قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مخاوف من تأثيره على الأوضاع الإقتصادية
موريتانيا: آراء متباينة من الإنقلاب في ظل إعلام موجه

أحمد ولد إسلم من نواكشوط: بعد ثلاثة أيام من الانقلاب العسكري في موريتانيا، بدت العاصمة نواكشوط في هدوء كامل، لا شيء يدل على حدوث انقلاب قبل أيام ، الموظفون في مكاتبهم، والباعة في متاجرهم، والمتسولون عند ملتقيات الطرق، كل ينهمك في عمله اليومي، ولولا العربات العسكرية المرابطة أمام مبنى الإذاعة الوطنية، والتلفزة الموريتانية، ما عرف أحد أن رأس النظام تغير.

ثلاثة أيام بعد الانقلاب، كانت كفيلة ببناء كل شخص تصوره الخاص به مما حصل في البلاد، رغم أن المؤسسات الإعلامية الرسمية، وهي إحدى وسائل بناء الرأي العام، في قبضة العسكريين منذ اليوم الأول.

إيلاف قامت بجولة في شوارع العاصمة نواكشوط راصدة رأي المواطن الموريتاني في تغيير نظام الحكم في بلده..فجاءت الآراء متباينة تماما، كالتالي:
الشيخ (سائق تاكسي): لست نادما على رحيل ولد الشيخ عبد الله،فلم يحقق خلال فترة حكمه أي إنجاز يجعلنا نتعلق به، لكني ضد التدخل العسكري، إنه تدخل يفقدنا، السمعة التي حظينا بها في الخارج، بعد الديمقراطية الوليدة، ..شخصيا لن أصدق أي وعد يطلقه هؤلاء، فقد أكدوا في المرة الماضية عدم تدخلهم في الشأن السياسي، ثم اعترف الرئيس أنهم دعموه، وهاهم يطيحون به، ..من سيصدقهم من جديد..؟

براهيم( بائع هواتف نقالة): مرت علي ثلاثة أنظمة وأنا في هذا المحل، كان لدي دخل يومي بين 20 و30 ألف أوقية، ولكن منذ مجيء ولد الشيخ عبد الله توقف كل شيء، انعدمت السيولة في السوق، فكنت أعود إلى البيت مرات دون نقود، لذلك أنا مع الانقلاب، على الأقل سأكون أفضل حالا من فترة سيدي ولد الشيخ عبد الله.

علي با (بائع أغلفة الهواتف): أنا ضد الانقلاب...أمام هذه الطاولة الصغيرة كنت أجلب قوت عائلتي، في يوم الانقلاب لم أستطع أن أبيع شيئا..وأنا لا أحس بالأمان، قد ينفجر الوضع في أي لحظة بانقلاب جديد.. الديمقراطية أفضل..علينا احترام خيار الشعب.. أنا ضد الرئيس السابق.. لكني أيضا ضد الانقلاب.
محمد (بائع بطاقات تزويد متجول): أنا مع الانقلاب،لأننا نحتاج رجلا يحكم بنفسه، لا رجلا تحكم زوجته، هؤلاء العسكريون تدخلوا في الوقت المناسب، خلال سنة واحد فقط تحكمت عائلة ولد الشيخ عبد الله في كل شيء، تصور لو أكمل عهدته،hellip;أريد فقط من الجيش أن ينظم انتخابات نزيهة هذه المرة، ثم يأتينا رئيس قوي يحكم بنفسه لا بزوجته، ولا يتحكم فيه العسكر.

مريم (متسولة أمام أحد البنوك): لا يهمني من يحكم موريتانيا، كل ما أطلبه هو أن يخفض الحاكم الجديد الأسعار، لم أعد قادرة على العيش، هناك أسر كثيرة تبيت ليال متتالية بلا طعام، النقل أصبح غاليا بفعل ارتفاع أسعار البنزين، وكذلك الخبز والأرز..أنا أدعم كل من يخفض الأسعار..ما يهمني هو ظرف ملائم للعيش ما تبقى من حياتي..لا أكثر.

الإعلام الرسمي..صوت واحد
أول إجراء اتخذه العسكريون قبل إعلان انقلابهم، هو قطع بث التلفزة الموريتانية، والإذاعة، وما تزال لليوم الرابع سيارات عسكرية ترابط أمام المبنيين،وعلقت كل البرامج الإذاعية والتلفزيونية، لتتحول إلى طاولات مستديرة، ضيوفها حصريا من الشخصيات المساندة للانقلاب، كرؤساء الأحزاب والجمعيات والصحفيين الذين دعموا الانقلاب بوصفه حركة تصحيحية.

وما يزال البحث جار لحد الساعة عن المدير العام السابق للإذاعة السيد محمد كابر ولد حمودي، الذي كان النواب المساندون للعسكر يتهمونه بمحاباة النظام السابق، وعدم تغطية أنشطتهم المناوئة للرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.

وقد خصصت الإذاعة والتلفزيون والوكالة الموريتانية للأنباء، حيزا زمنيا لبيانات التأييد والمساندة للانقلاب، مهما كان مصدرها، وتقوم المؤسسات الثلاثة بجولات ميدانية يومية، لتسجيل أصوات المساندين للانقلاب، فيما تم تجاهل جميع الأنشطة التي نظمتها ما بات يعرف بالجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وهو ما كان مثار احتجاج من أحزاب الجبهة المناوئة للانقلاب، والتي تضم عددا من البرلمانيين.

ويرى الصحفي في الإذاعة الموريتانية أحمد ولد محمد غلامquot; أن هذا الإجراء طبيعي جدا، فالإذاعة مؤسسة رسمية، مسيرة وفق برنامج السلطة القائمة، ومن الطبيعي أن لا يسمح للأصوات الرافضة للانقلاب، بالظهور في هذه الفترة،لأن ذلك سيزعزع ثقة المواطنين في سيطرة الحكام الجدد على الوضع، ولكن بعد أن تستب الأمور سيعود الإعلام الرسمي للقيام بالدور العادي ويفتح أمام مختلف الآراء، وهذا ما درجت عليه العادة في الانقلابات السابقة.

إلا أن الصحفي أحمدو ولد الندى يرى العكس تماما، ويقول في تصريح لإيلاف، quot; الانقلاب أحدث انتكاسة لم تكن متوقعة في الإعلام الرسمي، فالانقلابات تكون عادة بحاجة إلى فتح الإعلام ليصدق الناس ما تتعهد به من الديمقراطية، ولكن الانقلابيين الجدد أرسلوا رسالة واضحة من خلال عزل مديري الإذاعة والتلفزة كأول إجراء اتخذوه بعد البيان رقم واحد، وكان واضحا من الرسالة أن لا مكان لغير المساندين في الإعلام الرسمي.

مخاوف إقتصادية

هذا وتعيش موريتانيا منذ فترة وضعا اقتصاديا صعبا،فقد اندلعت خلال نوفمبر من العام الماضي، ثورة غضب شعبي في المناطق الشرقية،وصلت عدواها مختلف المدن الموريتانية،أدت إلى سقوط قتيل وعدة جرحى، وكانت في نظر العديد من المراقبين تعبيرا عفويا عن تردي الأوضاع المعيشية حيث تعيش نسبة 47% من السكان بأقل من دولار واحد في اليوم، ولا يتجاوز عدد الموظفين في القطاع العمومي بعضا وأربعين ألفا فقط، حسب الاحصاء الأخير للعام الحالي، بينما يبلغ تعداد السكان ثلاثة ملايين.

هذا الوضع المتأزم استدعى من الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله،الإعلان عن خطة استعجالية لتلافي تفاقم الأزمة، من خلال توفير المواد الأكثر استهلاكا،باسعار في متناول الفئات ذات الدخل المحدود، واعتمدت الحكومة في تنفيذ هذا المخطط الاستعجالي، على المساعدات الدولية، بالدرجة الأولى، وكان لاجتماع المجموعة الاستشارية الخاصة بمور يتانيا في باريس النصيب الأكبر حيث تعهد المانحون، بتوفير مبلغ 2.1مليار دولار أمريكي، كانت أكبر نسبة منها للبنك الاسلامي للتنمية الذي تعهد بمنح موريتانيا 300 مليون دولار ، ثم الاتحاد الأوروبي بمبلغ 234 مليون دولار .

وقد أثار تسيير هذا المخطط الاستعجالي تساؤلات من طرف العديد من النواب، وكان فتح تحقيق فيه على جدول أعمال الدورة الطارئة التي دعا إليها نواب البرلمان ورفضتها الحكومة مرتين، قبل أيام من الانقلاب..

وتأثرت موريتانيا في فترة الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بموجة الغلاء العالمية،وقفزت أسعار أغلب المواد الاستهلاكية إلى الضعف، وزاد الوضع سوء، بفعل الزيادة المتكررة في أسعار المحروقات،التي تجاوزت 50% منذ تولي الرئيس المخلوع الحكم في التاسع عشر من شهر فبراير 2007.

ويثير الانقلاب الذي نفذه في السادس من شهر اغسطس /آب الجاري، الجنرال محمد ولد عبد العزيز، العديد من التساؤلات عن مستقبل البلد الاقتصادي،في ظل سيطرة نظام يتفقد لحد الساعة الاعتراف الدولي؟

وما هي الأثار الاقتصادية التي قد تترتب على تسيير أمور البلد من طرف مجلس عسكري، في وقت تدق فيه المنظمات الأممية ناقوس مجاعة قد تتعرض لها موريتانيا خلال العام الحالي؟

ويواجه المجلس الأعلى للدولة المشكل بعد الانقلاب، تحديات كبيرة، بفعل رفض الدول المانحة الاعتراف به ، وتعليق الولايات المتحدة الأمريكية، جميع مساعداتها لموريتانيا، ورفض فرنسا التعامل معه أو مع أي حكم ينتجه، وهما الدولتان اللتان تعتمد موريتانيا على مساعداتهما في تنفيذ العديد من المشاريع التنموية.

ويرى المحلل الاقتصادي، محمد محمود أبو المعالي في حديث مع إيلاف أن التداعيات الاقتصادية للانقلاب مرتبطة بالدرجة الأولى بمدى قدرة الجبهة الداخلية على الصمود في وجه الانقلابيين،فإن استطاعت الاستمرار ووجدت سندا شعبيا،فسيكون ذلك محرجا للانقلابيين،ورافدا لضغوط المجتمع الدولي،ولكن إذا استطاع الانقلابيون كسب الرأي العام الداخلي فإن الموقف الدولي سيتلاشى تدريجيا لصالحهم،والوضع الاقتصادي مرتبط بالتطور السياسي، فإذا وقع البلد تحت حصار وعقوبات اقتصادية، فسيكون لذلك عواقب وخيمة، فموريتانيا تعاني من ضعف كبير في المؤسسات الاقتصادية والماليةquot;.

غير أن الكاتب الصحفي سيدي أحمد ولد باب يرى عكس ذلك، فالمواقف الدولية في نظره quot;لن تؤثر على الوضع وهي في حقيقتها مواقف أخلاقية، والعسكريون لم يستهدفوا رجال الأعمال الموالين للرئيس المخلوع، ومعاملات السوق تسير بشكل طبيعيquot;.

ويضيف ولد باب في تعليق لايلاف على توقيف الولايات المتحدة مساعداتها لموريتاينا،quot; المساعدات الدولية كانت تذهب إلى جيوب الفاسدين في الأنظمة السابقة، ولم تؤد يوما إلى تحسن في الوضع الاقتصادي للمواطن العاديquot;.

وهو الرأي الذي يوافقه المحلل السياسي الحافظ ولد الغابدquot; الذي يرى أن المواطن الموريتاني يعيش على اقتصاد ريعي غير مصنف، وخارج الدورة الاقتصادية للدولة،فأغلب السكان يعيشون إما على الزراعة أو التنمية الحيوانية، أو على جهد أحد أفراد العائلة في الخليج أو إفريقيا، وبالتالي فإن قطع المساعدات الدولية لا يؤثر على المواطن، ولا يشعر به أكثر من 5% من السكانquot;.

فيما يرى الصحفي محمد عبد الله ولد يب quot;أن الوضع السياسي في بلد نامي لا شك يتأثر بالتعاطي الدولي مع سلطته، فحتى لو صمد مدة فإنه لا محالة متأثر بالحصار الاقتصادي، فموريتانيا مواردها الاقتصادية كثيرة ومتنوعه ، لكنها مرتبطة بطبيعة الحال بتعامل الأجنبي، لأنه هو الذي يستورد منها الخامات، وهو الذي يمنحها المساعدات والقروض، وحين يتوقف عن ذلك بسبب انتزاع السلطة من يد المدنيين فإن ذلك سيؤثر بكل تأكيد على السكان.

أي مستقبل ينتظر موريتانيا..؟
يرى ولد أبو المعالي، أن الوقت مبكر للتنبئ بمستقل البلد في ظل الانقلاب الجديد، quot;ولكن يمكن القول إن الأمر مرتبط بمدى قدرة الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية،على الاستمرار في ضغطها الرافض للانقلاب،فإذا خمدت مطالبات الجبهة، وفإن التهديدات الخارجية، لن تتسمر طويلا، لأنها مواقف معهودة في مثل هذا المناسباتquot;.

وهو رأي يؤازره الباحث الأكاديمي محمد ولد أمهادي الذي يؤكد حتمية تأثر موريتانيا بالوضع الاقتصادي في توقف المساعدات الدولية عنها، ويقول في حديث مع إيلاف quot; كل ما يمكن أن نتحدث عنه بشأن المستقبل هي أماني، ولكن الواقع أن الاعتراف الدولي بنظام في دولة فقيرة، ضروري لاستمرار دورة اقتصادية ناجحةquot;.

و الأيام القادمة، وقدرة النظام الجديد على إقناع العالم برؤيته ودوافع انقلابه، الذي يختلف بشكل كبير عن الانقلاب الذي قاده نفس الأشخاص في أغسطس 2005 تبقى العامل الأهم الذي يحدد مسار البلد المعاني من ضعف في البنية التحتية، والمعتمد بالدرجة الأولى على استيراد كل شيء.