لو تم إلقاء القبض على الزعيم الليبي معمر القذافي حياً، كانت ليبيا ستعاني من أزمة مستعصية وصداع قانوني حول اختصاص المحكمة التي ستقاضي الطاغية المتهم بجرائم عديدة. في هذا السياق، رأت صحيفة الـ quot;غارديانquot; البريطانية أن وفاة معمر القذافي جنبت المجلس الوطني الانتقالي عملية قانونية معقدة، كان من المرجح أن تؤدي إلى توتر في حال رفض المجلس الالتزام بمطالب العدالة الدولية.

فقد أصر وزير العدل الليبي، مراراً وتكراراً، على أنه في حال قبض على القذافي حياً، فإنه سيخضع للمحاكمة بموجب القانون المحلي. ومع ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، مذكرة اعتقال بحق القذافي هذا العام، متهمة إياه باستخدام القوة في قمع المظاهرات في فبراير/شباط.

ربما كان من الممكن التوفيق بين المطلبين، فقبل العثور على القذافي مقتولاً، اقترح المحامون الدوليون حلاً وسطاً ينص على أن تتم محاكمة القذافي في طرابلس بتمويل من الامم المتحدة وتحت رعاية القانون الوطني والدولي، لكن هذه المحاكمة كانت لتستمر لسنوات، خصوصاً وأن النظام القانوني في ليبيا ضعيف وبالكاد موجود، ويحتاج إلى إعادة بناء من نقطة الصفر.

ولو استغرقت المحاكمة وقتاً طويلاً، كان الوقت ليكون في مصلحة القذافي الذي سيعمل على تقويض الانتخابات الديمقراطية ويؤدي إلى سخط القوات الدولية الموالية للحكومة الجديدة. وفي أسوأ الأحوال، كان القذافي ليتمكن من شن تمرد جديد ضد الحكومة، من الصحراء أو جنوب البلاد ، ويعيث الفوضى في الدول المجاورة ويزعزع مصداقية المجلس الانتقالي.

انهت وفاة معمر القذافي الجدل حول مكان محاكمته، وشكلت دفعة قوية للحكومة الانتقالية في ليبيا، التي تظهر عليها علامات على التوتر والضعف الداخلي. كما تعتبر نهاية القذافي إزالة عقبة كبيرة من طريق التحول السياسي وبناء الدولة بعد عقود من الحكم الأحادي.

لكن الإعلان عن نبأ مقتل الطاغية الليبي شكل خيبة أمل لبعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان، لأنه بات من المستحيل التحقيق مع القذافي في العديد من الجرائم التي ارتكبت خلال حكمه الذي دام 42 عاماً.

وقال ريتشارد ديكلر، مدير هيومن رايتس ووتش برنامج العدالة الدولية، إن موت القذافي حرم الشعب الليبي من فرصة لمساءلته quot;في محاكمة عادلة في المحكمة الجنائية الدوليةquot;. وقال ديفيد هارتويل، أحد كبار المحللين في الشرق الأوسط، أنه لو تم إلقاء القبض على القذافي حياً، كان ذلك ليؤخر عملية المصالحة والانتقال في ليبيا.

وأدى نبأ وفاة القذافي إلى ارتياح كبير في عواصم غربية عديدة، فلو كان ليوضع في قفص الاتهام، كان هناك كل احتمال أن يقوم الديكتاتور بالإفصاح عن معلومات واسرار محرجة حول علاقات ليبيا مع القوى الاوروبية الكبرى وشركات النفط الدولية ورجال الدولة السابقين مثل رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير. كما أن العديد من شركات النفط تنفست الصعداء لأن مقتل القذافي يعني أنه لن يتم الكشف عن الصفقات المربحة والمشبوهة التي عقدت مع نظامه.

وتعتبر الخاتمة الدامية للقذافي انعكاساً لإرادة معظم الليبيين العاديين.، فأثناء سقوط طرابلس، قال معظم الثوار، من طلاب وأطباء الأسنان والمهندسين والعاطلين عن العمل، إنهم لن يلقوا اسلحتهم إلا عندما يقتل القذافي. وقال البعض منهم أن نهاية القذافي هي الموت في كل الأحوال، لأنه حتى لو خضع للمحاكمة فسيكون مصيره الإعدام.

وقالت جماعات اخرى مدافعة عن حقوق الانسان أن موت القذافي ينبغي ألا يمنع من إجراء تحقيق سليم وشفاف في الجرائم التي ارتكبت في ظل حكمه، وقالت حسيبة حاج صحراوي، نائب مدير منظمة العفو الدولية لشمال افريقيا والشرق الأوسط: quot;يجب أن تكون هناك محاسبة كاملة عن الماضي ولابد من تضمين حقوق الانسان في الدستور الليبي الجديدquot;.