قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من الظواهر المثيرة التي رافقت ثورة الياسمين في تونس التي أطاحت بالرئيس السابق بن علي، ظاهرة التعبير على الجدران، بخطّ شعارات ومطالب حُرم منها الشباب التونسيّ لعقود طويلة، بعضهم يرى في تلك الرسوم التي لم يخل منها أيّ شارع أو زقاق، ملامح تونس ما بعد بن علي.


كتابات على الجدران في تونس خطها شباب وتطالب بنظام برلمانيّ

ريبورتاج وتصوير: إسماعيل دبارة من تونس: quot;لا للنظام الرئاسي، نعم لنظام برلمانيّ، لا لعودة التسلط، نعم لحرية التعبير، نعم لحرية المرأة، لا لتدخّل الجيش، لا لتسييس الدينquot;... نزر يسير من الشعارات التي خطّت على جدران البيوت والمؤسسات والمنشئات في تونس العاصمة والمحافظات التي تشهد حراكًا مع بعد سقوط الرئيس بن علي.

حيثما وليّت وجهك، تسمع هتافًا مطالبًا بإسقاط حكومة الغنوشي، أو هتافًا يطالب بردّ الاعتبار لشخص ما، اضطهد في العهد السابق، وإن لم تسمع الهتاف، ربما بسبب ساعات حظر التجوال الطويلة، فبالتأكيد ستشاهد الهتاف مكتوبًا على الجدران.

في شارع (علي باش حامبة) في قلب العاصمة تونس، انبرى التلميذ أمين ورفيقته نائلة يخطان على جدران مبنى قيد الإنشاء العبارات التالية: quot;نعم لنظام برلمانيّquot;.

quot;ماذا تعرفان عن النظام البرلمانيّ؟ هل درستماه في المدرسة ؟ لا نعتقد فهو لا ينتمي إلى المقرراتquot;، كان هذا تعليق (إيلاف) المستفزّ للتلميذين.

يردّ أمين الذي يبلغ من العمر 14 سنة على الفور وبعفويّة: quot;النظام البرلماني يعني أن نعيش بلا رئيس يتحكم في كل شيء، النظام البرلماني يعني تحقيق الحريّةquot;.

رفيقته نائلة بدت أكثر وضوحًا وهي تشير بإصبعها إلى مكان قريب: أنظر هناك بالقرب من المسرح البلديّ بشارع الحبيب بورقيبة، ستجد أصدقاء لنا كتبوا الشيء نفسه، نحن نقلدهم ولكننا نعرف أن النظام البرلماني أفضل من نظام بن عليquot;.

لو اكتفينا بالدردشة مع التلميذين، لقلنا أن حكاية النظام البرلمانيّ بدل الرئاسيّ حكاية معزولة يثيرها الصغار، لكنّ الواقع يشير إلى عكس ذلك، وما خطّه الصبية على الجدار يعكس سجالاً قائمًا في تونس، بين النخبة والعامة على حدّ سواء.

اقترن حكم الرئيس بن علي في ذهن كثيرين بالنظام quot;الرئاسويّquot; حيث يمسك شخص واحد بمقاليد السلط الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومعها السلطة الأمنية والإعلام وغيرها من مراكز النفوذ.

الشباب يهتف ويكتب: يحيا الشعب !

وبات من الطبيعيّ على شعب يريد القطع نهائيا مع حقبة بن علي وحكم حزب التجمّع الشموليّ، أن يتخلص أيضًا من هذا النمط في تسيير دواليب الدولة.

تدار النقاشات عبر الشبكات الاجتماعيّة والمدونات اليوم، حول طبيعة النظام السياسيّ الأنسب لتونس ما بعد بن علي، رئاسيّ أم برلمانيّ؟

فريق يدعو إلى نظام رئاسيّ لكن برقابة شديدة على الرئيس وحاشيته وتقليص كبير لصلاحياته، وآخرون يطالبون بنظام برلمانيّ.

بعيدًا من هذا الجدل، برزت كتابات أخرى ورسوم وخربشات على quot;الحيطانquot; تعلي من شان المرأة.

تطيل السيّدة نعيمة أستاذة التعليم الثانوي والناشطة النقابية النظر طويلاً إلى شعار يمجّد المرأة التونسيّة ويعلي من شأنها وتقول لـ(إيلاف): أمرّ يوميًّا من هذا المكان، لكنني لا أواصل السير إلا بعد التوقف طويلاً أمام ما خطه الشباب هنا، لقد ردّوا الاعتبار للمرأة فعلاً، المرأة التي نزلت للشارع للتظاهر مع الشباب والشيب ضدّ الاستبداد حتى انتصرنا جميعا ... حتى انتصرت تونس واستعادت حريتها المسلوبةquot;.

وتضيف:quot; ما يكتب هنا دليل على مكانة المرأة التونسية في مجتمعها، لدينا هواجس من نكسة قد تصيب الحقوق التي ناضلنا من أجلها سنوات، ومن يكتب هذه الشعارات هم المتحمّسون للذود عن المرأة ومكتسباتهاquot;.

في العهد السابق، كان التونسيون يقرؤون شعارات تخطّ على الجدران بين الفينة والأخرى، لكنها في الغالب شعارات رياضية تنتمي لقاموس كرة القدم ويخطها المشجعون المتعصبون وغير المتعصبين، للدلالة عن ولائهم لفرقهم، وكان النظام غير متسامح مع هؤلاء على الرّغم من أنهم بعيدون كلّ البعد عن السياسة ومتاهاتها.

ويعاقب القانون التونسيّ من يخطّ على الجدران أو يروّج لشعارات تحضّ على الشغب والإخلال بالأمن العام، لكن الوضع تغيّر من الرابع عشر من يناير 2011.

quot;ليس حماسًا شبابيًّا وهتافات لا معنى لها أو شعارات جوفاء كما يظنّ كثيرونquot; يقول الطالب عادل صوابني ويضيف:quot; انظر مثلاً إلى دعوات فصل الدين عن الدولة، واحترام مكتسبات المرأة، وإعلان النظام البرلمانيّ عوض الرئاسيّ، كلها معطيات تدلّ على أنّ تونس الغد تتشكل من هنا على جدران البيوت والبنوك والعماراتquot;.

نعم ... ربّما لم يخطئ الطالب، فملامح تونس الغد قد يتمّ تسطيرها وإعدادها بين أحضان الشباب اليافع الذي اعدّ للثورة وأنجزها وقطف ثمارها، وليس بين أحضان السياسيين. ففي عصر فيسبوك وتويترquot;ولم لا عصر الكتابة على الجدران، اتخذ التونسيون الذين حرموا من السياسة والتعبير الحرّ منابر جديدة لهم، حيث تراكم الغضب، ثم نظّم، حتى انفجر على نحو هادر فاجأ الجميع.. والبقية تأتي.