يرى العديد من الخبراء والمحللين أن هناك نقاط تشابه واختلاف بين ثورتي 23 يوليو 1952 وثورة 25 يناير هذا العام،هذا في وقت يطرح الجمهور اسئلة على غرار، هل كانت الأولى انقلاباًعسكرياً أم ثورة؟ وهل يمكن أن تتحول الأخيرة إلى انقلاب رغم أنها بدأت شعبية؟ وكذلك أيهما اعظم لدى المصريين؟


نقاط التقاء واختلاف بين ثورتي يوليو ويناير

القاهرة: يأتي الأحتفال بالذكرى التاسعة والخمسين لثورة 23 يوليو 1952، متزامناً مع قيام المصريين بثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، الذي كان يستمد شرعيته من الثورة الأولى، وبينما تخطو الثورة الأخيرة خطواتها نحو بناء دولة ديمقراطية دون استبداد أو قمع، تثار العديد من التساؤلات حول أوجه التشابه والإختلاف بين الثورتين؟ وهل كانت الأولى إنقلاباً أو ثورة؟ وهل من الممكن أن تتحول الأخيرة إلى انقلاب عسكري أيضاً رغم أنها بدأت شعبية؟ وأيهما أعظم لدى المصريين، ثورة 23 يوليو أم 25 يناير؟

لكن الخبراء والسياسيين أجمعوا على أن هناك قواسم مشتركة بينهما، كانت لها الفضل في نجاحهما في الإطاحة بالنظام الحاكم، وهي أن الجيش والشعب والإخوان كانوا في خندق واحد معاً ضد النظام الملكي في 1952، وضد نظام حسني مبارك في 2011.

نقاط تشابه

يرى صلاح عيسى، الكاتب الصحافي والمؤرخ السياسي، أن هناك علاقة وطيدة تربط بين ثورتي 23 يوليو 1952، وثورة 25 يناير 2011 وكلها حلقات متصلة في ثورة المصريين الوطنية، وليست منفصلة حيث تعتبر ثورة 25 يناير، هي محصلة ثورة 23 يوليو، وأوضح لـquot;إيلافquot; أن كليهما له معالم رئيسة في تاريخ النضال الوطني على الرغم من اختلاف أهداف كل منهما، فالعدالة الاجتماعية في ثورة 1952، والحرية والديمقراطية في ثورة 2011.

وهناك خط مشترك يجمع بين الثورتين، وهو الدرجة العالية في الإيمان بالله، فثورة 23 يوليو 1952، هي الثورة التي اعتلى قائدها جمال عبد الناصر منبر الجامع الأزهر ليعلن صمود شعبه وجيشه في مواجهة العدوان الثلاثي الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر عام 1956، وأعلن من فوق منبر الأزهر quot;سنحارب ولن نستسلم أبداًquot;، أما ثورة 25 يناير 2011 هي الثورة التي أدى فيها الثوار من المسلمين صلاة الفروض وصلاة الجمعة في ميدان التحرير، وحولهم إخوانهم من ثوار أقباط مصر، وأيضاً أدى ثوار مصر الأقباط صلاتهم وقداسهم في ميدان التحرير في حماية إخوانهم من الثوار المسلمين.

الجيش قاسم مشترك

وتابع عيسى: quot;هناك تشابه أيضًا بين ثورة 23 يوليو 52، و25 يناير 2011 وذلك في العلاقة بين الشعب والجيش، فثورة 23 يوليو ثورة جيش سانده وأيده الشعب، وثورة 25 يناير ثورة شعب احتضنها الجيش، ووفر لها الحماية وأقر مطالبها المشروعة في أول بياناته، وكان موقفه واضحًا بأنه سيقود البلاد لفترة انتقالية وتعهد حماية الديمقراطية وتسليم البلاد لسلطة مدنية منتخبة.

كما أن الجيش في ثورة 52 ـ والكلام لعيسى ـ كان معبرًا عن إرادة واحتياج شعب لم تتوفر له إمكانيات القيام بثورة فقام بها أبناء الشعب من الجيش بما يمتلكونه من وعي وإمكانيات، ودليل ذلك أن الشعب التف فوراً بجميع أطيافه حول الجيش أما ثورة 25 يناير فكانت شرارة البداية من الشعب الذي وصل إلى درجة من الوعي بحقوقه تمكنه من المطالبة بها دون وصاية وكان الجيش إحدى فئات هذا الشعب، كما كان للجيش في الثورتين الكلمة الأخيرة.

ففى ثورة يوليو عزل الملك وفي الثانية تم إسقاط نظام مبارك. لقد أثبتت ثورتا يوليو 1952 و يناير 2011 أن الشعب والجيش كيان واحد.

ووفقا لعيسى فإن هناك أوجه اختلاف بين الثورتين، يتمثل في أن ثورة يوليو أحد مبادئها بناء جيش مصري حديث على عكس ثورة 25 يناير فمصر فيها جيش قوي وحديث ومدرب، كما عرفت ثورة 23 يوليو بثورة الترانزستور، وهو الراديو الصغير الذي كان يحمله الفلاح في الحقل والعامل في المصنع وكان في ذلك الوقت أحدث وسائل التكنولوجيا، بينما ثورة 25 يناير 2011 استخدمت فيها قمة التكنولوجيا الحديثة والتي تتمثل في الانترنت والفايسبوك، إن ثورة يوليو لم تنته ومستمرة وامتدادها ثورة 25 يناير.

إختلاف

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر
ويؤكد أحمد حسن القيادي في الحزب العربي الناصري الاشتراكي أن هناك فرقا كبيرا بين ثورتي يوليو ويناير، وأوضح لـquot;إيلافquot; أن الأولى قام بها الجيش وحكم البلاد وأيّدها الشعب، لافتاً إلى أنه رغم إنجازات ثورة ناصر في التنمية والصناعة والصحة والتعليم، وتأمين قناة السويس فإنها أيضا خرجت عن الشرعية بابتعادها عن الديمقراطية وإلغاء الأحزاب.

وأضاف حسن أن ثورة يناير شعبية أيّدها الجيش، ولكن من قاموا بها لم يحكموا البلاد، ولم تحقق أهدافها بعد، والتي تطالب بالديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة، لافتاً إلى أن كل ما تحقق هو أهداف بسيطة تمثلت في تنحي مبارك عن السلطة، ومحاكمة بعض الفاسدين وليس جميعهم، مشددًا على أن نجاح ثورة يناير في تحقيق أهدافها سيفتح حقبة جديدة في تاريخ البلاد.

ثورتان ضد الفساد

ويشير السفير محمد بسيوني أحد قادة حرب أكتوبر، وسفير مصر السابق في اسرائيل أن الثورتين قامتا لصالح الشعب واقامة الديمقراطية والدولة المدنية الحديثة، وهذا كان الهدف الرئيس لهما، وأوضح لـquot;إيلافquot; أن ثورة 52 قامت على ستة مبادئ هي المبادئ نفسها التي قامت عليها ثورة 25 يناير، ومن أهمها إقامة حياة ديمقراطية وعدالة اجتماعية والقضاء على الفساد.

مشيرا إلى أن الثورتين تتشابهان أيضا في الحاجة للوقت لتفعيل المطالب فثورة 52 فشلت في إقامة حياة ديمقراطية سليمة والقضاء على الفساد وهو العائق حتى الآن فى ثورة 25 يناير والتي تحتاج إلى المزيد من الضغط من قبل الشباب وإلا صارت على نهج ثورة 52، لافتاً إلى أن ثورة يناير امتدادٌ لثورة يوليو، وأنها قامت على نهجها ومبادئها، فثورة يوليو انقلاب عسكري من الجيش قاده الراحل جمال عبد الناصر، وأيده الشعب، وأدى إلى عزل الملك فاروق الأول عن الحكم ومغادرته البلاد، والقضاء على الفساد والاحتلال بينما ثورة يناير، هي ثورة شعبية أيدها الجيش، وأدت إلى الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك.

23 يوليو قضت على النظام الملكي

وحسب حديث الدكتور محمد منصور، استاذ التاريخ الحديث، وعضو مركز بحوث الشرق الأوسط والدراسات المستقبلية في جامعة أسيوط لـquot;إيلافquot; فإن ضباط الجيش قبل القيام بثورة 52 كان هدفهم الأساسي القضاء على فساد الملك وخروج الإحتلال الانكليزي، ولكن بعد أن تحققت ما أرادوا بسهولة من إزالة السلطة القديمة والقضاء على الاستعمار وسيطرة الرأسمال على الحكم، وقاموا بطرد الملك فاروق، بدا أن لديهم النية في السيطرة على السلطة.

وتابع منصور: quot;من هنا بدأت فكرة الهدم للثورة وبالتالي بدأوا يتطلعون إلى السلطة متمرسين بالشرعية الثورية واستطاعوا من خلال حكومة علي ماهر رئيس الوزراء مواجهة التحديات ، ورغم استمرار الحكومة فترة 45 يوما الا أنها إصدارعدة قوانين ساهمت فى هدم النظام السابق وتمثل ذلك في مشكلة الوصاية على العرش والتي كانت تتمثل في عودة البرلمان الوفدي المنحل او عدم عودته الا انهم فضلوا عدم عودته حتى لا يكون الوفد ممثلا للثورة ويأخذ الشرعيةquot;.

25 يناير ما زالت تناضل

وقال منصور إن ثورة 25 يناير لم تستطع إسقاط النظام السابق كله، ولكنها أسقطت رأس النظام فقط، وهو الرئيس السابق مبارك، وهو الأمر الذي نجحت فية ثورة 52 بإسقاط النظام كاملاً، وهو ما يعني أن ثورة 25 يناير قامت بهدم أشخاص السلطة وليس فلسفة السلطة بمعنى استمرار توجهات الحكم نفسها ومدرسة النظام السابق كما هي كما أن الثوار لم يكن لديهم النية في الاستيلاء على السلطة كما حدث من الجيش في ثورة 23 يوليو 1952، ولكن مطالبهم كانت تتركز على إصلاحات سياسية.

واشار منصور إلى أن ثورة 25 يناير لم تستطع تحقيق ما حققته ثورة 23 يوليو من محاسبة كل رموز الفساد من النظام السابق، فما زال هناك البعض منهم لم يتم توجيه اتهامات لهم سواء من حيث عزلهم من الوظيفة أو حتى حرمانهم من حقوقهم السياسية.

مضيفاً: quot;كما أنه حتى الآن لم يتم إسقاط دستور عام 1971 كما اسقط دستور 1923 بعد ثورة 23 يوليو 1952 إلا أن دستور 1971 تم اجراء تعديلات دستورية علية فقط ثم تلاه إعلان دستوري الأمر الآخر أن ثورة يوليو 52 تم عمل محاكم عسكرية وثورية لرموز الفساد أما في ثورة 25 يناير فتتم المحاكمة أمام القضاء العادي أيضاً لم تؤمن ثورة 23 يوليو 52 بالتعددية الحزبية، أما بعد ثورة 25 يناير فالتعدّدية الحزبية موجودة، ولكنها في الواقع غير مميزة والدليل وجود 132 إئتلافاً لدعم الثورة الأمر الذي يجعل الشباب يتوزعون بين هذه الائتلافات والأحزاب دون هدف سياسي واضح، وليس التعددية تعبير عن الديمقراطيه بل يدل على الاختلافات وعدم الاتفاقquot;.

إنقلاب وثورة

ويرى سعد هجرس الكاتب السياسي أن ثورة 23 يوليو 1952 كانت انقلابا عسكريًا تحولت الى ثورة بعد انضمام الشعب اما ثورة 25 يناير قام بها الشعب أيّدها الجيش، موضحا لquot;إيلافquot; أن الظروف وحال مصر قبل الثورتين يكاد يكون واحدا فالاسباب واحدة من انتشار الفساد وسيطرة الرأسمال على السلطة والفساد الاداري للنظام وعدم وجود عدالة اجتماعية الا أن هناك درسامهما لابد أن نتعلمه من ثورة 52 بالنسبة إلى ثوار 25 يناير وهو أن اهم مبادئ ثورة 23 يوليو اقامة ديمقراطية حقيقة وهو ما لم يتحقق وسيكون الوضع خطرا لو صارت ثورة 25 يناير على نهج ثورة 52 من الديمقراطية فالأمر يتطلب ألا تتحول ثورة 25 يناير الى نصف ثورة كما حدث ي ثورة 52 وتتحقق مطالب ولا تتحقق الأخرى، وهوما نلفت إليه نظر ثوار 25 يناير.

الجيش والإخوان

وينبه الدكتور جهاد عودة استاذ العلوم السياسية في جامعة حلوان إلى أن أوجه التشابه بين ثورتي 25 يناير و23 يوليو عنصر المفاجأة وعدم التوقع بالنجاح، وأضاف لquot;إيلافquot; أن الشعب فوجئ بالجيش يقوم بثورة 52 والامر نفسه فوجئ الشعب بوقفة احتجاجية تطورت بسرعة الى انتفاضة ثم ثورة شعبية ونجحت الثورتان في التخلص من النظام، ويتابع: ومن التشابه بينهما الدور الفاعل للجيش، فثورة يوليو 52 كانت على شكل حركة انقلابية سرعان ما ساندها الشعب وأيّدها وهتف لها وآمن بمبادئها واهدافها رافعا شعار quot;الشعب والجيش ايد واحدةquot;، أيضا ثورة 25 يناير كان للجيش دور فاعل حيث قامت الثورة على أكتاف الشباب ثم الشعب واحتضنها الجيش ورفض العنف ضدها وظهر أيضا شعار quot;الجيش والشعب ايد واحدةquot;، كما ظهر في الثورتين الدور الفاعل للاخوان المسلمين بوجود تنسيق مشترك ما بين الضباط الأحرار والاخوان والدور الذي قاموا به في تأمين المنشآت المدنية والعسكرية للدولة، وكان لهم دور مهم في نجاح ثورة 23 يوليو 1952، والامر نفسهبالنسبة لثورة 25 يناير والتي قامت على اكتاف الشباب ولكن ما كانت ستكون ثورة إلا بمشاركة الاخوان.

ثورتان سلميتان

ومن أوجه التشابه بين الثورتين بأنهما بيضاء حيث رفض الملك فاروق الدعوة بدخول معارك مع الضباط الأحرار، وأراد الانسحاب بهدوء الامر نفسه حدث في ثورة 25 يناير برفض الجيش استخدام العنف ضد الثوار ورغم وجود 1200 مابين مصاب وشهيد إلا أن الثورات الدموية ينتج منها فقد حياة الآلاف من الشعوب، ونوه عودة بأنه من اوجه التشابه للثورتين الرغبة الجامحة للنخبة والنشطاء السياسيين في البحث أولاً عن الديمقراطية والتعددية الحزبية بالمطالبة لعمل الدستور أولاً، كما حدث في دستور 1954 وهو ما يتكرر الآن في ثورة 25 يناير بدعوة الدستور أولاً، والمبادئ فوق الدستورية، أيضا تتشابه الثورتان في الإحساس لدى الشعب بفقدان الدور المصري عالميا فقبل ثورة 1952، كان إحساس الشعب أن الملكية قضت على هيبة مصر وتحديدا بعد حرب 48 ولذلك رفع عبد الناصر شعار القومية العربية وهذا الاحساس نفسهكان موجودا قبل ثورة 25 يناير.

ويكشف الدكتور جهاد عودة عن اوجه الاختلاف بين الثورتين يتمثل في أن ثورة 1952 قامت في وجود منظومة دولية متمثلة في وجود قطبين دوليين وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الاميركية، أما ثورة 25 ليس لها سند دولي، ايضا لم يكن للسلفيين أي دور في ثورة 23 يوليو على العكس في ثورة 25 يناير، كما أن الضباط الاحرار تعاملوا مع الرموز بالتقيد الجبري وطرد الملك اما في ثورة 25 يناير فيتم محاكمة الرموز أمام القاضي العادي.