قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في شوارع الحلة والنجف وكربلاء ينتشر المعوقون والمقعدون بشكل منتظم في أماكن معينة لكسب الرزق من التسول.
رغم تصريحات المسؤولين العراقيين بأن مشروع شبكة الرعاية الاجتماعية سيغطّي في العام 2011 أكثر من 15 مليون أسرة، إلا أن ظاهرة التسوّل لاتزال متفشية في المدن العراقية، حيث يصف بعض المتسوّلين لإيلاف توزيع مناطق نفوذهم وأسباب مزاولتهم ما وصفه أحدهم بـ مهنة التسوّل.

وسيم باسم من بغداد: ينهض أحمد حسن، وهو فتى في الخامسة عشر من عمره كل صباح، ليبدأ يومه بالتسوّل ضمن رقعة جغرافية محددة له، لا يسمح بتجاوزها.

أحمد، الذي ترك المدرسة مذ كان صغيرًا، بدا سعيدًا في اللحظات التي يحصل فيها على نقود، لكنه يعي أن المستقبل سيكون مجهولاً بالنسبة إليه.

يتحدث أحمد الى quot;إيلافquot; فيوضح: quot;كنت صغيرًا حين بدأت التسول، وكان مسموحًا لي من والديّ بالعمل في هذه المهنةquot;.

رغم أن أحمد يسمّيها مهنة، لكنه يلفظها على استحياء. ويتمنى لو انه يتابع دراسته، غير أنه يقول quot;إن الأمر قد فاتquot;. وأحمد يعمل ضمن شبكة تسوّل من عشرة فتيان، يتقاسمون الرقعة الجغرافية الممتدة بين شارع الرشيد والحيدرخانة والميدان، ويديرها متعهدون، تدرّ عليهم هذه quot;المهنةquot; أرباحاً معقولة.

التسول ظاهرة ملفتة في مدن العراق

يشكل التسول ظاهرة ملفتة للعيان في مدن العراق كافة، ويمكن تلمّس ذلك بوضوح في ساحات الأماكن المقدسة وفي التقاطعات المرورية والشوارع المشهورة في بغداد ومدن العراق، حيث تشكل الأماكن السكانية المزدحمة مناطق نفوذ دونها نزاعات ومعارك.

يقول أحمد ان البعض يلجأ إلى الكذب وتصنع المواقف وافتعال الأمراض والعاهات لكسب عطف المارين، بل يلجأ سماسرة التسول اذا استدعت الحاجة الى تأجير الأطفال او أصحاب العاهات لغرض quot;الكديةquot;، حيث يستدرون عبرها عواطف الناس. ويحصل أحمد على مبالغ جيدة، يسدد قسم منها الى سمسار المجموعة التي ينتمي اليها.

يضيف احمد: quot;في حالة عدم التسديد، فإنك تطرد من منطقة التسوّل. ولا يسمح لمتسوّلين غرباء بالدخول الى الحدود الجغرافية للتسول. وغالبًا ما تنشأ نزاعات حول المناطق الحيوية للتسوّلquot;، بحسب أحمد.

في زوايا الشوارع الكبرى في مدن الحلة والنجف وكربلاء، ينتشر المعوقون والمقعدون، بشكل منتظم في أماكن معينة لكسب الرزق من التسول.

سليم إمام، رجل طاعن في السن، لا يقوى على الحركة، يقول إن له الحق في التسوّل لانه لا يملك موردًا، وعلى رغم انه انضم الى شبكة الرعاية الاجتماعية، لكن مورده لا يكفي عائلته. ولسليم ثلاثة ابناء انتقلوا للعيش في بغداد، بينما هو ظل في كربلاء. ولم يعد يسمع سليم أخبار أبنائه الجاحدين، كما يصفهم.

يستغل سليم المناسبات الدينية، ويسافر إلى كربلاء أثناء زيارة القبور، حيث يجلس بين المقابر، ليحصل على مبالغ جيدة. يقول سليم: quot;معدل دخلي يزداد في الأعياد، حيث اذهب إلى مقبرة السلام في النجف، وأتسوّل أيامًا عدةهناكquot;. وفي ذكرى وفاة الإمام علي في العام الماضي تمكن من الحصول على حوالي أربعمائة دولار في حوالي ثلاثة أسابيع في مدينة النجف المقدسة.

تتفشى ظاهرة التسول بكثرة في المدن العراقية وعدم الإستقرار الإقتصادي يفاقم الأزمة

ليس سهلاً أن تفرّق بين متسوّل دفعه الفقر إلى مد اليد، وبين محتال يسعى إلى الكسب غير المشروع.

وبين المتسوّلين، من يحاول أن يقنعك بحاجته بالدموع والتمسكن، لكن هناك من يحاول فرض عليك الأمر فرضًا، بطريقة تنمّ عن سوء أخلاق ووقاحة فجة.

يحصل توفيق الياسري، وهو رجل طاعن في السن، على حوالي سبعة دولارات يوميًا من التسول. يرجع توفيق ضآلة ما يحصل عليه إلى ضعف حركته وعدم قدرته على الانتقال من مكان إلى آخر. ويشكو توفيق من كثرة الدخلاء من المتسولين، الذين اتخذوا من التسول مهنة من دون وجه حق. ويدعو توفيق الى حماية المتسولين quot;الحقيقيينquot;، وتقديم الدعم إليهم، لكي يتوقفوا عن التسول.

يتسول البعض بطريقة أكثر تحضرًا عبر بيع أقراص quot;سي ديquot; دعائية أو الكتب الدينية الصغيرة التي يحصل عليها المتسول بالمجان أو عبر توزيع صحف قديمة، حيث يقف الفتيان المتسولون بين السيارات في تقاطعات الشوارع.

الفتى موسى كريم ترك المدرسة ليوزّع الزهور الاصطناعية بين سائقي السيارات، لكنه لا يرى فعاليته تسولاً، وان ما يحصل عليه هو الرامية على حد تعبيره. وينتشر في الأماكن المزدحمة بائعو المناديل الورقية والعلكة والآيات القرآنية وصور الأئمة، وكلهم متسولون لكن تحت ستار شعارات مختلفة.

يقول ريم العبودي، وهو صاحب محل تجاري، تجلس على زاوية منه امرأة، قال انه سمح لها بالتسول هنا لأنه يعرف وضعها المادي وحاجتها الى من يدعمها. ويتابع: هناك الكثير من المتسولين ممن يمتلكون القدرة على العمل، لكنهم اتخذوا من التسول وسيلة سهلة للكسب.

في زاوية من شارع السعدون في بغداد، تجلس امرأة ارتدت النقاب، واحتضنت ابنتها المريضة التي غطى الذباب والأوساخ وجهها. لم تجب المرأة عن سؤالي حول سبب تسولها، لكنها ألمحت الى انه في حالة ترددي، فإنها ستستدعي من يقف بوجهي ويطردني. بدا من كلامها أن هناك من يصحبها إلى هذا المكان، ويتولى حمايتها.

وفي مدينة النجف، يعرف أصحاب المحال والزبائن امرأة ثلاثينية حسنة الوجه، بملامح غجرية، تتجول بين الدكاكين متسولة، لا تخشى من يردعها، وهي حين تطلب المعونة تلمح إلى فقدانها زوجها وإخوتها في أعمال عنف، لكن محمد جودي، وهو صاحب محل، يقول ان هذه الفتاة تتنقل بين مدن العراق المختلفة للتسول، وتنتمي الى شبكة تضم نساء عدة. ولا يمكنك سؤال هذه المرأة عن أهدافها وأسباب تسولها، لأنها ستنهرك وتهددك.

باحثون ورجال دين.. عن ظاهرة التسول

بدا ان الجانب الاقتصادي، يلعب دورًا مهمًا في تنامي ظاهرة التسول، لكنها تبقى ظاهرة اجتماعية ملفتة تعانيها حتى الدول المترفة اقتصاديًا. الباحث الاجتماعي حسن الصفار من جامعة بغداد يرى ان عدم استقرار المجتمع العراقي منذ ثمانينيات القرن الماضي يفاقم من الظاهرة.

الصفار يؤكد ان الدولة العراقية لم تول اهتمام لمكافحة الظاهرة، وكل الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من توظيف كادر الخبراء الاجتماعيين الذين تخرجوا من جامعات العراق عبر أجيال متعاقبة ويعانون البطالة وتسخيرهم لوضع الخطط لمكافحة الظواهر الاجتماعية السلبية. يؤكد الصفار ان مدن العراق تضم آلاف المتسولين يزدادون في المواسم والأعياد الدينية.

يلجأ متسولو العراق الى الخطاب الديني، مذكرين محاوريهم بالمولى سبحانه وتعالى، وفروض الدين التي تحثّ على مساعدة المحتاج، وغالبًا ما يذكًر المتسول الآخر بالله، كما يستدرّ العطف عبر التصريح بأن لديه أطفالاً جياعًا او مرضى. بينما يلجأ الفتيان الى تلفيق إدعاءات من مثل..كونهم ايتامًا بلا معيل.

رجل الدين الشيخ حسن المياحي يقول إن على ولاة الأمر إحياء فريضة الزكاة، وبتطبيقها، لن تجد متسولاً واحدًا في البلد.

لكن سليم البصري، وهو بائع خضر، يدافع عن المتسولين بالقول إن الآخر اختار ان يعطي للمتسول، وليس في ذلك من ضير. يقول البصري: هناك من ينفق الملايين باذخًا ومسرفًا في الترف فما قيمة ما يتصدق به على طفل أو امرأة متسولة.

لكن الكثير من العراقيين يتفق أنه يتوجب توعية المواطنين بمنحهم المال لجمعيات خيرية او اجتماعية تتولى تنظيم امر المتسولين والفقراء، لكي نقضي على فوض quot;الجِدْيةquot; في شوارع المدن العراقية، التي أصبح من المناظر البائسة في المشهد اليومي.

يقول سعيد الخفاجي، وهو باحث اجتماعي في مركز شباب مدينة الحمزة في وسط العراق، ان إنقاذ العوائل من ممارسة quot;التسولquot;، لن يكون إلا بترسيخ دائم لشبكة اجتماعية مستقرة لا يشوبها الفساد، لاسيما وان هذه العوائل توارثت المهنة عبر أجيال، ولن يكون من السهولة اقناعها بالتخلي عنها، الا عبر إقناعها ان هناك شبكة اجتماعية متينة تستمر في دعمها، وانها ليست حالة مؤقتة، كما تعوّد عليها العراقيون، عبر سنوات الاضطراب السياسي والاجتماعي.

يقول الخفاجي ان تجربة الضمان الاجتماعي ليست موثوقة من قبل كثيرين، بسبب الفساد الاداري والمالي، وان تخصيص رواتب للفقراء يجب ان يكون ذا مصداقية، ذلك ان كثيرين ممن يستلمون رواتب الضمان الاجتماعي ليسوا في حاجة اليها، وتم تصنفيهم كمحتاجين، وفق معايير، يشوبها الفساد او عبر الوساطات والرشاوى.

يشير الخفاجي الى ان بعض المتسولين لم يسجلوا أسماءهم لدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، بسبب عدم قدرتهم على ذلك، وعدم توافر المتطوعين الذين يساعدهم على الحصول على حقوقهم، لاسيما وأنهم من الأميين أو العاجزين عن الحركة.

وعلى رغم من ان تصريحات المسؤولين العراقيين أفادت في أوقات سابقة ان مشروع شبكة الرعاية الاجتماعية سيغطي في العام 2011 اكثر من 15 مليون أسرة، الا ان ذلك لم يتحقق، واستطاع الفساد الإداري والمالي ان يعوق مرة أخرى من وصول المشروع الى أهدافه الحقيقية، ليتحول مثل غيره من المشاريع الى عملية تفتقر العلمية في التطبيق، ويتغلغل بين ثناياها الفساد.