سلمت إدارة الرئيس باراك أوباما باختيار الشعب المصري محمد مرسي رئيسًا، لكن أفعاله هي ما سيحدد توجه الربيع العربي، بين تغيير جذري في النظام السياسي وبين تغطية المشاكل نفسها بغطاء إسلامي ألد عداوة لأميركا.


ينظر الغرب بريبة إلى الرئيس المصري محمد مرسي بسبب ارتباطه بجماعة الاخوان المسلمين. فهو لم يكن ذات يوم خيار واشنطن المفضل لقيادة مصر بعد الثورة. لكنّ الرئيس باراك أوباما اختار التسليم بما قرره الشعب المصري، إذ رأى أن التدخل في هذه المسألة ستضر بمسيرة ترسيخ الديمقراطية في مصر.

اليوم، يرى محللون أن هذا الخيار قد ينفجر بوجه أوباما. فبعد يوم على التوسط بين إسرائيل وحماس للاتفاق على وقف اطلاق النار في غزة، اتخذ مرسي خطوة يمكن أن تدرجه في عداد المستبدين، كسلفه حسني مبارك الذي صادقته الولايات المتحدة والغرب للحفاظ على السلام مع إسرائيل، على حساب الديمقراطية في مصر.

استبداد بوجه إسلامي

لخصت جنيفر روبن في صحيفة واشنطن بوست مخاوف الولايات المتحدة حين كتبت أن الربيع العربي في مصر quot;يبدو شبيهًا جدًا بدكتاتورية حسني مبارك من دون علمانيته وعلاقته الطيبة مع إسرائيل وشراكته الموثوقة مع الغرب. بتعبير آخر، قد ترزح مصر تحت استبداد جديد، من نمط استبداد مبارك يضاف إليه الحكم الاسلاميquot;.

جون ماكين، عضو مجلس الشيوخ الأميركي، واحد من الصقور الجمهوريين الذين لم يرتاحوا يومًا إلى سياسة أوباما في نأي الولايات المتحدة بنفسها عما يجري في مصر.

بالنسبة لهؤلاء الصقور، حان الوقت لتبدأ واشنطن في استخدام بعض أدوات الضغط، كحجب مليارات الدولارات من المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى مصر، ووقف دعمها للجهود الدولية الرامية إلى شطب ديون مصرية، ومنح مصر قرضًا قيمته 4.8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.

وقال ماكين في مقابلة مع قناة فوكس نيوز يوم الاحد إن ما يتعين على الولايات المتحدة أن تفعله هو القول للرئيس مرسي: quot;ما تفعله غير مقبول، ودولاراتنا ستُربط ربطًا مباشرًا بالتقدم في مسيرة ترسيخ الديمقراطية التي وعدتَ بها الشعب المصري يوم انتُخبت رئيسًاquot;.

مبررات مرسي

يتطلع المحافظون إلى أوباما متسائلين عما سيكون رده على إعلان مرسي الدستوري. وذهب كريس والاس، الاعلامي في قناة فوكس نيوز، إلى أن رد فعل إدارة أوباما على خطوة مرسي كان فاترًا للغاية.

لكن أوباما ينظر إلى الوضع، كما ينظر إلى الربيع العربي عمومًا، من منظار مغاير. فإدارته ترى في قيام مصر ديمقراطية الهدف الأول، معترفة بأن الطريق الى ذلك وعر ومحفوف بالمخاطر. ويقول مسؤولون أميركيون إنهم ينتظرون إيضاحات لخطوة مرسي وإعلانه الدستوري المكمل الذي تسبب بحالة من الفوضى في الشارع المصري.

يرى بعض المحللين أن ثمة اسبابًا دفعت مرسي إلى ما فعله. وحتى لو لم تكن مبررة، فهي أسباب يمكن، على الأقل، الدفاع عنها. فعلى سبيل المثال، يضم القضاء المصري متعاطفين مع النظام السابق ومع الجيش الذي كان دعامته. وكان هذا القضاء يخشى، على ما يبدو، من توجه مرسي إلى تطبيق الشريعة، فاتخذ قرارًا بعرقلة عمل الائتلاف الحاكم برئاسة مرسي، بما في ذلك حل البرلمان المنتخب.

ويستطيع مرسي الاستشهاد بتقارير إعلامية أفادت بأن القضاء كان يفكر في حل الجمعية الدستورية أيضًا، والاحتجاج بأن سلطاته الاستثنائية شر لا بد منه، وموقت لحماية الجمعية الدستورية من تدخل هيئة غير منتخبة، تحاول الإبقاء على مخلفات النظام السابق. ويمكن أن تستمع أميركا إلى كل ذلك.

سلام حار مع إسرائيل

نقلت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور عن مايكل أوهانلون، الخبير الأمني في معهد بروكنز في واشنطن، قوله: quot;علينا أن نستمر بما فعلناه خلال العامين الماضيين، بالكلام بصوت خافت والتحلي بالمرونة والالتزام بالحدود الدنيا من الخطوط الحمراء، مع فهمنا أن الأمور لن تكون سهلةquot;. أضاف: quot;أنا لستُ متأكدًا من أن مرسي اتخذ قرارًا خاطئًا، وان الاختبار الحقيقي هو تخليه لاحقًا عن السلطات الاضافية، كما تعهدquot;.

وبالنسبة لمن يتفقون مع وجهة النظر هذه، تمثل مصر فرصة ثمينة، فرصة امام صوت عربي طالما قمعه حكام مستبدون مدعومون من الغرب، لكي يجد له مكانة رفيعة المستوى في الحوار العالمي.

وكتب المعلق توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز: quot;لا يمكن ألا يغرينا حجم النفوذ الذي يستطيع مرسي أن يمارسه في عملية السلام، إذا اختار يومًا أن يتواصل مع إسرائيلquot;. فلأن مرسي يمثل جماعة الاخوان المسلمين، وهم طليعة الاسلام العربي، ولأنه انُتخب ديمقراطيًا، فوقوفه إلى جانب اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين أثمن بكثير لإسرائيل من سلام كامب دايفيد البارد، الذي حققه السادات وحافظ عليه حسني مبارك.

يضيف فريدمان: quot;السادات عرض على إسرائيل سلامًا مع الدولة المصرية، لكن يمكن لمرسي أن يعرض على إسرائيل سلامًا مع الشعب المصري، ومن خلاله مع كل شعوب العالم الاسلامي، لكن هذا لن يكون مجديًا إلا إذا بقي مرسي رئيسًا لمصر، يقاوم اغراء تحوله إلى نسخة اسلامية من مباركquot;.

ربيع غيّر أم...

هل يرغب مرسي في ذلك أو هل يريده؟ هذه نقطة خلاف أساسية في واشنطن، حيث ينظر البعض إلى التهدئة التي تحققت بين إسرائيل وحماس بوساطة مرسي، فيرون رجلًا يتكلم لغة خطابية نارية لكن يتعامل مع الحقائق السياسية بتؤدة.

وينظر البعض الآخر إلى المنطقة نظرة متشائمة، تؤكدها خبرة سنوات في السياسة الخارجية. وتساورهم شكوك عميقة في الدافع وراء السلطات الاستثنائية الموقتة التي منحها مرسي لنفسه.

وبحسب صحيفة كريستيان ساينس مونيتور، يشير هذا كله إلى ما قد يكون السؤال الأساسي الذي ما زال يبحث عن إجابة: quot;هل أسفر الربيع العربي عن تغيير نموذج النظام السياسي المعتمد في المنطقة، أم اكتفى باضفاء وجه جديد أشد عداء لأميركا على المشاكل القديمة نفسها؟quot; أفعال مرسي ستجيب بالتأكيد عن هذا السؤال.