نستعرض في جولة الصحف مقالات رأي ترصد تحولات لافتة في السياسة الدولية، من بينها مقال عن استعداد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، "للتضحية بحليفته إيران دون الدفاع عنها في سبيل عدم المخاطرة بمصالح موسكو"، وآخر عن سعي القارة الأوروبية إلى فك ارتباطها بالولايات المتحدة بعد عقود من التبعية، وأخيراً طرحٌ يرى أن تجنب المواجهة مع ترامب حالياً لا يعالج جوهر الخلاف الأوروبي معه مستقبلاً.
نبدأ جولتنا من صحيفة التلغراف البريطانية، بمقال رأي كتبته إيفانا سترادنر، بعنوان "فجأة، أصبح بوتين مستعداً للتضحية بإيران"، وتستهله الكاتبة بالإشارة إلى أنه يتعيّن على الولايات المتحدة أن تغتنم الفرصة لإبراز هشاشة ما يُعرف بـ "صداقة الكرملين" أمام حلفاء روسيا الآخرين.
وتقول الكاتبة إن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وجه تحذيراً إلى إيران مؤخراً مفاده أن أسطولاً بحرياً أمريكياً يتجه نحو منطقة الخليج، ومع تلميح واشنطن إلى أن خيار توجيه ضربات ضد إيران لا يزال قائماً، وفي ظل تصاعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، كشفت الأزمة الراهنة عن حدود العلاقات الروسية - الإيرانية.
وتضيف أنه على الرغم من الشراكة الطويلة التي جمعت موسكو وطهران في معارضة الغرب، "لا تبدي روسيا استعداداً لمواجهة خطر الدفاع عن إيران"، وترى الكاتبة أنه يتعيّن على الولايات المتحدة "أن تغتنم الوضع لإظهار هشاشة ما يُعرف بصداقة الكرملين لحلفاء بوتين الآخرين".
وتلفت الكاتبة إلى سعي إيران وروسيا خلال السنوات الماضية إلى ترسيخ علاقة استراتيجية بينهما، وعلى الرغم من إرث انعدام الثقة المتبادل، ازدادت شراكتهما صلابة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، بعد أن زوّدت إيران روسيا بأسلحة استخدمتها في الغزو، من بينها عدد كبير من المسيّرات الانتحارية بعيدة المدى طراز (شاهد)، استُخدمت في قصف بنى تحتية أوكرانية، في المقابل، عرضت موسكو على طهران مستوى غير مسبوق من التعاون الدفاعي، تضمن بيع مقاتلات سو-35، وهو ما يُمثّل نقلة نوعية لسلاح الجو الإيراني المتقادم.
وتقول الكاتبة إنه على الرغم من استمرار أهمية إيران كشريك، "فإن اعتماد موسكو على طهران تضاءل،، كما تعرّضت الشراكة الروسية - الإيرانية لـ "انتكاسة" في ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق، بشار الأسد، الذي حافظت موسكو وطهران على بقائه في السلطة منذ عام 2015.
وتضيف الكاتبة أنه في يناير/كانون الثاني 2025، أبرمت روسيا وإيران "معاهدة شراكة استراتيجية شاملة"، شملت مختلف أوجه العلاقات الثنائية، من بينها التعاون لمواجهة العقوبات الغربية، بيد أن هذه المعاهدة، رغم تضمّنها صيغاً متعددة للتعاون العسكري، لم تصل إلى حد الالتزام بالدفاع المشترك، إذ تسعى روسيا إلى تجنّب الدعم الكامل لإيران، كما لا تبدو مستعدة لتحمّل مخاطر صراع لا يمس مصالحها الأساسية، في ظل حفاظ موسكو على علاقة متوازنة في الشرق الأوسط.
وترى الكاتبة أن بوتين يخشى سيناريو تغيير النظام الإيراني، لما قد يترتب عليه من زعزعة الاستقرار داخل روسيا، لذا لم يتجاوز موقفه حدود عرض الوساطة، إذ تتمثل أولوية بوتين حالياً في الحفاظ على علاقة جيدة مع ترامب، في ظل محادثات سلام مرتبطة بأوكرانيا، الأمر الذي دفعه إلى النأي بنفسه عن التصعيد، وترك وزارة خارجيته في الواجهة.
وتلفت الكاتبة إلى أن أقصى ما يمكن أن تقدمه موسكو لطهران هو إمدادها بالسلاح، بيد أن حتى هذا الخيار غير المرجح أن يحدث فارقاً، حتى وإن لجأت إيران إلى طلب دعم روسي لإعادة بناء قدراتها في مجال الدفاع الجوي، لأن هذا المسار يحتاج إلى وقت، كما أن موسكو تركز جهودها العسكرية على الجبهة الأوكرانية.
وتختتم الكاتبة إيفانا ستراندر مقالها بالإشارة إلى أن واشنطن أمامها فرصة الآن لتقديم خطاب معاكس، وينبغي على الإدارة الأمريكية أن تدرس توظيف نفوذها بما يظهر لبقية حلفاء روسيا أن بوتين، عند لحظة الاختبار، قد يتخلى عنهم دون تردد.
"من هنا، أوروبا ستتولى الأمر"

ننتقل إلى صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، ومقال رأي كتبه جون ثورنهيل بعنوان "شكراً دونالد، أوروبا ستتولى الأمر من الآن"، ويستهله الكاتب مشيراً إلى ضرورة أن تسعى القارة الأوروبية جاهدة لفك ارتباطها بالولايات المتحدة.
ويقول الكاتب "إنه قد يحين وقت ما يشكر فيه الأوروبيون ترامب على أنه دفعهم إلى اتخاذ ما كان ينبغي لهم اتخاذه منذ زمن طويل"، أي "إعادة تأكيد استقلالهم العسكري والتكنولوجي".
ويضيف أنه على مدى سنوات، اتسم الموقف الاستراتيجي الأوروبي بالتفاؤل والاستعداد لأفضل السيناريوهات، بيد أن رسالة ترامب في منتدى دافوس مؤخراً جاءت صريحة مفادها "أنه يتعين على أوروبا أن تستعد للأسوأ"، ورغم تراجع ترامب عن الخيار العسكري ضد غرينلاند وعن فرض تعريفات جمركية عقابية على مؤيديها الأوروبيين، "ظل عداءه تجاه أوروبا حاداً، وقد آن الأوان أن تستوعب أوروبا هذه الرسالة، "وأن تقطع ثمانية عقود من التبعية، وتسلك طريق الاعتماد على الذات حيثما أمكن".
ويرى الكاتب أن سعي أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة يمثل تحدياً بالغ التعقيد، فكثيرون يرون استحالة ذلك، في ضوء عمق الروابط الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية العابرة للأطلسي، إلا أن هذا المسعى يظل ضرورة حتمية، وأن كندا قدمت نموذجاً يحتذى به.
ويقول الكاتب إن الاتحاد الأوروبي بدأ بالفعل استنساخ النهج الكندي، من خلال تعزيز الاستثمار في التكنولوجيا، والعمل على توسيع شراكات تجارية مع أمريكا الجنوبية والهند، بغية موازنة الثقل الأمريكي، وهو ما دفع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في دافوس إلى التصريح بأنه "حان الوقت لاغتنام الفرصة وبناء أوروبا جديدة مستقلة".
- ماذا نعرف عن الناتو ولماذا تأسس؟
- تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية يضع أوروبا أمام خيارين - مقال في الغارديان
وعلى الرغم من ذلك يلفت الكاتب إلى أنه سيكون من الصعب على أوروبا أن تفك ارتباطها بالمنظومة التكنولوجية الأمريكية، فوفقاً لأحد التقديرات، تهيمن ثلاث شركات أمريكية على نحو 65 في المئة من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، كما تسيطر الشركات الأمريكية على تقنيات الذكاء الاصطناعي الأساسية، وأشباه الموصلات، ومحركات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة داخل القارة.
ويرى الكاتب أنه حتى إن تعذّر على أوروبا إحلال جميع هذه الخدمات محل البديل الأمريكي، فبإمكانها اتّخاذ خطوات أوسع لتعزيز قطاعها التكنولوجي، ويقول إن تعميق السوق الموحدة أكبر إسهام يمكن أن يقدمه القادة الأوروبيون في هذا السياق، كما يمكنهم العمل على تعبئة مزيد من رؤوس الأموال الخاصة الداعمة للنمو، لدعم الشركات الناشئة، وتشجيع الحكومات والشركات على تبنّي سياسة "الشراء الأوروبي أولاً".
ويقول لويس غاريكانو، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، إن أوروبا "كانت في أمسّ الحاجة إلى صدمة خارجية"، مضيفاً أنه إذا نجحت سياسة ترامب في جمع أوروبا حول إصلاحات عملية وحكيمة، "ستكون المنطقة في وضع أقوى بعد 20 عاماً".
ويختتم الكاتب ثورنهيل مقاله مشيراً إلى أنه في ظل تنامي الإرادة الأوروبية للتغيير، تظل التحديات الكبيرة قائمة، فترامب غير محبوب إطلاقاً في أوروبا، ومع ذلك فإن مواجهته قد تساعد في تقويض نفوذ القوميين الشعبويين، الذين يتمتعون بحضور قوي في القارة، وكما أجبرت الضغوط الشرقية أوروبا على توحيد جبهتها خلال الحرب الباردة، قد تجبر التهديدات القادمة من الغرب اليوم أوروبا على تجديد نفسها وتحقيق نهضة جديدة.
"الأقوياء لا يفهمون إلا لغة القوة"

نختتم جولتنا بصحيفة الغارديان البريطانية، ومقال رأي كتبته نتالي توكستي، بعنوان "تراجع ترامب عن موقفه بشأن غرينلاند كان لافتاً. الدرس المستفاد لأوروبا: لا يفهم الأقوياء إلا القوة"، وتستهله الكاتبة بالإشارة إلى أن تجنّب الصراع مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن، قد يُغري القادة الأوروبيون بالعودة إلى منطقة راحتهم المتمثلة في الجبن والخوف، لكن الأزمة التالية ستأتي قريباً.
وتقول الكاتبة إن تراجع ترامب بعد أيام من التصعيد، ورفضه استبعاد احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية لضم غرينلاند، كان تصرفاً لافتاً، ففي خطابه أمام منتدى دافوس، كرر ترامب رغبته في امتلاك غرينلاند، مؤكداً أنه لا يمكن الدفاع عما لا يملكه، ليعلن بعد ذلك أنه لن يغزو الجزيرة القطبية بالقوة، وبعد ساعات، أعلن أنه توصل إلى اتفاق "غير محدد" بشأن غرينلاند، وبالتالي سيتجنب فرض تعريفات جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي شاركت في تدريبات عسكرية مشتركة في غرينلاند بدعوة من الدنمارك.
وترى الكاتبة أن هناك عدة تفسيرات محتملة لهذا التغيير أهمها: القلق بين الجمهوريين والرأي العام الأمريكي من احتمال مهاجمة حليف في الناتو، واضطرابات الأسواق العالمية، وطلب خاص من أمين عام الناتو، مارك روته، بل وربما ساهمت الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، لكنها لم تكن كافية لتفسير هذا التراجع المفاجئ بالكامل.
وتقول الكاتبة إن ترامب يقدّر بالطبع طلب روته، لكنه على الأرجح لم يكن كافياً ليثنيه عن طموحه في ترك أثره كأول رئيس يوسع الأراضي الأمريكية منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، أما اضطرابات الأسواق فهو التفسير الأكثر منطقية، وهذه ليست المرة الأولى، فقد شهدنا تراجع ترامب المفاجئ في السياسة التجارية بعد خطاب "يوم التحرير" في الربيع الماضي، تزامناً مع انهيار الأسواق ورفض الصين التراجع، مستعدة للرد بالمثل في حرب تجارية.
وتلفت الكاتبة إلى أن أوروبا وإن كانت لا تمتلك الأوراق ذاتها التي تملكها الصين في تعاملها مع الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أذى اقتصادي بأوروبا، إلا أنها تمتلك بعض عناصر القوة، التي حتى مجرد الإيحاء باستخدام تلك العناصر، وإعادة احتمال نشوب حرب تجارية، أثار مخاوف في الأسواق ودفع ترامب إلى التراجع عن حافة التصعيد.
وتختتم الكاتبة نتالي توكستي مقالها مشيرة إلى أن ثمة تطوراً واضحاً في الموقف الأوروبي عندما وقف الأوروبيون بحزم في وجه تهديدات ترامب المتعلقة بغرينلاند، وتحدّث القادة، سواء على المستوى الوطني أو الجماعي، معربين عن تضامنهم مع الدنمارك ودعمهم لسيادة المنطقة، كما أرسلت مجموعة من الدول الأوروبية وحدات عسكرية إلى غرينلاند للمشاركة في تدريبات مشتركة، في وقت رفضت فيه غالبية دول الاتحاد الأوروبي الانضمام إلى ما أطلق عليه ترامب "مجلس السلام".
- الأمير هاري: تضحيات قوات الناتو في أفغانستان تستحق "الاحترام"، والبيت الأبيض يرفض انتقادات الحكومة البريطانية
- "هل القمع الصيني هو الرابح الأكبر من مظاهرات إيران؟" - مقال في صنداي تايمز
- انتهاء الجولة الأولى من محادثات السلام في أبوظبي بين روسيا وأوكرانيا وأمريكا واستئنافها السبت
























التعليقات