِ رواتب الموظَّفين والمتقاعدين. كلُّ شيء كان في طريقٍ مسدود. وكان البلد على حافَّة الشَّلل الاقتصاديِّ التَّامِّ، ومع إضرابِ المعلِّمين، كانت ملامح سنة بيضاء تلوحُ في الأفق، مُهدِّدةً الطَّلَبة والتَّلاميذ.

وكان غلاءُ الأسعار قد وصلَ إلى أعلى سقفٍ له خلال الانتخابات الرِّئاسيَّة. وكان النَّاس يصفونَني بـ " أبو التَّجهُّم", ولكن لم يكن لي بد من العمل لرفعِ الخطر الواقع علينا في أسرع وقتٍ ممكن.

قبل البدء بالإصلاحات العميقة جدَّا، قُمت بتعيين وزيرٍ أوَّل مِن خارج الطَّبقة السِّياسيَّة. وذلك لأنِّي انتُخِبتُ بفعل تحالف واسعِ النِّطاق.

السِّيرة الذَّاتيَّة للوزير الأوَّل عبدو امبي كانَت مناسبةً جدَّاً لهذا الوضع الَّذي كان يبدو فيه كلُّ شيءٍ مُستعجلاً.

في 18 أبريل، أثاروا ضجَّةً ضدِّي، وذلك عندما زعمَتِ المعارضة بأنَّني سارعتُ للذَّهاب إلى فرنسا بهدفِ لقاء الرئيس نيكولا ساركوزي، الَّذي كان في أوجِ حملة انتخابيَّة. إنَّني لم أُخفِ، في يوم من الأيَّام، علاقات الصَّداقة الَّتي تربطني به، ولكني لم أذهب إلى فرنسا مِن أجل جلبِ استمالتِه أو من أجلِ دعمِه. ورجعت من هذا السَّفر بوعدٍ بمبلغ 130 مليون يورو، تلقينا منه 50 مليوناً بواسطة خَلَفِ ساركوزي، فرانسوا هولاند، قبلَ نهاية العام. تمَّ هذا التَّسلُّم، بعد أن أبدى هذا الأخير موافقتَه التَّامَّة على تنفيذ التزاماتِ سَلَفِه تجاهنا. من دون هذا المبلغ من المال، ما كُنَّا لِنتمكَّن من إنهاء الأزمة فيما يتعلَّق بإضراب المعلِّمين أو بدفع رواتب بقيَّة الموظَّفين.

لم يَكُنْ هناك بُدٌّ من إجراء إصلاحات وتعديلات سريعة، وإلَّا ما كان يمكن لوضعنا، في ذلك الوقت، أن يستمرَّ.

عندما وصلتُ إلى سُدَّةِ الحُكم، وجدتُ عدداً لا ينتهي من اللِّجان الحكوميَّة وهيئات رقابيَّة وإداريَّة مُتداخلة ومتناقضة. وكانت كلُّ هيئة تذهب في اتِّجاهها الخاصِّ دونَ أدنى تنسيق مع بقيَّة الهيئات.

إضافة إلى كلِّ هذا، فإنَّ رواتب مُدراء هذه الهيئات كانَت مُغريةً للغاية! وكانت توصيات صندوقِ النَّقد الدُّوليِّ واضحةً وصارمة في مطالبتها بضرورةِ تخفيض مستوى النَّفقات الاستهلاكيَّة الجارية للدَّولة. فنسقُ نفقات الدَّولة كان أعلى بكثير من إمكانيَّاتها الفعليَّة.

كِدْتُ أن أفقدَ صوابي، لمَّا اكتشفتُ وجودَ وكالة وطنيَّة للموانئ الجديدة في السِّنِغال(ANPS)، بينما لم يكن في السِّنِغال أيُّ ميناء جديد.وكانت هناك أيضاً إدارة صغيرة لبناء مطارات صغيرة (DLPA)، الَّتي لم أعرف الهدفَ مِن وجودها في الحقيقة.

دهشتي من إكتشاف هيئات لا معنى لها

وكانت الدَّهشة أيضاً شديدة باكتشافِ هيئة تُسمَّى"الوكالة الوطنيَّة للسُّلطة العليا للصحَّراء" (ANHAD)، كما اكتشفنا أيضاً المكتبَ السِّنِغاليَّ للمُلكيَّة الصِّناعيَّة والابتكار التِّكنولوجيِّ (OSPIIT). ليس هناك أيَّة غرابة في وجود مثلِ هذه الهيئة الأخيرة، لكنَّ المشكلة هي وجود الوكالة السِّنِغاليَّة للمُلكيَّة الصِّناعيَّة والابتكار التِّكنولوجيِّ (ASPIIT) في الوقتِ نفسه.

طلبتُ إنهاءَ ما لا يقلُّ عن 59 من مثل هذه الهيئات بإيعاز من المفتِّشيَّة العامَّة للدَّولة (IGE).

إنَّنا ورثنا هياكلَ كثيرة من الاستعمار، الَّتي أكلَ عليها الدَّهر وشَرِبَ. مثلاً، أخذنَا من الاستعمار طريقةً في الإدارة تقتصر على تسيير الأمور، لا على تطويرِها.إن موظَّفِي الإدارة المدنيَّة عندنا، يعرفون جيِّداً القضايا المحلِّيَّة ويسافرون من مقاطعة إلى أُخرى، كما توفَّرَ لهم نظامٌ استخباراتيٌّ دقيق. فالجمارك ومصلحة الضَّرائب عندنا تُشكِّلان هيئتَينِ كبيرتَينِ ومُمتازتينِ للخدمات الماليَّة، مع كلِّ هذا، لا بُدَّ من ابتكار أهداف أُخرى لهذه المصالح. فالتَّفتيش مثلاً، لا يعني، بالضَّرورة، الزَّجر والإهانة. فلا بُدَّ مِن إيجاد توازن في الأمور من خلال إصلاحات يتمُّ تنفيذها لتحقيق مَردوديَّة أكبر في مجالِ جبايةِ الدُّخول الَّتي تُغذِّي ميزانيَّتَنا. ولا بُدَّ، بصفة أكثر أساسيَّة، من إيجاد إصلاحات عميقة للوصول إلى خدمات عموميَّة فعَّالة وموارد بشريَّة عالية الكفاءة. فَلِتَحقيقِ هذه الأهداف كلِّها، وضعتُ خُطَّة "السِّنِغال النَّاهض"(PSE).

إنَّ عقليَّةَ رفعِ التَّحدِّيات والقدرة على استباق الأشياء، ساعدتنا كثيراً. فَبِفضلِ تسلُّحِنَا بهذه الرُّؤى التَّحويليَّة، وبدعمِ الشَّعب المُتجدِّد لنا خلالَ الانتخابات التَّشريعيَّة في يوليو 2012، قمتُ بإيجاد برنامج لإجراء تخفيضٍ في النَّفقات الاستهلاكيَّة الجارية للدَّولة وعَقلَنَة النَّفقات العموميَّة كلِّها. وهكذا ألغيتُ السَّفر في الدَّرجة الأولى بالطَّائرة لأعضاء الحكومة ولبقيَّة الموظَّفين الكبار، كما أوجبتُ سقفاً لرواتب مدراء الوكالات والشَّركات الوطنيَّة.

كلُّ هذه الإجراءات، سمحَت لنا بفتح فضاءات واسعة في الموازنة العامَّة، مكَّنَتنا من تقديم الدَّعم الماليِّ لتخفيف فاتورات الكهرباء عن المواطنين. هذه الكهرباء الَّتي كان إنتاجها يُعاني، بشدَّة، من عدم الاستقرار. كما تَمكَّنَّا بهذا التَّوفير من إغاثة السُّكَّان الَّذين كانوا يعانون من أزمة غذائيَّة حادَّة، وذلك بدعم القطاع الزِّراعيِّ الَّذي كان يعيش وضعاً صعباً يُنذر بالخطر.إنَّ هذه الإجراءات مكَّنَتنَا مِن توفير ما يصل إلى 169 مليار فرنك سيفا.

لقد دعمت الدَّولة التَّحوُّلات النَّوعيَّة الَّتي تجري في البلد. وعندما يصلُ النَّاس إلى درجةِ الالتزام بأنفسِهِم بالآليَّات المنطقيَّة الموضوعة لتسيير الأمور في مجال السُّوق، فسيُمكِّنُ ذلك للدَّولة أن تدعمَ تعاقدات مع المتدخِّلين في السُّوق، وتنسحب هي شيئاً فشيئاً من بعض الفضاءات. ومثل هذا الأمر، لا يمكن أن يتحقَّق في المستقبل القريب، ولكن لا بُدَّ مِن التَّفكير والعمل للوصول إليه. إنَّنا في مرحلة حرجة، يتعيَّن علينا فيها تغيير طرائق الإنتاج لدينا. لا بُدَّ مِن اللُّجوء إلى استخدام الآلةِ شيئاً فشيئاً، كما يجب دعمُ البحوث في مجال الهندسة الزِّراعيَّة لتحديث الزِّراعة لدينا. الدَّولة يجب أن تُشكِّلَ مُحرِّكاً، لكن على الأفراد أن يأخذوا العدَّة اللَّازمة للنُّهوض بأعباء تطوير وتحسين مصيرهم شيئاً فشيئاً.

مكامن فخر ولايتي الرئاسية الاولى

لو طُلِبَ مِنِّي ذِكرُ الأمور الَّتي تُشكِّل مكامنَ فخرٍ لديَّ في ولايتي الرِّئاسيَّة الأولى خلال سبع سنوات، فسأسوقُها كالتَّالي: تحقيق العدالة وتكافؤ الفُرَص في المجال الاجتماعيِّ. عملنا كثيراً في هذا المجال من خلال مشروعات مثل (PUDC)، البرنامج العاجل لتنميةِ المجتمعات المحلِّيَّة، وكذلك (PUMA)، البرنامج العاجل لتحديث الطُّرُق المحوريَّة والمناطق الواقعة في الحدود. وهذا المشروع يستجيب للحاجاتِ الأساسيَّة للَّذين يعيشون في المناطق الحدوديَّة والأماكن النَّائية.

وفيما يدخل في سياسةِ التَّنمية والحماية الاجتماعيَّة الَّتي انتهجناها قمنا بتحديدُ الحدِّ الأدنى القانونيِّ لمعاش المتقاعد. ذلك أننا لم نكتفِ بزيادة مُتكرِّرة في معاشات المتقاعدين، بل وضعنا حدَّاً قانونيَّاً أدنى لمعاش المتقاعد، قريب من الحدِّ الأدنى القانونيِّ للرَّواتب.

من ابتكاراتنا أيضاً، هناك النَّفاذ الصِّحِّيُّ الشَّامل. هذه السِّياسة الَّتي يُسمِّيها بعض النَّاس"التَّغطية الصِّحِّيَّة الشَّاملة"، تسمح الآنَ بعد ثلاث سنوات من تطبيقها لـ47 في المائة من السِّنِغاليِّين بالاستفادة من هذه الخدمات في مجالِ العِلاج الصِّحِّيِّ. وهذا يعني أنَّه خلال ثلاث سنوات أُخرى على الأكثر، إذا استمرَّت هذه الجهود، سنصلُ بالفعل إلى تغطية صحِّيَّة شاملة للجميع.

وهناك أمورٌ أُخرى تُشكِّل بالنِّسبة لي فخراً عظيماً منها التَّحوُّل الكامل لآليَّات الإنتاج الاقتصاديِّ لدينا.

إننا أنشأنا هيئات اقتصاديَّة ضخمة. وإحدى هذه الهيئات تتمثَّل في القطار السَّريع الوطنيِّ (TER) الَّذي سيعمل 100 في المائة بالكهرباء، وسيربط هذا القطار بين دكَّار وجامنياجو، والَّذي سيصل في عام 2021 إلى مطار بليز ديان الدُّوليِّ. وسرعة هذا القطار هي 160 كيلومترا في السَّاعة، مع القدرة على نقل 150 الف راكب يوميَّاً. وهذا يعني أنَّه سيقطع مسافةَ رحلته بين العاصمة والمطار في ظرف 40 إلى 50 دقيقة.هذا التَّغيير الجذريُّ في نظام النَّقل في دكار وضواحيها، سيكون مقروناً ببرنامج آخَر لحافلات سريعة تكون مُزوَّدة بطرقها المُخصَّصة لها في النَّقل (BRT). كلُّ هذه الإنجازات تدخلُ في إطار خطَّة "السِّنِغال النَّاهض".

في مجالِ التَّعليمِ أيضاً، قُمنا باستثمارات ضخمة جدَّاً للوصول إلى أفضل المعارف العصريَّة، وخاصَّةً في مجال الرَّقميَّات.

مدينة جامنياجو

إنَّ مدينة جامنياجو الَّتي تبعد عن دكار حوالي 30 كيلومترا، ستكون مدينةً جديدة وكبيرة تُشكِّل قُطباً عصريَّاً للأبحاث التِّكنولوجيَّة المتطوِّرة والابتكار، وستكون هذه المدينة أيضاً محلَّاً يحتضن أكثر من نصف الوزارات. هذا سيُمكِّنُنا من تخفيف الاكتظاظ عن مدينة دكار، مع انسيابيَّة أكثر عقلانيَّة في حركة النَّقل، وشغل أنسب للمحيط. وبالتالي لابُدَّ أن نكونَ جادِّين وواقعيِّين، وأن ندرك بأنَّ هذه المشاريع ليسَت، بعد، مختومة بختم "نجاحٍ مَضمون"، بل توجد هناك مخاطر مُتعدِّدة منها: عدمُ ضمان الاستقرار في مؤسَّسات الدَّولة، ومحاربة بعض النَّاس للتَّغيير, وضعف في تحريك الموازنات الماليَّة اللَّازمة، وعدم توفُّر الموارد البشريَّة الضَّروريَّة لإحداث التَّغيير, والتَّأخُّر الحاصِل في تطبيق الإصلاح من جرَّاء المحيط القاتم للأعمال والمال وتحديث الإدارة العموميَّة والنَّفقات الاجتماعيَّة الطَّارئة، والمفاجئات المُتقلِّبة للطَّقس (الجفاف والفيضانات), والقدرة المحدودة في جلبِ الموارد الماليَّة، بالإضافة إلى النَّقص الحاصل في المتابعة والتَّقييم للأعمال. بيد أن تركَ المحاولة وعدمَ الإصرار في المحاولة، يعنيان اختيار الفشل منذ البداية. وهذه العقليَّة المتقاعسة لن تخدمَ الوطن!

على الرَّغم من كلِّ هذه الصُّعوبات، فإنَّ برامجنا في مجال تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعيَّة والتَّنمية الشَّاملة، أخرجَت ملايين السِّنِغاليِّين مِن الفاقة الكبيرة. وأومنُ بأنَّه بقي الكثير مِمَّا يجب علينا عملُه، وأعتمد في القيام بهذا على الجاهزيَّة المُتحمِّسة لشعبنا، الَّذي يعرف كيف يرفع التَّحدِّيات المنصوبة أمامَه بفضلِ عبقريَّتِه وحرصه على العمل.

الدَّولة ليسَتْ أنا!

إنَّ رئيسَ الجمهوريَّة يرمز إلى جميع التَّطلُّعات، ويُمثِّل كلَّ الآمال، وقد يخيبُ ظنُّ البعضِ أحياناً، ولكنَّ المهمَّ هو الحزمُ والعزمُ في القناعات، وفي وضع خطط المستقبل.

هناك خيارانِ أمام الرَّئيس. إمَّا إهدار إمكانيَّات المستقبل، واعتبار أنَّه "مِن بعدي الطُّوفان"، والبحثُ عن الحلول ذات المدى القريب فقط، والسَّعي وراء شعبيَّة مُصطَنَعة ومَبنيَّة على طرائق ديماغوجيَّة. أو العمل المبنيُّ على الاستدامة.

لن اتذوق الثمار

عندما وضعتُ خطَّتي بالتَّعاون مع مُساعِدِيَّ للإصلاح الشَّامل في السِّنِغال، كنتُ أستهدف أفقاً زمنيَّاً، لن أكون في السُّلطة أثناءَه. لقد وضعتُ سنةَ 2035 وجهةً لبوصلتي. أعرف بأنَّني في هذا الوقت، لن أتذوَّقَ ثمارَ ما زرعتُه، وهو بلد صاعد في أفق 2035 مع مجتمعٍ مُتضامن في دولة القانون. وكانت هذه هي المُثُل الَّتي نرمي إلى تحقيقها في خطَّة "السِّنِغال النَّاهض". لا شكَّ أن الجانب الاقتصاديَّ على درجة عالية جدَّاً من الأهمِّيَّة. ومِن المعلوم أن الأمور الماليَّة والاقتصاديَّة تُشكِّل الرَّافعات الدِّاينامكيَّة للمجتمع، ولكنَّ السِّياسة هي الموجِّهَة للمالِ والاقتصاد، ولقد انعتقَ الاقتصاد على المستوى العالميِّ الشَّامل.

إن الأمور الماليَّة لم تعد تخضع لرقابةِ الحكومات، ولكنَّ الواقع يدلُّ على أنَّه حينما ينهار سعرُ مادَّة أوَّليَّة، فإنَّ ذلك يؤثِّر مباشرةً على البلد الَّذي كان ينتجه.

وعلى الرَّغم من كلِّ هذا، فإنَّ الدُّول تبقى قويَّة دائماً. أن إعلاناً سياسيَّاً واحداً يمكن أن يؤثِّر على سعرِ البورصات. لذلك يكون أصحاب المال مُضطرِّين إلى أخذ ذلك بعين الاعتبار. كما أن سكَّ النُّقود والمعاملات الماليَّة وقوانين تنظيم السُّوق، هي مِن صلاحيَّات الدَّولة. إن على الدَّولة تنظيم السُّوق، بوضعِ معايير وضوابط للقطاعاتِ الَّتي تقع ضمن مسؤوليَّتنا، ولكن بعدَ وضع أُسس واضحة للتَّنمية، فإنِّي، أرى أنَّه يمكن للدَّولة أن تتركَ القطاعَ الحرَّ ليحلَّ محلَّها بشكلٍ طبيعيٍّ.

رفع الرَّواتب إلى الحدِّ القانونيِّ الأدنى

عندما قمتُ برفعِ الرَّواتب إلى الحدِّ القانونيِّ الأدنى، الأمر الَّذي لم يحدث منذ 1995، أحدثَ هذا القرارُ تأثيراً كبيراً في الجوانب الماليَّة والاقتصاديَّة. وأنا الآن بصددِ إيجاد راتب أدنى قانونيٍّ للمزارعين. أن تحقيق مثل هذا الإصلاح سيكون أمراً مُهمَّاً في بلد مثل السِّنِغال. كلُّ هذه السِّياسات تندرج في إطار خُطط "السِّنِغال النَّاهض".

وهذه الخطَّة تسعى لتحقيق الإصلاحات في ثلاثة محاور:

1 ـ تحوُّلٌ نوعيٌّ في المنشآت الاقتصاديَّة بواسطة تقوية الآليَّات الحاليَّة للنُّموِّ، وتنويع القطاعات الجديدة الَّتي تخلق الثَّروة وفرص العمل والتَّنمية الشَّاملة، مع قدرةٍ كبيرة في التَّصدير وجلب الاستثمارات. وهذا المحور يدخل في إطار تنمية أكثرَ توازناً لترقية المجتمعات المحلِّيَّة وتشجيع قيام مراكز ذات ثقلٍ اقتصاديٍّ كبير، لتحفيز الطَّاقات والقدرات الكامنة لدى جميع المجتمعات المحلِّيَّة.

2 ـ تحسينٌ مَلموسٌ لظروف حياة جميع السُّكَّان، ومحاربة أكثر فاعليَّة لعدمِ تكافؤ الفرص على الصَّعيد الاجتماعيِّ، مع الحفاظ على المصادر الأساسيَّة للثَّروات والعمل على بروز متجمعات محلِّيَّة حقيقيَّة.

3 ـ ترسيخ دعائمِ الأمن والاستقرار والحُكم الرَّشيد، وحماية الحرِّيَّات ودعم دولة القانون بتهيئة أفضل الظُّروف المؤدِّية إلى السَّلام الاجتماعيِّ والتَّفتُّق الكامل للقدرات على الابتكار. هذه النُّقطة الأخيرة تتعلَّق بوظائف جوهريَّة يُقال عنها بأنَّها سياديَّة، لا يستطيع القيام بها إلَّا الدَّولة نفسُها.

وتأتي العدالة في طليعة هذه الأمور السِّياديَّة، لأنَّه لا يمكن خصخصتُها بأيِّ حالٍ من الأحوال. يجب على الدَّولة أن تُهيِّئَ الأوضاع الَّتي تتحقَّق فيها العدالة للشَّعب على أُسس مناسبة.

دعم العدالةً

منذ بداية فترتي الرِّئاسيَّة، عملتُ على تزويد أجهزة العدالة بالوسائل اللَّازمة للقيام بعملِها على أحسن وجه. وكنتُ شخصيَّاً أُتابع قضايا التَّربُّح غير الشَّرعيِّ من الأموال العامَّة. فمنذ سنة 1982، تمَّ إنشاء محكمة خاصَّة لمحاربة هذا التَّربُّح، كلُّ الَّذي عملته أنا، هو إعادة فتحِ تلك المحكمة، وتعيين قُضاة لها. هكذا بدأ هؤلاء القضاة يُباشرون أعمالهم، واستجوبوا بعضَ الأشخاص. وكانت ملاحقة هؤلاء الأشخاص أو عدم ملاحقتهم راجعةً إلى قرار العاملين في العدالة. وقمتُ أنا بنفسي بالإعلان عن مُمتلكاتي وفقَ الدُّستور، وكنتُ أوَّل رئيسٍ قام بهذا الإعلان. برهنتُ أن كافَّة مُمتلكاتي اكتسبتُها بعرقِ الجبين. ما أكثرَ الأقاويل حولَ مُمتلكاتي، الَّتي يشكل أعلاها قيمة على الإطلاق هو منزلي الواقع في حيِّ ميرموز، الَّذي حصلتُ عليه في سنة 2006 لمَّا كنتُ وزيرا أول. وهو عبارة عن فيلَّا تتكوَّن مِن أربع غرف في الطَّابق الأرضيِّ, ثمَّ عملتُ على بناءِ طابقٍ عُلويٍّ ثانٍ ما بين 2011 و 2012. أنا أسكنُ الآن في هذا المنزل.

وبعدَما تمَّ تفعيل محكمة مُحاربة التَّربُّح غير المشروع، بدأتْ تُمارس عملَها بكلِّ استقلاليَّة. إنَّنا في السِّنِغال، لا نعتبر أن الفصلَ بين السُّلطات أمرٌ ينصُّ عليه الدُّستور فقط.

إنَّني خفَّضتُ النَّفقات الاستهلاكيَّة الجارية للدَّولة، وفرضتُ رقابةً مُشدَّدة على النَّفقات العموميَّة، كما وضعتُ محاربةَ اختلاس المال العامِّ في طليعة الأولويَّات. إن الَّذين ينهبون المالَ العامَّ، يجب أن يعلموا بأنَّهم لن يُفلتوا من العقوبات القانونيَّة، وأنَّهم سيُعاقبون مهما كانت الجهة الَّتي ينتسبون إليها. إنني أطالب الجميعَ بالسُّلوك المثاليِّ في هذا المجال. لو كان أحد أعضاء حكومتي أو أحد أفراد أُسرتي، وقعَ تحت طائلة المساءلة الماليَّة القانونيَّة، فإنِّي سأترك العدالة تقوم بعملها بكلِّ تأكيد.

في تصوُّري للحُكم، أعتبر أن مُحاربة اختلاس المالِ العامِّ والرَّشوة، ليست قضيَّة أخلاقيَّة فقط، إنَّها ضروريَّة جدَّاً في سبيل تأمين الممتلكات العموميَّة والثَّروات الَّتي هي مُلك للجميع.

إنَّ جهودنا في هذا المجال، مكَّنَتنا من توفير مبالغ ضخمة لتمويل برامج عادلة مِن أجل تحسين ملموس لحياة الملايين من المواطنين في مختلف المجالات.

كما سبق أن ذكرتُ، فإنَّ خطَّتي الممتدَّة إلى أفق 2035، سيتمُّ إنجازها بواسطة خبرات وطنيَّة وعالميَّة. أنا أؤمن بأنَّ التَّخلُّف ليس قَدَراً حتميَّاً. فقد وصلنا في وقتٍ قياسيٍّ جدَّاً إلى نسبة سبعة في المائة، من نموِّ النَّاتج المحلِّيِّ الإجماليِّ. ومع كلِّ هذا النُّموِّ، وحِرصاً منِّي على جعلِ هذه الثَّروات مُستدامةً ومُحقِّقة للتَّنمية الشَّاملة، فإنِّي عملتُ على إيجاد خطَّة اقتصاديَّة واجتماعيَّة على أساسٍ تضامنيٍّ مع الجميع.

إذًا، توفَّرَت لدينا وسائل عمليَّة لتحقيق تنمية طويلة المدى، التي تسمحُ لوطننا بمقاومة الصَّدمات الاقتصاديَّة الخارجيَّة العنيفة، مُتمثِّلةً في هذه الهزَّات الاقتصاديَّة االخارجيَّة (الأزمات الاقتصاديَّة وإملاءات الهيئات الماليَّة على الدُّول والكوارث الطَّبيعيَّة ........).