نصر المجالي من لندن: تسعى الولايات المتحدة من خلال حشد هائل من المفكرين والخبراء والكتاب إلى محاولة الالتفاف على حملة الانتقادات العاتية التي وجهت من دول كثيرة في العالم لوثيقة الإصلاحات ذات الأربعين صفحة و750 اقتراحا التي تقدم بها السفير الأميركي المتشدد جون بولتون الذي هو أحد صقور اليمين المحافظ في الإدارة الأميركية. وهذه الاقتراحات كما قال أحد المراقبين ستقود إلى فوضى عارمة وممكن أن تقسم العالم. وتلقت (إيلاف) في اليومين الأخيرين من مكتب الاتصال الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية ثلاثة من المقالات التي ساهم بكتابتها خبراء يدرسون في أهم الجامعات الأميركية تحدثوا فيها عن الدور الكبير لقيام الأمم المتحدة منذ الأساس والدور التاريخي لقيادة السلام في العالم وتوحيده مستقبلا.
وانتظارا لموعد القمة الأممية التي تتزامن مع الذكرى الستين لقيام المنظمة الدولية، فإن تحذيرات وجهت للولايات من أقرب حلفائها وعلى رأسهم بريطانيا التي طالب وزير خارجيتها جاك سترو في رسالة وجهها إلى نظيرته كوندوليزا رايس بسحب مقترحات السفير بولتون "لما تحمله من أخطار يحتمل أن تقسك العالم وتنهي دور الأمم المتحدة".
ذكر أن وثيقة بولتون تتعارض مع المقترحات التي تقدمت بها مجموعة كتلة عدم الانحياز، وكذلك مع المقترحات التي سيتقدم بها الأمين العام كوفي أنان الذي يبدو أنه تبنى فيها مقترحات الكتلة، لكن وزير الخارجية الأميركية دافعت في تصريحات لها قبل يومين عن مقترحات بولتون، وقالت إن المهمة الرئيسية للوفد الأميركي إلى نيويورك ستكون كيفية العمل على جعل "الأمم المتحدة قوية وصالحة".
وقالت وزيرة الخارجية إن التنمية الاقتصادية والديمقراطية والحقوق الإنسانية ومكافحة الإرهاب وإصلاح إدارة الأمم المتحدة قضايا تحتل مكانة بارزة في جدول أعمال الولايات المتحدة بمناسبة افتتاح الدورة الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 سبتمبر الحالي.
وأضافت رايس قولها "سنواصل السعي في سبيل الحصول على الموافقة على برنامج إصلاحي قوي لجعل الأمم المتحدة أكثر فاعلية. ولتحقيق ذلك لا بد من جعل الأمم المتحدة مسؤولة كليا وشفافة وتتمتع بالكفاءة عن طريق جهاز عام يقوم على أساس معايير الكفاءة والمقدرة، وهذا ما نحن بسبيل فعله في وثيقة النتائج التي تتوصل إليها الأمم المتحدة."
وفي إطار الاستعدادات للقمة التي سيشارك فيها حوالي 175 ملكا ورئيس دولة، فإن سفراء الدول الأعضاء ألـ 191 يتشاورن فيما بينهم للوصول إلى صيغة مرضية للجميع ليشملها بيان القمة الختامي المحتمل إعلان تفاصيله رسميا يوم الجمعة المقبل. وأشارت رايس إلى أن من بين اهتمامات الولايات المتحدة خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة سيكون موضوع التجارة الخارجية وتخليص الشعوب من الفقر.
وقالت إن تحقيق ذلك يتطلب من الدول الأعضاء الـ 191 في الأمم المتحدة أن تصب اهتمامها في خلق أجواء تجعل المساعدات الخارجية فعالة، وذلك عن طريق تعزيز سلطة القانون وإجراء إصلاحات في السوق الحرة ومكافحة الفساد.
وكشفت رايس عن أنها والرئيس بوش سيؤكدان في أحاديثهما للأمم المتحدة على قضايا الديمقراطية والحقوق الإنسانية بما في ذلك تشكيل لجنة دولية جديدة خاصة للحقوق الإنسانية بدلا من اللجنة الحالية لحقوق الإنسان، وقالت إن الرئيس بوش سيحتفل أثناء وجوده في نيويورك بافتتاح صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية.
وكان البيت الأبيض أعلن في 8 سبتمبر أن الرئيس بوش سيقيم حفل استقبال خاصا لقادة الدول في نيويورك يوم الثلاثاء 13 سبتمبر يتبعه افتتاح الدورة الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التالي، ووعدت رايس قائلة "سنركز أيضا على جعل أميركا والعالم أكثر أمنا عن طريق محاربة الإرهاب." وقالت إن اجتماع "قمة مجلس الأمن سينظر في اتخاذ قرار حول التحريض على الإرهاب، وسنطالب بتحقيق تقدم بالنسبة للاتفاقية الشاملة حول الإرهاب الدولي وإيجاد إطار قانوني يردع الأعمال الإرهابية ويحاكم مرتكبيها."
مقالات المفكرين الأميركيين
وتنشر (إيلاف) في الآتي نص المقالات الثلاثة حيث الأول منها يحمل عنوان: تأسيس الأمم المتحدة: "مدعاة لأن نلهج بالشكر من الأعماق"، وكتب هذا المقال لنشرة واشنطن غاري ب. أوستروِر، أستاذ التاريخ في جامعة آلفرد. وشغل هذا الأكاديمي أخيراً منصب محاضر فولبرايت في جامعة آرهوس في الدانمارك خلال الفصل الدراسي في ربيع عام 2005. وقد درّس مساقات تناولت حرب فيتنام والتاريخ الأميركي من عهد ترومان حتى عهد كلنتون. كما أنه يعكف على إجراء أبحاث تتعلق بالأمم المتحدة. وإلى نص المقال:
"مدعاة عميقة للّهج بشكر العلي القدير..." كان هذا ما قاله الرئيس الأميركي هاري ترومان عن عمل مؤتمر سان فرانسيسكو الذي ساعد في صياغة ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945. وقد عبّر ترومان بذلك عن مشاعر الملايين الذين كانوا على قناعة بأن المنظمة الجديدة ستحول الحروب العالمية إلى أحداث غابرة أصبحت في ذمة التاريخ. وقد نصت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على القصد من إنشائها: "نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب...."
ولدى انتهاء المؤتمر، نظمت وزارة الخارجية والآلاف من مؤيدي الأمم المتحدة ما أصبح أعظم حملة شعبية يشهدها تاريخ الولايات المتحدة حول مسألة من مسائل السياسة الخارجية. وساعدت تلك الحملة في ضمان مصادقة مجلس الشيوخ على الميثاق، فلم يتكرر بذلك ما حدث من رفض المجلس لميثاق عصبة الأمم قبل ربع قرن فقط.
وينبغي أن تعيد الحملة التي نُظمت في سبيل الأمم المتحدة إلى أذهاننا أن تلك المنظمة، التي لم تكن تضم سوى 51 دولة عضواً عند بروزها إلى حيز الوجود، كانت عقب عام 1945 فكرة ومؤسسة أيضا. ويمكن إعادة جذورها، كفكرة، إلى الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الأولى. أما كمؤسسة، فقد قامت على أشلاء سابقتها عصبة الأمم التي أصبحت من أوائل ضحايا الحرب العالمية الثانية.
وفي حين يختلف المؤرخون حول الكثير من قضايا السياسة الخارجية الأميركية، إلا أنهم يجمعون على أمر واحد: لقد لعبت الولايات المتحدة دوراً حاسم الأهمية في ميلاد المنظمتين. فقد ساعد الرئيس الأميركي، وودرو ولسون، (1913-1921)، الذي هالته قدرة الحروب الحديثة على إحداث الدمار كما اتضح في أوروبا في الفترة الممتدة من عام 1914 حتى عام 1918، دوراً حاسم الأهمية في بعث عصبة الأمم إلى الوجود. وكان ولسون يؤمن بأن الحروب هي في المقام الأول نتاج ثلاثة أمور: سباقات التسلح وأنظمة الحكم غير الديمقراطية، والأهم من الأمرين السابقين، نظام توازن قوى كان يعتبره مزعزعاً غير مستقر بشكل أساسي. وقد ساعد، في مؤتمر السلام في باريس الذي عُقد في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ورغم تشكيك حلفائه البريطانيين والفرنسيين في جدوى ذلك، في صياغة نظام "أمن جماعي" جديد (رغم أن التعبير لم يُبتكر إلا في عام 1945) ليحل محل نظام توازن القوى الذي فقد صدقيته. واحتلت عصبة الأمم مركز المحور في هذا النظام الجديد. لمَ أمن "جماعي؟" لأن ميثاق عصبة الأمم كاد يحظر فعلياً العدوان، وكانت أي دولة تخرق الميثاق ستواجه قوة جميع الدول الأخرى الأعضاء في العصبة مجتمعة. وعليه، فقد افترض أتباع مبادئ ولسون الداعية إلى التعاون بين الأمم أنه لن توجد أي دولة في العالم ستكون من الحمق بحيث تخرق الميثاق. وتوقع ولسون، نظراً لكون العصبة كانت قد أُلزمت بالتشجيع على نزع التسلح وتعزيزه، ظهور عالم خال من الخوف والقلق اللذين كان يعتقد شخصياً أنهما ما أدى إلى قيام ما لا يعد ولا يحصى من الحروب في الماضي.
انعدام الأمن الجماعي
للتاريخ، كما نعلم، قدرة على مفاجأتنا وإتيان رياحه بما لا تشتهي السفن. ومن المؤكد أن السنوات التي انقضت ما بين الحربين العالميتين لم تمر بالطريقة التي كان يرجوها المؤمنون بمبادئ ولسون. فقد شُلت يد عصبة الأمم والمحكمة الدائمة للعدل الدولي (المحكمة العالمية) المرتبطة بها وأُضعفتا نظراً لرفض الولايات المتحدة الانضمام إليهما. ورغم أن العصبة وُفقت في تحقيق نجاحات صغيرة خلال العشرينيات من القرن الماضي، إلا أن العقد التالي كان أصعب عليها فوقفت عاجزة أمامه. وإذ شغلت الأزمة الاقتصادية بال المسؤولين البريطانيين والفرنسيين ولم تدعمهم الولايات المتحدة التي كانت قد أخذت تتجه بشكل متزايد إلى اعتماد سياسة الانعزال، رفضوا تفعيل الميثاق بشكل يتحدى بطريقة فعالة سياسة ألمانيا واليابان وإيطاليا التوسعية العسكرية. وهكذا حل انعدام الأمن الجماعي والتعرض الجماعي للخطر محل الأمن الجماعي المأمول. وانهارت العصبة مع إلحاق حرب عالمية ثانية الدمار بأوروبا وآسيا.
ولكن تخطيط أميركا لإنشاء منظمة جديدة كان قد بدأ حتى قبل هجوم البحرية اليابانية على ميناء بيرل هاربر في كانون الأول/ديسمبر، 1941. وكان الذين رسموا معالمها مؤمنين حديثين معاصرين بمبادئ ولسون، على الأقل في الولايات المتحدة وبريطانيا، ولكنهم كانوا قد استخلصوا الكثير من العبر من أخطاء عصبة الأمم. وقد كانوا، مثلهم في ذلك مثل ولسون، ملتزمين بهدف الأمن الجماعي الذي شكل مثلهم الأعلى. ولكنهم لم يعتمدوا في المقام الأول، كما فعل أتباع ولسون بعد الحرب العالمية الأولى، على مشاعر غامضة مثل "حكم البشرية الأخلاقي" للمحافظة على السلام، وإنما اعتمدوا إلى حد أكبر على القوى العظمى.
رجال الشرطة الأربعة
أُبقي التخطيط لإنشاء الأمم المتحدة أثناء الحرب سرياً احتراساً من عداء أتباع السياسة الانعزالية المحليين للفكرة. وكان المفترض أن اعتماد أدنى قدر من الإعلان عن الأمر سيؤدي إلى ظهور أدنى قدر من المعاداة له. وأخفى المخططون أنفسهم في أعمق أعماق بيروقراطية وزارة الخارجية، متسترين تحت ألقاب وأسماء لا تلفت الانتباه مثل "فريق برنامج العمل غير الرسمي" و"اللجنة الفرعية الخاصة بالمشاكل السياسية." ومضت المجموعة قدماً في عملها، برئاسة وكيل وزارة الخارجية، سَمْنِر ويلز، وعالم اقتصاد لامع يدعى ليو باسفولسكي، فسبقت حلفاء أميركا الأوروبيين في صياغة شكل المنظمة الجديدة. ورغم أن مساهمة الرئيس فرانكلن د. روزفلت في العملية كانت أقل بكثير من مساهمة وودرو ولسون بها قبل عقدين من الزمن، إلا أنه ترك مع ذلك بصمته على المنظمة. فقد أصر هو وحلفاؤه في وزارة الخارجية، نظراً لخيبة الأمل الناجمة عن إخفاق العصبة في الحيلولة دون وقوع الحرب العالمية الثانية وتحررهم بالتالي من أية أوهام حول قدرة منظمة على القيام بذلك، على أن تذعن المنظمة التي ستحل محل العصبة إلى حد أكبر للقوى العظمى، التي أطلق عليها فرانكلن روزفلت لقب "رجال الشرطة الأربعة" (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى والصين.) وقد أكد وزير الخارجية، كوردِل هيل، من ناحيته على وجود حاجة إلى المساواة الاقتصادية لا القوة العسكرية للمحافظة على السلام، ولكن تأثيره ظل محدودا.
كما كسب الرئيس إلى صفه الكثير من مناوئيه من الحزب الجمهوري. وكان حتى مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة في انتخابات عام 1944، حاكم ولاية نيويورك توماس ديوي، مؤيداً لانضمام الولايات المتحدة إلى منظمة جديدة. ولم تتحول انتخابات عام 1944 الرئاسية، نتيجة لذلك، في أي وقت فيها إلى ما يشابه الشجار الذي نشب حول عصبة الأمم خلال حملة الانتخابات الرئاسية في عام 1920.
وكان ذلك مهماً بشكل خاص نظراً لكون مؤتمر دمبارتون أوكس بدأ اجتماعاته خلال الأشهر الأخيرة من حملة الانتخابات الرئاسية. وفي دمبارتون أوكس، وهي عزبة جميلة في واشنطن، بدأ المتفاوضون الحلفاء في صياغة ميثاق منظمة الأمم المتحدة الجديدة. وبما أن الولايات المتحدة كانت متقدمة جداً على المسؤولين الرسميين البريطانيين والسوفيات في عملية التخطيط، تمكن الأميركيون من تقرير جدول الأعمال بشكل فعلي. وكان ما انبثق عن ذلك منظمة بمجلسين أساسيين: (1) جمعية عامة كبيرة، تكون بمثابة محفل لمناقشة الأمور؛ و(2) مجلس أمن أصغر (يعكس أصداء فكرة رجال الشرطة الأربعة)، يفعّل "صلاحيات الإرغام" التي تملكها الأمم المتحدة. وكانت الأمم المتحدة المقترحة مشابهة حتى تلك النقطة للعصبة القديمة، التي اشتملت هي أيضاً على جمعية (عامة) ومجلس أصغر. إلا أنه كان هناك اختلاف مهم. ذلك أنه تقرر أن تتمتع كل من القوى العظمى الرئيسية (فقط دون غيرها) التي تمثلت في دمبارتون أوكس، أي الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفياتي والصين، بحق النقض أو الفيتو في ما يتعلق بالقضايا المطروحة أمام مجلس الأمن. أما في عصبة الأمم، فكان يحق لجميع الدول استخدام الفيتو ومنع اتخاذ إجراءات فرض الانصياع بالقوة. وهكذا أُعيدت السلطة في الأمم المتحدة إلى القوى العظمى.
وتم أيضاً التوصل إلى تسوية قضايا مهمة أخرى في دمبارتون أوكس. فقد تقرر أن يكون باب الانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة مفتوحاً أمام جميع دول العالم باستثناء القوى الفاشستية والدول المتعاطفة معها كالأرجنتين. وقد تم نبذ المقترحات الخاصة بتشكيل سلاح طيران وقوة شرطة تابعين للأمم المتحدة وفُضلت عليها فكرة اعتماد المنظمة على قوات أعضائها المسلحة. وتم الاتفاق على إعادة تنظيم المحكمة الدائمة للعدل الدولي.
ولا يغبن المرء المؤتمر حقه إن هو قال إن ما انبثق عن دمبارتون أوكس كان مزيجاً من المثل الولسونية (نسبة إلى الرئيس ولسون) العليا وواقعية القوى العظمى المعهودة. وقد وقعت بعض الخلافات الحادة التي جسدت المصالح المتضاربة في مؤتمر دمبارتون أوكس. إلا أن المؤتمر شهد أيضاً خلافات مثلت عدم التيقن والتأكد في ما يتعلق بالمقاصد الرئيسية للأمم المتحدة المقترحة. فهل سيكون هدف وجود المنظمة الرئيسي هو الحفاظ على السلام العالمي؟ أم ضمان أمن القوى العظمى؟ أم تعزيز القانون الدولي؟ أم هو تمثيل رأي شعوب العالم الديمقراطية؟ أم خلق الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الكفيلة بجعل نشوب الحروب أقل احتمالاً في المستقبل؟
وكان يتم حل الخلافات حول المبادئ والإجراءات الشكلية عادة من خلال التنازلات السياسية المعهودة. وقد ارتاع فرانكلن روزفلت حين طالب السوفيات بمنح مقعد مستقل في الأمم المتحدة لكل من الجمهوريات السوفياتية الست عشرة. واشتكى السوفيات، من جانبهم، من أنهم سيجدون أنفسهم دوماً في موضع الأقلية عند عد الأصوات إذ ستتفوق عليهم مجموعة أصوات الأعضاء في الأمم المتحدة من دول الكومنولث البريطاني والدول التي وصمتها القيادة السوفياتية بصفة دول تابعة (أو عميلة) للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. وقدم الجانبان تنازلات وتوصلا إلى حل وسط تمثل في قبول منح الجمهوريات السوفياتية ثلاثة مقاعد عضوية مستقلة لا 16 مقعدا. وما الذي جعل الولايات المتحدة توافق على الحل الوسط؟ لقد ظل فرانكلن روزفلت مدركاً، حتى وفاته في نيسان/إبريل من عام 1945، أن مجلس الشيوخ الأميركي لن يصادق إطلاقاً على الميثاق إن منحت كل من الجمهوريات السوفياتية الست عشرة عضوية مستقلة. ولكنه كان يريد، في نفس الوقت، مشاركة سوفييتية في جبهة الحرب في المحيط الهادئ. ولذا قبل الحل الوسط.
كما أنه قدم تنازلات إرضاء للدول الأوروبية الأخرى. وكان أحد هذه التنازلات متعلقاً بالمستعمرات. ذلك أن فرانكلن روزفلت لم يكن راغباً في بداية الأمر في وجود أي صلة تربط بين الأمم المتحدة ونظام الانتداب الاستعماري الذي كان معمولاً به في عصبة الأمم، ولكنه وافق رغم ذلك على إنشاء مجلس وصاية تابع للأمم المتحدة يكون هيئة من هيئات المنظمة الرئيسية. وتولى المجلس مسؤولية معظم الانتدابات القديمة التي كانت العصبة قد أقامتها. وساند رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرتشل، هذه الخطة طالما ظلت المستعمرات البريطانية مستثناة من سلطات وصاية الأمم المتحدة. وكان هناك تنازل مهم آخر مرتبط بفرنسا. فقد رضخ فرانكلن روزفلت، الذي كان يخامره شعور عميق بعدم الثقة تجاه قائد الفرنسيين الأحرار شارل ديغول، في نهاية الأمر للضغوط السوفياتية والبريطانية ووافق على منح مقعد في مجلس الأمن لفرنسا، رغم أن فرنسا، التي كانت قد استسلمت لألمانيا في عام 1940، لم تكن حليفاً رئيسياً إبان الحرب.
وكانت الساحة قد شهدت الكثير من التغيرات لدى حلول موعد اجتماع وفود الدول الخمسين في سان فرانسيسكو، في نيسان/إبريل- حزيران/يونيو 1945، لاستكمال صياغة الميثاق. فقد توفي فرانكلن د. روزفلت قبل أسبوعين فقط من انعقاد المؤتمر. وكانت ألمانيا قد أصبحت على وشك الانهزام. وكان قد تم طرد آخر ياباني من أيو جيما وبدأت المعركة لاحتلال أوكيناوا، مما وضع سلاح البحرية الأميركي على بعد 600 ميل فقط من الجزر اليابانية الرئيسية. وقد التقت القوات السوفياتية والأميركية على نهر إلبه في يوم افتتاح المؤتمر. ولربما كان من الحتمي أن يمهد نجاح الحلفاء العسكري الطريق أمام ظهور التنافس بين الحلفاء في فترة ما بعد الحرب. وقد أدى مؤتمر سان فرانسيسكو إلى تأجيل الحرب الباردة، ولكنه لم يحل دون وقوعها.
وكان هناك فارق مهم بين الوفود التي اجتمعت في سان فرانسيسكو وتلك التي كانت قد اجتمعت قبل ذلك بخمسة وعشرين عاماً في باريس لوضع ميثاق عصبة الأمم. فقد آمن حقاً الكثير من المندوبين إلى مؤتمر عام 1919 بإمكانية تحقيق هدف التوصل إلى عالم لا تقوم فيه الحروب (وإن لم يكن الفرنسيون الذين دكّتهم الحرب مقتنعين بذلك). وكان الكثير من الوفود مقتنعاً بإمكانية ردع الحكومات العدوانية عن القيام بما ظل يقوم به المعتدون منذ فجر التاريخ: مهاجمة جيرانهم، من خلال حشدهم لرأي و "حكم البشرية الأخلاقي." أما في سان فرانسيسكو، فكان الجو أكثر واقعية. واعتبرت فيه القوة العسكرية والاقتصادية التي تديرها الأمم المتحدة مفتاحاً للسلام في المستقبل لا الرأي أو الحكم الأخلاقي. وقد ذهب المندوبون حتى إلى حد إنشاء لجنة هيئة الأركان العسكرية التابعة للأمم المتحدة. والواقع هو أن هذه اللجنة ما زالت تعقد الاجتماعات إلى وقتنا هذا دون أن تتم إعارتها أي اهتمام ودون قيامها بأي مسؤولية.
والأهم من هذا هو أن المندوبين ضمّنوا الميثاق، وفقاً للمادة 51 الشهيرة، حق الدفاع عن النفس من خلال أحلاف عسكرية إقليمية. وقد مهدت المادة 51 الطريق القانوني أمام ظهور تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي (1949) وحلف وارسو (1955). ولكن ظل هناك دور للأمم المتحدة، لأن حق دولة ما في الدفاع عن نفسها يبقى ساري المفعول نظرياً إلى أن يتمكن مجلس الأمن الدولي من تولي أمر النزاع. ولم تقتصر المادة 51 على معالجة أمر حق الدفاع عن النفس بشكل عام. ولكنها شكلت أيضاً انتصاراً لأولئك الذين جادلوا في سبيل أحلاف الدفاع الإقليمية. ومن المثير للاهتمام هو أن دول أميركا اللاتينية، لا الدول الأوروبية، هي التي قادت المعركة في سبيل الترتيبات الأمنية الإقليمية وسلطة الدول الأصغر على حد سواء.
ويكفي أن نقول إن الولايات المتحدة مارست نفوذاً هائلاً في سان فرانسيسكو، وساعدها في ذلك التجسس على أعضاء الوفود الزائرة. فقد كان المسؤولون في حكومة ترومان مقتنعين بأن النتائج كانت من الأهمية والرهان كان من الضخامة بحيث لا يمكن السماح للأمور بأخذ مجراها. وكانت أهم تلك النتائج على الإطلاق مرتبطة بالاعتقاد بأن وجود عالم يعمه السلام يتوقف على التعاون بين الدول. فقد كان ذلك في نهاية الأمر هو الغرض الأساسي للأمن الجماعي. وكما قال الرئيس ترومان في خطابه عن حال الاتحاد في عام 1946: "إن الحقيقة الواضحة هي أن الأمم المتحدة أنقذت الحضارة في عام 1945....."
النجاح والفشل
لم ترقَ الأمم المتحدة إطلاقاً، كما سيظهر المقالان التاليان في سلسلة مقالات نشرة واشنطن الخاصة هذه، إلى مستوى التوقعات المرجوة. وقد بالغ مناصروها في تصوير ما انطوت عليه من وعد يبشر بالنجاح، تماماً كما بالغ مناوئوها في تصوير أخطارها. وعلاوة على ذلك، كبل الفيتو (حق النقض) يد مجلس الأمن خلال الحرب الباردة، وكانت عملية الأمم المتحدة العسكرية في كوريا الاستثناء الوحيد المهم. وقد لجأ السوفيات إلى استخدام الفيتو بشكل متكرر حتى حوالى عام 1970، في حين عمدت الولايات المتحدة إلى استخدامه منذ ذلك التاريخ. ولم يحل الفيتو (حق النقض) دون استخدام مجلس الأمن الدولي لآلية الأمن الجماعي التي يملكها في أماكن كفيتنام وأفغانستان فقط، ولكنه ولّد أيضاً شعوراً بخيبة الأمل لدى الكثير من الذين كانوا يؤيدون الأمم المتحدة في السابق.
ورغم ذلك، يجب ألا يحجب فشل الأمم المتحدة بشكل عام كمنظمة أمن جماعي عن أبصارنا نشاطها في ميادين أخرى تتراوح ما بين حقوق الإنسان إلى التنمية الاقتصادية.
وإن حقيقة كون مؤسسي المنظمة جعلوا المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومنظمة التربية والعلوم والثقافة جهازين رئيسيين من أجهزة الأمم المتحدة تبيّن الكثير بشأن عملها غير السياسي. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن دور الأمم المتحدة تغير كثيراً في الفترة الممتدة من عام 1945 حتى عام 1990. فقد أُطلقت تلك المنظمة في الأساس كمنظمة أمن جماعي حسب مبادئ ولسون، ولكنها تحولت بشكل متزايد إلى محفل مناوئ للاستعمار ومنتدى لفترة ما بعد الاستعمار، يتصف أحياناً بالمشاغبة والجدل العنيف المتهجم على آراء الآخرين. وقد حدث التغير مع رفع المستعمرات السابقة عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من 51 دولة في عام 1945 إلى 191 دولة عضواً اليوم. والأمم المتحدة، مثلها في ذلك مثل جميع المؤسسات الأخرى، هي نتاج ماضيها- وإن كانت غير أسيرة له. ولا يمكننا فهمها اليوم إلا من خلال فهم ماضيها.
* المقال الثاني
وكاتبة هذا المقال، روث ودغوود، هي أستاذة كرسي إدوارد بيرلنغ للقانون الدولي والدبلوماسية ومديرة برنامج القانون الدولي والمنظمات في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز بواشنطن، وقد وضعت المقال لنشرة واشنطن. وإلى نص المقال:
أول ما ينبغي على المرء الاحتراس منه في أي برنامج لإصلاح أكثر منظمات العالم شمولية هو الإفراط في طموحه محاولاً تحقيق المستحيل. فالإصلاح هو فن تحقيق الممكن، والأمم المتحدة غير مستثناة من هذه الحقيقة الأساسية. وينبغي أن تتجنب الجهود الإصلاحية، مثلها في ذلك مثل المنظمة نفسها، الوقوع في فخ الإفراط في قطع الوعود. ذلك أن قرار إصلاح مقترحاً ينوء تحت ثقل ما يزدان به من مئات الوعود بهدايا ترضي الجميع سيسقط من تلقاء نفسه تحت وطأة ثقلها.
كما أنه من الضروري أيضاً إجراء تقييم صريح للفوائد المتأتية عن الأمم المتحدة مقارنة بغيرها من المنظمات، أي التوصل إلى تحديد ما تحسن الأمم المتحدة القيام به، وما ينبغي تركه لأجهزة أخرى. ولربما كانت قد ظهرت، في نهاية الحرب العالمية الثانية، لحظة ساذجة من الآمال المعسولة، بدا أثناءها من السهل الافتراض بأن الأمم المتحدة ستوفر الآلية الواحدة الوحيدة اللازمة لحل المشاكل المشتركة. وقد أظهرت الصعوبات التي ظهرت منذ ذلك الحين، في عمليات حفظ السلام في البوسنة ورواندا وأماكن أخرى، بكل وضوح دور الدول القومية المحوري في توفير الأمن الجماعي. وفي حين أنه يمكن لبرامج الإصلاح أن تشير إلى وجود واجب دولي بحماية الناس من الإبادة الجماعية، إلا أنه يتعين على الواقعيين أن يدركوا ويواجهوا حقيقة كون قلة من الدول فقط هي التي تعرض المساهمة بقواتها أو الإنفاق على القدرات العسكرية الضرورية لمثل هذه المهمات.
كما أنه ينبغي علينا أيضاً أن نقر بالدور العام الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في توفير المعلومات ونشر المبادئ وقواعد السلوك التي تدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد ازداد عدد المؤسسات الدولية هو أيضاً، بحيث ظهرت إلى الوجود آليات تعاونية أخرى لوضع الأهداف والمراقبة في مجالات كالتجارة والأعمال المصرفية وقواعد السلوك الخاصة بحقوق الإنسان والصحة الدولية وتقليص الفقر. وبإمكان المؤسسات الإقليمية والمجموعات الخاصة وغير ذلك من أشكال التنسيق الأفقي أن تعمل بدون الرجوع إلى نقطة مركزية واحدة، علاوة على كونها تملك قدرات جديدة في عصر الاتصالات الفورية. وبالتالي فإن وجود مشكلة لا يعني أنه من الضروري حلها في مقر الأمم المتحدة.
وهناك أيضاً فوائد مهمة متأتية عن العضوية العالمية الشاملة في الأمم المتحدة وعن القواعد المتبعة في الاجتماعات والعمل. ذلك أنه يمكن للأمم المتحدة أن توفر مكاناً هادئاً ملائماً لإجراء الاتصالات الثنائية، وموضعاً محايداً للمفاوضات، ومنتدى يشكل فيه شكل الطاولة عقبة أقل أهمية من تلك التي يشكلها في محافل أخرى. وما زالت الأمم المتحدة متمتعة بهيبة أخلاقية اكتسبتها نتيجة للدور الذي لعبته في دفع عجلة فكرتي حقوق الإنسان والديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية. (والواقع هو أن تعبير "الأمم المتحدة" استعمل لأول مرة في عام 1942 للإشارة إلى الحرب ضد الفاشية- إلى تحالف من الدول الباسلة التي قامت بحماية الفلسفة الإنسانية ضد تهديد مهلك.) وما زال ميثاق (أو شرعة) الأمم المتحدة يمنح سلطات حاسمة الأهمية للحلفاء الخمسة السابقين في الحرب العالمية، بوصفهم أعضاء مجلس الأمن الدائمين المتمتعين بحق الفيتو، ويمنح المجلس سلطة قانونية استثنائية بفرض العقوبات وإلزام الدول الأخرى (على التقيد بإجراءات) من خلال قرارات يتم اتخاذها بناء على الفصل السابع. أما في الحالات الأقل إلحاحية من الناحية الزمنية، فتشكل الجمعية العامة المكان الرئيسي لصياغة المعاهدات متعددة الأطراف. فما هي إذن أكثر التحديات إلحاحية بالنسبة لمستقبل الأمم المتحدة كمنظمة فعالة؟
حقوق الإنسان
لعل أنجح أعمال الأمم المتحدة كان معيارياً، من خلال إعادة تأكيدها لحرمة الإنسان الفرد. ذلك أنه كان من المهم جداً بعد الحطام الذي خلفته الحرب العالمية أن تتم إعادة التأكيد بأنه لا يمكن التضحية إطلاقاً بالأفراد من البشر في سبيل إيديولوجية إرهابية. وقد أقرت الجمعية العامة بالإجماع، في عام 1948، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أعلن مجدداً الحقوق الأساسية المكفولة لكل إنسان، وقد أصبح هذا القرار بالغ الأهمية. وتمم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اتفاقات حقوق إنسان متخصصة، مثل الميثاق الدولي للحقوق السياسية والمدنية.
وعليه، فمن المؤسف أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والتي تم إنشاؤها لمراقبة تقيد الدول، تحولت على مر السنين إلى كرنفال من النقد السياسي اللاذع والنقاش المسرحي المتكلف. وقد اغتصبت إجراءات اللجنة لتحديد انتهاكات حقوق الإنسان المنتظمة الفادحة دول ذات سجلات سيئة في هذا المجال. ذلك أنه يتم اختيار أعضاء اللجنة عن طريق نظام من التنازلات السياسية الإقليمية، تحتل فيه الدول مقعدها على أساس دوري بشكل لا يعكس من قريب أو بعيد مؤهلاتها القيادية في هذا الميدان.
وقد اقترح الأمين العام إلغاء اللجنة، والانطلاق من بداية جديدة بتشكيل مجلس حقوق الإنسان. وقد اتخذت واشنطن موقفاً حكيماً بمصادقتها على الفكرة. ذلك أنه يمكن لرمزية البداية الجديدة أن تساعد في استرداد مثالية قادة حقبة ما بعد الحرب من أمثال رينيه كاسان وإليانور روزفلت، وفي التشجيع على إعطاء مزيد من الاهتمام للعمل المثمر الذي تؤديه المساعدات الفنية والاقتراحات العملية. وقد يؤدي اختيار أعضاء مجلس حقوق الإنسان بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة إلى التخلص من بعض أسوأ المفسدين. ولا شك في أنه من الممكن أن يوفر اعتماد توصيات لجان مراقبة تطبيق الاتفاقيات (كلجنة حقوق الإنسان، التي تخدم فيها كاتبة هذا المقال) كأساس لعمل المجلس بيئة أكثر حيادية لتقييم الدول. وللمفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة دور أساسي في وضع جدول الأعمال الخاص بحقوق الإنسان، ويمكن تعزيز قدرات المفوضة الحالية من خلال دعم أكبر في الميزانية. وهناك اختلاف في الرأي حول ما إذا كان ينبغي أن يكون مجلس حقوق الإنسان في حالة انعقاد دائم على مدار العام، نظراً لكونه سيكون من الصعب إقناع عواصم الدول الأعضاء بإرسال وفود رفيعة المستوى لمثل هذه الفترة من الوقت. إلا أنه من المفيد الانطلاق من بداية جديدة عندما تكون روح المؤسسة قد انهارت إلى هذا الحد.
كتلة الديمقراطية
يمكن للمرء أن يتساءل أيضاً عن السبب الذي يدعو إلى تقليص منظمة عالمية شمولية كالأمم المتحدة في أي وقت من الأوقات إلى مجموعة من المناطق الإقليمية. ويمكن في الكثير جداً من الأحيان تفسير القرارات المتخذة والانتخابات التي تتم في مقر الأمم المتحدة من خلال العُرف المتبع في تقديم تنازلات سياسية ضمن تكتلات إقليمية. وتشجع الأمم المتحدة على هذا من خلال التعهد بتقديم تعيينات ومناصب على أساس إقليمي. وهذه عودة غريبة إلى ممارسات سلفية. فدول الكومنولث البريطاني ما زالت ممتدة حول العالم، وهناك دول أخرى تتشاطر لغات وثقافات مشتركة في ما بينها، بغض النظر عن موقعها الإقليمي. وهذا دليل على إمكانية اتباع طرق أخرى في تنظيم العالم.
وقد يتساءل المرء عما إذا كان بإمكان دور الديمقراطية وأنظمة الحكم الدستورية أن يكون مبدأ له نفس القوة التنظيمية (كالمجموعات الإقليمية) ضمن سياسات الأمم المتحدة. وينبغي أن تكون القيم المشتركة بين الديمقراطيات بمثابة تذكرة لأعضاء كتلة ديمقراطية بأن عليهم واجبات خاصة متميزة من حيث كيفية استخدامهم لقوتهم السياسية في الهيئات الدولية. ويتعين على الأمم المتحدة أن تتوصل إلى إقامة توازن بين حسنات الشمولية من جهة والإخلاص للقيم التي تقوم عليها من الجهة الأخرى.
وفي هذه الأثناء، وطالما ظلت المجموعات الإقليمية هي الموضع الذي يتم اختيار المرشحين وتنظيم التكتلات على أساسه، فإنه ينبغي السماح لكل دولة، بما في ذلك إسرائيل، الانضمام إلى عضوية مجموعة إقليمية ما. وتقع على كاهل مجموعة دول أوروبا الغربية ودول أخرى مسؤولية خاصة في هذا المجال، وقد أفرط أعضاء الاتحاد الأوروبي في استخدام عذر توسعة الاتحاد الأوروبي أو بواعث القلق بشأن المساعدات البنيوية للحيلولة دون القيام بهذه الخطوة المنصفة.
الشفافية والمساءلة
هناك تغير جذري ثالث لاستعادة مثالية الأمم المتحدة هو الشفافية والمساءلة والمحاسبة. فالممثلون المنتَخبون في الدول الديمقراطية يرغبون في معرفة كيفية استخدام أموال دافعي الضرائب. وينطبق هذا أيضاً على الأموال التي تدفع للأمم المتحدة، سواء بناء على الميزانيات العامة التي يتم تحديدها في الجمعية العامة أو كتمويل تطوعي لوكالات مسؤولة عن مساعدة اللاجئين أو التنمية أو صحة الأحداث. ومن الضروري أن تتعلم الأمم المتحدة كيفية إقامة علاقات طيبة مع المجالس التشريعية الحديثة، من خلال جعل عملياتها على أكبر قدر ممكن من الشفافية والخضوع للمساءلة والمحاسبة. وفي حين أنه يتم وضع الميزانية العامة للأمم المتحدة في الجمعية العامة، إلا أن توزيع المخصصات يتم بعيداً عن الأضواء على يد مجموعة مغمورة هي "اللجنة الاستشارية لمسائل الإدارة والميزانية." وسيكتشف مشرّع يشعر بالقلق بشأن كفاية عملية حفظ سلام ووفائها بالمراد أنه لا الأمين العام ولا رئيس الهيئة الخاصة بتأدية المهمة مخول إعادة توزيع الموارد الضرورية. وفي أحيان كثيرة جداً، تنجذب الأمم المتحدة نحو تجنب الإجابة عن الأسئلة المشروعة التي تطرحها الهيئات التشريعية في الدول التي تدفع تكاليف المنظمة، على أمل أن تتمكن من الوفاء بمتطلبات العملية الديمقراطية من خلال التحدث إلى جمهور من السفراء. وعليه فإن "عجز الديمقراطية" الذي ابتلى الاتحاد الأوروبي به ليس مرضاً يمكن للأمم المتحدة الادعاء أنها محصنة ضده.
وكذلك تتوقف إعادة تجديد الدعم المالي القومي للأمم المتحدة هي أيضاً على المساءلة والمحاسبة المالية والاستخدام السليم للأموال. ومن المخيب للأمل أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى ضمان مُرض على أنه يتم استخدام الأموال بالشكل الملائم ضمن الميزانيات النظامية العامة وميزانيات حفظ السلام. وقد يكون من الصعب الحصول على عمليات تدقيق رسمي فوري للحسابات أثناء إنفاق الأموال نظراً لكون الأمم المتحدة تضطر في كثير من الأحيان إلى إنفاق المال بسرعة وفي أماكن نائية لسد الاحتياجات الناجمة عن أحوال طارئة. إلا أن أحد أساليب السعي لتطبيق المحاسبة في البيروقراطيات الحديثة يتم من خلال وظيفة المفتش العام. ومكتب خدمات الإشراف الداخلي (أو المراقبة الداخلية) في الأمم المتحدة هو بديل المفتش العام الذي أقامته الأمم المتحدة. إلا أن معارضة الجمعية العامة لتخصيص أكثر من عشرة محققين لمراقبة كيفية إنفاق 11 ألف مليون دولار في الميزانية السنوية العامة النظامية والتمويل الطوعي سلبت حتى هذا المكتب فعاليته. ويحتاج مكتب خدمات الإشراف الداخلي إلى عدد أكبر بكثير من المحققين وإلى التدريب المهني في التدقيق في الحسابات وأساليب التحقيق وإلى الصلاحية للتدقيق في ما تنفقه جميع الوكالات وبعثات حفظ السلام التي تمولها الأمم المتحدة. كما يجب أن تكون تقارير المفتش العام متوفرة لجميع الدول الأعضاء ذات الاهتمام المشروع بها، لا أن تذوي دون اتخاذ أي إجراءات بشأنها داخل المنظمة. ومن شأن هذا أن يحمي الأمين العام أيضاً من أي ضغوط غير ملائمة قد تمارسها عليه الدول والأشخاص الذين يتمتعون بحمايتها. ويجب أن تتسم عمليات تدقيق الحسابات وتفحصها بقدر من الاستقلالية المهنية من العواصف التي تهبّ كالدوّامات في الجمعية العامة، وفي المجلس الاجتماعي والاقتصادي، وحتى في مكاتب الإدارة التابعة للأمين العام على الطابق الثامن والثلاثين (في مبنى مقر الأمم المتحدة).
ولا شك في أن فضيحة النفط مقابل الغذاء تثبت الحاجة إلى معايير معقولة للكشف أو الإفصاح عن المركز المالي (للمسؤولين) وإلى تجنب تضارب المصالح بين مزوّدي البرامج وهيئة موظفي الأمانة العامة. وتفوق البرامج والمهمات التي نص عليها مجلس الأمن في بعض قراراته الأكثر طموحاً قدرات الإشراف التي يتمتع بها أعضاء المجلس بكثير. وقد دققت لجنة تحقيق فوق العادة يرأسها بول فولكر، وهو رئيس سابق لمجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأميركي)، في بعض عمليات برنامج النفط مقابل الغذاء البالغ الضخامة. وقد دقت اللجنة ناقوس الخطر في ما يتعلق بالطريقة العاصية غير المطواعة التي أُدير بها برنامج الغذاء مقابل النفط الذي بلغت قيمته آلاف الملايين من الدولارات، بما في ذلك حالات فساد بين موظفي الأمم المتحدة.
ولكن الإنذار الحاد الذي أصدرته تقارير لجنة فولكر، مثل "الساعة التي دقّت مؤذنة حلول الساعة الثالثة عشرة،" أثارت التساؤلات حول كل ما كان قد جاء قبلها، عندما لم يكن هناك من يراقب الأمور. وتثبت تقارير لجنة فولكر ضرورة وجود قدرة تدقيق حسابات خارج الأمانة العامة نفسها، وحتى ضرورة وجود سلطة مستقلة لاقتراح الإحالة إلى القضاء الجنائي. فعمل الأمم المتحدة من الأهمية بمكان، والأموال شحيحة بقدر، ينبغي ألا يسمح معهما لأي مناخ من محاباة الأصدقاء وأفراد العائلة بتقويضه.
إصلاح الموظفين
إن نظام إدارة شؤون الموظفين في الأمم المتحدة فاشل في أداء وظيفته على النحو الملائم، ومن الممكن أن يعرقل هذا تأدية البرامج ومنظمة قادرة على التكيف. وقد تولى الإدارة في الأمم المتحدة كثيرون من الإصلاحيين، ولكنهم غادروها وقد قطعوا الأمل في وجه صعوبة تغيير القيود التي فرضتها الجمعية العامة على إدارة شؤون الموظفين. وتدور القضية هنا حول أكثر من الوظائف. ذلك أنها تدور حول البحث عن أفضل موظفي الأمم المتحدة- حول العثور على الأشخاص الذين يقدّرون أهداف الأمم المتحدة لا العلاوات التي تمنحها، على أشخاص سيبقون في العمل بعد (انتهاء الدوام في) الساعة الخامسة، ويكيفون الإجراءات الشكلية لتلائم طبيعة المهمة. وتعتمد الأمم المتحدة حالياً نظام عقود دائمة، ولكنها تحظر على أي شخص التقدم للامتحان الخاص بتولي وظيفة فيها ما لم يكن يحمل جنسية مستوى تمثيلها في المنظمة "أدنى من المستوى" المحدد لها في حقل اختصاص معين. ولا يمكن أن يتجاوز عمر المتقدم لطلب وظيفة 32 عاماً، وعليه فإن هذه القوانين قد تستثني حتى الخريجين الأذكياء من الانضمام إلى هيئة موظفي المنظمة. كما أن نظام العقود الدائمة يشكل هو أيضاً بحد ذاته نظاماً يحتمل النقاش وإعادة النظر فيه، لأنه يحول دون قيام المنظمة بتوظيف موظفين جدد يمتلكون مهارات جديدة. وتتبع الأمم المتحدة نظام تقاعد قسري لدى بلوغ سن الثانية والستين، وقد علق مسؤول سابق في دائرة شؤون الموظفين على ذلك النظام بسخرية لاذعة قائلا "وكيف كان سيمكننا التخلص منهم لولا ذلك؟"
ويجب أن تتمتع الأمم المتحدة بالقدرة على توظيف مهنيين في أواسط حياتهم المهنية من مؤسسات الأعمال الخاصة ومن القطاع العام، يمكنهم جلب أحدث الممارسات إلى الأمم المتحدة وجعل منظورها عصريا. وعلاوة على ذلك، من الضروري أن يتمتع الأمين العام بسلطة نقل الموظفين إلى البرامج الأكثر إلحاحية في المنظمة، لا المحافظة على وظائف ثابتة لا لزوم لها. كما أنه من الضروري أن يتمتع رؤساء الوكالات والدوائر والمهمات التابعة للأمم المتحدة ببعض حرية التصرف في توظيف كبار المسؤولين لديهم، ثم يحاسبون على تأدية الفريق، بدل أن يتم تعيين الموظفين بطريقة عشوائية. وأخيراً لا آخراً، يجب على الأمم المتحدة أن تستخدم مواهب النساء المهنية بشكل فعال، وأن تعالج مناخ عمل اشتهر بسمعته السيئة في ما يتعلق بالمضايقات الجنسية وعدم المساواة في تخصيص المهمات والفشل في البحث عن أكثر المرشحات ملاءمة للوظائف القيادية.
لجنة السلام وتعزيزه
هناك ثغرة مؤسساتية أخرى تحتاج إلى الإصلاح هي مشكلة الانتقال في مرحلة ما بعد النزاع المسلح. فهناك وكالتان فعالتان جداً تابعتان للأمم المتحدة- مكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي-مجهزتان لإرسال مساعدات الطوارئ في أعقاب وقوع كارثة أو نزاع مسلح. في حين أنه يمكن لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية المساعدة في الخطط الاقتصادية الطويلة الأمد. إلا أنه لا توجد أي وكالة كُلفت بمهمة خلال الثغرة الزمنية الواسعة الممتدة ما بين تقديم مساعدات الطوارئ والأمد الطويل. وكان قد تم اقتراح تشكيل لجنة إحلال السلام وتعزيزه كمكان لتنسيق المساعدات وعقلنة مساهمات المنظمات غير الحكومية والدول المانحة. كما أن مناصب اللجنة القيادية قد توفر حافزاً مفيداً يدفع الدول إلى تقديم المساهمات. إلا أنه ينبغي التحرك نحو تشكيل لجنة سلام بحذر واحتراس لضمان كونها لن تصبح مجرد منسق للمنسقين- أي واحدة من وكالات الأمم المتحدة الكثيرة جداً المتساوقة مع تسجيل النقاط وإصدار الإحصاءات أكثر منها مع التأدية.
وفعالية الأمم المتحدة محلياً، لا الأحاديث في نيويورك، هي موضع اهتمام المحتاجين أكثر من أي شيء آخر. وتحدث أعظم إسهامات الأمم المتحدة في الميدان، من المساعدة في الطوارئ البشرية حتى وكالات الإغاثة كصندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونسف) وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية والمفوض السامي لشؤون اللاجئين. وقد عين الأمين العام، في النزاعات المسلحة المستمرة، "ممثلين خاصين" مرموقين يتحلون بالقدرات الخلاقة من مختلف دول العالم، بينهم الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي (لخضر براهيمي) والدبلوماسي ألفارو دي سوتو من بيرو، للقيام بأدوار أساسية في التوصل إلى تسويات سلمية في مناطق نزاعات مسلحة. ويمكن للجنة إحلال السلام وتعزيزه أن تكون مكملة لأعمال هؤلاء المبعوثين.
توسعة مجلس الأمن
ما من شك في أن هيكلية مجلس الأمن الدولي ستظل موضوعاً للنقاش والاهتمام الدائمين بين الدول الساعية إلى البروز السياسي الملحوظ. إلا أن السماح لهذا الموضوع بأن يصبح الشرط الضروري الذي لا يمكن إصلاح الأمم المتحدة بدونه سيكون مجرد شرك وتحويل للانتباه. وهناك مشاكل واضحة في ما يتعلق بتوسعة مجلس الأمن. فمجلس أمن أكبر من المجلس الحالي سيحتاج إلى وقت أطول للتوصل إلى القرارات، وستستغرق المناقشات فيه فترة أطول وتمتد حتى ساعة متأخرة أكثر في الليل. كما أنه من السهل أن تتحول النزاعات بين المناطق المختلفة بشأن مكافأة المقاعد الدائمة إلى خاصية ممزقة في سياسة الأمم المتحدة، مما يحول الانتباه عن الأزمات الحقيقية.
وعلاوة على ذلك، فقد تغير توسعة المجلس من القرارات التي يمكنه اتخاذها. فبعض الدول الساعية إلى الانضمام إليه كانت تمانع في استخدام القوة العسكرية لأي غرض، وبعضها الآخر يعارض التدخل في الحروب الأهلية على أساس سيادة الدولة. ولا تستطيع المنظمة نشر قوات حفظ سلام بدون تكليف، وستصوت الدول في أحيان كثيرة بشكل ينسجم مع ما تعتبره مصلحتها القومية.
وبالتالي، فإن إصلاح هيكلية المجلس بشكل غير متقن قد تقع فريسة لمبدأ "العواقب غير المقصودة"، وينتهي به الأمر بأن يضعف من قدرة الأمم المتحدة على اتخاذ الإجراءات. وقد تصبح الدول الديمقراطية القادرة على اتخاذ إجراءات فعالة، وحدها- في حالات إلحاحية أخلاقية أو عملية- أقل ميلاً إلى رفع القضايا إلى مجلس أمن يكبّله التردد في اتخاذ القرارات أو الآراء المتباينة. ومن المفارقات أن توسعة المجلس يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الإجراءات المتعددة الأطراف، ويجب بالتالي تقييمها بكل دقة.
خلاصة
يمكن لعناوين الأنباء المحيطة بالمنظمة أن تساعد في تحسين عمليات الأمم المتحدة. فقد أظهر عقد التسعينيات من القرن الماضي ما تؤدي إليه عمليات حفظ السلام غير الفعالة من عواقب مأسوية. وتثبت الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن وإسطنبول ولندن ومدريد وبالي وبيسلان ما للسيطرة على انتشار أسلحة الدمار الشامل من أهمية بالغة. وتوضح مشاهد الفقر المؤثرة في العالم، والصلة بين الحكم الرشيد والنمو الاقتصادي، محورية حماية حقوق الإنسان والديمقراطية. كما يثبت الخلاف حول برنامج النفط مقابل الغذاء أن المعايير الائتمانية العالية ضرورية للمحافظة على الثقة والدعم.
ولكن المنظمات المتعددة الأطراف، مثلها في ذلك مثل المجموعات الاجتماعية الأخرى، تتواجد في بيئة تنافسية. ويجب على الأمم المتحدة، مثلها في ذلك مثل أي شخص بلغ الستين من العمر، أن تحافظ على رشاقتها وصحتها وأن تحصر طعامها (بما لا يؤدي إلى ترهلها) كي تبقى الأولى بين أقرانها.
* المقال الثالث
أما المقال الثالث فكان بعنوان "الأمم المتحدة: محصلة ديناميكية"، وكتب إدوارد لوَك، أستاذ ممارسة الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا ومدير مركز التنظيم الدولي فيها. وفي كتب يقول:
عيد الميلاد الستون عادة هو مناسبة للتأمل لا للاحتفال. وهو بالنسبة للمؤسسات، تماماً كما هو بالنسبة للبشر، شاهد على طول العمر ولكنه، في الوقت ذاته، حدث يثير الكثير من التساؤلات المزعجة حول الطموحات التي لم يتم تحقيقها والفرص التي لم يتم اغتنامها والتحديات التي يحملها المستقبل. أما بالنسبة للأمم المتحدة، فيشكل عيد ميلادها الستون هذا لحظة مناسبة لإجراء عملية تقويم صادقة نزيهة في الوقت الذي تواجه فيه، لسوء حظها، فضيحة تنكشف أسرارها بتدرج بطيء وطلباً لم يسبق له مثيل من قبل الدول الأعضاء فيها على خدماتها الواسعة النطاق. فما هي المحصلة التي حققتها الأمم المتحدة حتى الآن؟ وإلام يشير هذا النمط من الإنجازات والفشل بالنسبة للمستقبل؟
لقد أعلن مؤسسو الأمم المتحدة في عام 1945 برنامج عمل طموحاً واسعاً للمنظمة الدولية الجديدة. فقد نصت المادة الأولى في ميثاقها على أن القصد منها هو خدمة أربعة أغراض متداخل أحدها بالآخر: 1) حفظ السلم والأمن الدوليين؛ 2) تنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس مبدأ احترام الحقوق المتساوية للشعوب وحقها في تقرير مصيرها، واتخاذ الإجراءات الأخرى الملائمة لتعزيز السلام العالمي؛ 3















التعليقات