73%من المشاركين توقعوا الاتجاه نحو الفوضى
إيلاف ترصد تشاؤماً منطقياً حول مستقبل المنطقة


كتب ـ نبيل شرف الدين: إلى أين يمضي العالم العربي في ظل الصراعات والتجاذبات الحالية؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحته (إيلاف) على قرائها في استفتاء هذا الأسبوع، وهو ـ كما يبدو للوهلة الأولى ـ من طراز الأسئلة الكونية العويصة، لكن الإجابات، وبالأحرى الخيارات التي ذهبت إليها أغلبية المشاركين لم تكن خارج دوائر التوقعات لأي مراقب لأحوال المنطقة الأكثر تعاسة في العالم، وهي بالطبع منطقة الشرق الأوسط.

ففي وقت تتدفق فيه أنهار الدم العراقي وسط مشهد بلغ من التعقيد حداً يصعب معه فهم أبعاده، وبينما تتواصل عمليات الاغتيالات السياسية في لبنان في سياق حالة استقطاب حادة بين فريقين كبيرين، بغض النظر عن عناوين ومسميات كل فريق التي يطلقها على نفسه، أو يطلقها عليه خصومه، وفي مصر يبدو المجتمع برمته كأنه يرقد على برميل بارود يتأهب للانفجار في أي لحظة، رغم ما يبدو عليه الشكل الخارجي من استقرار، غير أن حالة من الاحتقان العصابي لا يمكن أن تخطؤها عيون المتابعين عن كثب للبلد الذي ظل طيلة القرن الماضي ـ على الأقل ـ مصدر استنارة وملهماً للتقدم والتقدميين في المنطقة كلها، وهو يتجه الآن بكل ضراوة صوب التعصب والتطرف، لدرجة قامت معها الدنيا ولم تقعد لمجرد أن وزيراً أبدى رأياً في قضية اجتماعية، وللمرة الأولى تتحد فيها آراء الأغلبية الحاكمة مع الأقلية المعارضة تحت قبة البرلمان، ويجمع الساسة والفقهاء والمتربصون والادعياء وغيرهم على ضرورة إقالة الوزير، ونعود إلى أسئلة القرن التاسع عشر مجدداً، لنتساءل عن هوية الدولة وما إذا كانت مدنية أو دينية، وحدود ولاية الفقيه في صياغة القرار السياسي .

وفي السودان تطل أشباح الانفصال من كل حدب وصوب، فالجنوبيون لا يبدو أنهم سيختارون الوحدة، رغم كل ما وقع من اتفاقيات، لكن حين تأتي اللحظة الفاصلة التي سيقررون خلالها إن كانوا يفضلون خيار الوحدة أو الانفصال، لا يمكن لكائن من كان أن يجزم أو يقطع بأنهم سوف يختاروا الوحدة حتى الآن، وفي الغرب حيث مأساة دارفور تتسارع أحداثها ويجري تدويلها، وتخرج من قبضة السلطة وربما الإقليم، لتدخل في دوائر أممية لا يعرف المرء معها إلى أي مدى يمكن أن تنتهي.

وفي الصومال حيث quot;اللادولةquot; في مواجهة طالبان جديدة، وفي اليمن حيث تخوض القبيلة وأخلاقها وقيمها حربا مستعرة ضد الدولة ومؤسساتها، وفي الشام حيث تبدو عليها أعراض نهايات العهود، وآخر أيام الاتحاد السوفيتي، وفي ليبيا التي يمتزج فيها العبث بالشر، واللامعقول بالخيار المر وهو التيار الإسلامي المتربص، الذي يطرح نفسه بديلاً لنظام ينتقل من مغامرة إلى أخرى، ويضرب بالمنطق عرض كل الحوائط، وفي المغرب العربي حيث يحاصر الغموض المستقبل لدرجة ضبابية وسط كل هذا المشهد كان منطقياً أن تختار غالبية قدرها 73% من بين المشاركين خيار التنبؤ بأن المنطقة تتجه صوب الفوضى والحروب، هذا ما رآه عدد من المشاركين بلغ (5825) مشاركاً، من أصل نحو ثمانية آلاف مشارك، وتحديداً (7959) مشاركاً في استفتاء (إيلاف) هذا الأسبوع .

ومقابل هذه النسبة الكاسحة الحاسمة، فقد ذهبت نسبة لا بأس بها قوامها 15% وعددها (1233) مشاركاً، إلى خيار (راوح مكانك)، بمعنى إعادة إنتاج الأوضاع السيئة، من دون الوصول إلى حد الفوضى، أو التجرؤ على مجرد الحلم بالتنمية والاستقرار، بالنظر إلى أن هذه طبيعة الأشياء في المنطقة منذ قرون، أن تظل تراوح في موضعها من دون أمل، ولكن أيضاً من دون خراب شامل.

وتراجعت نسبة المتفائلين إلى أدنى حدودها، إذ لم تتجاوز التسعة بالمائة، وهي النسبة التي يمثلها عدد قدره 678 مشاركاً، توقعوا أن يمضي الشرق الأوسط إلى خيار التنمية والاستقرار، على الرغم من كل ما يحيط به من أوضاع معقدة، وأزمات لا حصر لها، وبتقديرنا فإن مجرد وجود هذه النسبة المتواضعة في خندق التفاؤل والأمل هو أمر إيجابي في حد ذاته، لأن هؤلاء برأيي المتواضع هم شموع المستقبل، فإذا سلمنا جميعاً باليأس فإننا لن نفعل شيئاً، إذ يبدو وقتها أنه لا معنى لأن يقدم المرء على أي فعل، ما دام الأمر محسوماً لصالح الهزيمة المسبقة.

وأخيراً تبقى نسبة (اللا أدريين) في معدلاتها المعتادة في مثل هذه الاستفتاءات، وحيال تلك القضايا، إذ لم تتجاوز نسبة من اختاروا إجابة (لا أدري) الثلاثة بالمائة، أي (223) مشاركاً فقط، وإن كان أصحاب هذا الخيار على تواضع عددهم هم الأكثر اقتراباً للصواب، إذ أن ضبابية المشهد تقطع بعدم اليقين، وغموض المستقبل يجعل من الجواب بـ (لا أدري) التزاماً بالحكمة، وربما هو الحكمة بعينها.