مع تحول الشخص إلى كرسي التقاعد قد يعتقد البعض أن مسيرته العملية قد انتهت وأنه سينتقل من قائمة المنتجين إلى خانة المستهلكين دون أي مساهمة فعلية في ركب التنمية، لكن ذلك عكس الواقع الذي يؤشر إلى قوة اقتصادية كبيرة معطلة للمتقاعدين في السعودية.

الرياض: طبقا للإحصائيات الاخيرة، بلغ عدد المتقاعدين من المدنيين والعسكريين السعوديين الخاضعين لنظام التقاعد في 2008، ما يقارب 500 ألف بزيادة قدرها 8 في المائة عن ما كانت عليه في العام 2007.

وأوضح لـ quot;إيلافquot; الدكتور علي السلطان المدير التنفيذي للجمعية الوطنية للمتقاعدين أنه بالنظر إلى القوة البشرية الضخمة التي تمتلكها المملكة من المتقاعدين وانطلاقا من أن المتقاعد مؤهل بالفعل للعمل ولديه خبرات طويلة في تخصصات متنوعة، فينبغي الاستفادة منه وأن يواصل عطاءه الاقتصادي في المواقع المختلفة.

وأضاف الدكتور السلطان أنه يمكن الاستفادة من المتقاعد اقتصاديا بطرق عدة منها تأديته عمل بشكل كامل أو جزئي، وحتى وهو في بيته باستخدام الوسائل التكنولوجية .

الجمعية الوطنية للتقاعد أنشات بنكا للمعلومات في مركزها الرئيسي و16 فرعا آخر في مناطق المملكة حسب ما صرح به الدكتور السلطان، مشيرا إلى أن هذا البنك يضم بيانات وسيرة آلاف من المتقاعدين يمكن تقديمها للقطاعات التي تحتاج للاستفادة منهم.

وكان مجلس الشورى السعودي قبل في آخر جلساته الخاصة بالمتقاعدين دراسة تقترح إضافة علاوة سنوية على مرتباتهم تعادل نسبة التضخم السنوي.

و كشفت المؤسسة العامة للتقاعد في عام 2007 عن إنشاء شركة استثمارية برأسمال يبلغ 100 مليون ريال لإدارة مشاريعها واستثماراتها الموزعة على مختلف مدن السعودية.

كما تملك المؤسسة مجمع في الضباب بالرياض، تصل تكاليفه إلى 800 مليون ريال يضم أبراج سكنية، ومشروع مجمع الحمراء التي تصل تكاليفه نحو 500 مليون ريال، ويضم معارض تجارية، ومشروعا سكنيا في منى بقيمة 340 مليون ريال.

ولدى المؤسسة أسهم في العديد من الشركات منها شركة التعاونية للتأمين والـبـنك السعـودي للاستثمار ومجموعة سامبا وشركة الأسمنت السعودية وانطلاقا من هذا أكد الدكتور السلطان أن المتقاعدين في المملكة يساهمون بشكل مباشر في العملية التنموية عبر مدخراتهم التي تديرها المؤسسة وتقدر بمليارات الريالات، ولكنه أوضح أن تلك الإسهامات لم تصل بعد إلى المأمول أو ما يمكن تحقيقه من عائد يوازي تلك المدخرات.

وأوضحت دراسة سابقة لمؤسسة quot;بوز اند كومبانيquot; أن أنظمة التقاعد في دول مجلس التعاون الخليجي سخية جدا والدليل على ذلك هو أن العاملين في المنطقة يتقاعدون في سن مبكرة نظرا للحوافز الكبيرة للتقاعد، وأشارت إلى أن 9 من أصل 10 ذكور في الخليج يتقاعدون في سن 60 عاما، مقابل 1 من أصل 10 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي تضم أغلب الدول الصناعية والاقتصاديات الحرة.

وتتمتع صناديق التقاعد الخليجية وعلى رأسها المؤسسة العامة للتقاعد في المملكة بإمكانيات ضخمة حيث تمكنت المؤسسة حسب تقريرها لعام 2008 من تحصيل كامل إيراداتها المستحقة وفق نظام التقاعد من اشتراكات الموظفين الذي بلغ 24.3 مليار ريال فيما بلغت الإيرادات الفعلية من الاستثمارات 14.9 مليار ريال. وتستثمر المؤسسة 77.6% من مواردها المحلية حيث استثمرت نحو 27.7 مليار ريال في 54 شركة مساهمة محلية ورفعت حصصها في بعض الشركات في عام 2009.

ومع كل الإمكانات الضخمة والعوائد المرتفعة لصناديق التقاعد الخليجية إلا أن الدراسة أوضحت أن أنظمة التقاعد في المنطقة تحتاج إلى العديد من الإصلاحات في السنوات القادمة نظرا لوجود تحديات وعلى رأسها انخفاض نسبة الموظفين العاملين إلى المتقاعدين وتراجع دور الحكومات في توفير الرفاه الاجتماعي للمواطنين.

وعند مناقشة أي موضوع اقتصادي لابد أن يظهر القطاع الخاص، وعن هذا قال الدكتور السلطان إن دور هذا القطاع في مجال استثمار قدرات المتقاعدين ليست كما يجب ولكنها موجودة على شكل دورات تدريبية وتمويل بحوث تابعة لجمعية المتقاعدين مثل مشروع بنك المعلومات الذي يموله البنك الأهلي التجاري.

الجمعية الوطنية للمتقاعدين، أجلت العام الماضي إنشاء خمس شركات استثمارية، كانت الجمعية تنوي إنشاءها لصالح المتقاعدين، وقال لـ quot;إيلافquot; الدكتور السلطان إن سبب هذا التأجيل يرجع إلى الركود الاقتصادي العالمي الذي تسببت به الأزمة المالية العالمية.

وأضاف الدكتور السلطان أن هذا العام سيعاد النظر في دراسات تلك الشركات ومن ثم طرحها كشركات استثمارية مقفلة، تساهم فيها المتقاعدات والمتقاعدون من القطاعين العام والخاص.

وقال إن فكرة تلك الشركات انطلقت من الهيئة الاستشارية للجمعية التي يرأسها الأمير سعود بن عبد الله بن ثنيان رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع وبدعم أحد رجال الأعمال.

وعلى صعيد القروض أوضح الدكتور السلطان أنه تم توقيع اتفاقية مع البنك السعودي للادخار والتسليف لتمويل مشاريع للمتقاعدين في مختلف مناطق المملكة بحد يصل إلى 3 ملايين ريال للمشروع الواحد كقرض حسن، ولكن مازال الإقبال عليه ضعيف.

وبلغة الأرقام التي لا تكذب تبدو القوة الاقتصادية للمتقاعدين معطلة، وغير مستغلة بالصورة الأمثل التي يمكن لها أن تكون رافدا أساسيا في عملية التنمية وبالشكل التي تضمن للمتقاعد حياة كريمة.