تبادلت أفراد فرقة quot;بوسي رايوتquot; الرسائل سرًا أثناء وجودهن في السجن، كشفت تلاعب السلطات الروسية بالمحاكمة ومحاولة إحداث انقسام في الفرقة.
في روسيا، تلقب السجينات اللواتي يتجسسن على زملائهن بـوصف quot;ناسجيدكاquot; أي الدجاجة الأم، فيتقربن من السجينات حتى يعترفن لهن بأسرار قضاياهن أو يكشفن عن شركائهن. في المقابل، تحصل المخبرة على إفراج مبكر أو تحسّن ظروف اعتقالها.
استخدم هذا الاسلوب مع فريق quot;بوسي رايوتquot;، فتم تعيين مخبرة للتجسس على أفراد الفريق الغنائي تدعى ايرينا أورلوفا، تشاركت الزنزانة مع كاترينا ساموتسفيتش (30 عامًا) الأكبر سنًا بين المغنيات الثلاث، وهي مبرمجة كمبيوتر عملت سابقًا في وحدة لتصنيع الأسلحة.
وجد المحققون أن ساموتسفيتش هي الحلقة الأضعف بين النساء الثلاث، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها مثلية الجنس. وبالتالي، من المحتمل أن تكون أكثر خوفًا من السجن لأن المثليات يتعرضن للمضايقة من السجينات.
تقربت أورلوفا، الدجاجة الأم، من ساموتسفيتش عن طريق الاهتمام بها، فنظفت الزنزانة ومشطت شعرها وأعدت لها الطعام في المطبخ الصغير، وفقًا لما يذكره أحد محاميها لصحيفة در شبيغل الألمانية.
تأليب الناشطات
بمساعدة فريق من المخبرين والمحققين، تمكنت أورلوفا من خلق الشكوك بين الفتيات والتأثير على المحاكمة التي استقطبت اهتمامًا عالميًا في العام الماضي. منذ البداية، أبقى عملاء المخابرات الروسية الفرقة تحت المراقبة، في محاولة لتفكيك أسطورة بوسي رايوت، وتأليب الناشطات ضد بعضهن البعض.
تبدو الأساليب التي استخدمتها السلطات واضحة في الرسائل التي تبادلتها الفتيات أثناء احتجازهن في الخريف الماضي. وقام المحامي المسؤول عن القضية بنقل الرسائل بينهن من غرفة إلى أخرى.
تصور هذه الرسائل الحياة اليومية للنساء في السجن، فضلًا عن تقديمها نظرة ثاقبة للوسائل التي يحقق من خلالها الرئيس بوتين انتصاراته، وتكشف كيف تتلاعب دولته بالمحاكمات وتسيطر على الرأي العام.
quot;احترسي من إيريناquot;، قالت ناديجدا تولوكونيكوفا (22 عامًا)، المتحدثة باسم الفرقة، لصديقتها اليوخينا (24 عامًا) التي كانت تقبع في زنزانة في الطابق السفلي، في إشارة إلى أورلوفا، محذرة اياها من أن تسمح لايرينا quot;بالحصول على أي فرصة للتأثير عليناquot;.
شكوك والقسم إي
يعود تاريخ تلك الرسالة إلى 13 تشرين الثاني (اكتوبر)، بعد ثلاثة أيام من جلسة الاستئناف، عندما أطلق سراح ساموتسفيتش في تطور مفاجئ، في حين حكم على الاثنتين الاخرتين بالسجن عامين في معسكر اعتقال. وجاء هذا التحذير بعد فوات الأوان لأن عملاء المخابرات تمكنوا بالفعل من زرع إسفين بين أفراد المجموعة.
quot;هل ضعفت يكاترينا؟quot; كتبت اليوخينا في رسالة لصديقتها، متسائلة عما إذا كانت ساموتسفيتش استسلمت وعقدت اتفاقًا مع السلطات. ويبدو من الرسائل أن هذا ما قد حدث.
في العام 2009، حكم على أورلوفا خمس سنوات في السجن، وتم إرسالها إلى أحد السجون الروسية المختصة بالنساء، بعدما أدينت بتهمة الاحتيال والغش، ما جعلها المرشح المثالي لـquot;E Zentrquot; أو quot;القسم إيquot;، وهو قسم خاص سيئ السمعة في وزارة الداخلية الروسية. وبالرغم من انه أنشئ رسميًا لمكافحة التطرف، إلا أن هدفه الحقيقي كان اتخاذ أقسى الإجراءات ضد معارضي الكرملين.
وبحسب شبيغل، بما أن أفراد الفرقة كنّ تحت المراقبة، وعملت السلطات على التنصت على هواتفهن ورسائل بريدهن الإلكتروني، من الصعب أن نتصور أنهن استطعن تنفيذ الأداء المثير للجدل في كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو حيث ألقي القبض عليهن قبل عام تقريبًا. فهل يمكن أن تكون الحكومة هي العقل المدبر وراء هذه الدراما؟
غيرت رأيها
في آذار (مارس) 2012، تم نقل أورلوفا من مقاطعة نهر الفولغا إلى مركز الاحتجاز رقم 6 في موسكو، في ضواحي المدينة الجنوبية الشرقية، الملقب بسجن الباستيل، حيث وضعت في زنزانة 110، مع ساموتسفيتش.
وعبرت تولوكونيكوفا في واحدة من رسائلها عن قلقها من العلاقة بين صديقتها والمخبرة. قالت: quot;سيطرت المخبرة على إيرينا، انها كالقطة التي تأكل الطعام من يدها، أنا قلقة جدًا من علاقة الأم وابنتها القائمة بين الاثنتينquot;.
تبين هذه الرسائل قلقها إزاء وحدة المجموعة النسوية، لكنها تعكس أيضًا خوفها من خسارة المعركة لكسب الرأي العام. وقال محاميها مارك فيغن إنها أبلغته قبل المحاكمة بأنها لن تعترف بالذنب، ولن تتعاون مع الحكومة والمحققين.
وفي المحكمة، قال فيغن إن ساموتسفيتش أرادت محاكمة سياسية، حتى أن بعض المحامين فكروا في تأسيس حزب بوسي رايوت المعارض، والسعي لاستخدام المحاكمة لتصفية الحسابات مع نظام بوتين.
لكن ساموتسفيتش غيرت اتجاهها. ففي اليوم الأول من جلسة الاستئناف، أبلغت صديقاتها بأنها لا تريد محام مشترك، فيما فشل والدها ستانيسلاف ساموتسفيتش في في إقناعها بالعدول عن رأيها الذي اعتبره quot;فكرة غبية من شأنها تقسيم المجموعة وإفادة الأعداء.quot;
وسرعان ما قال المحام الجديد إن موكلته لم تشارك في الأداء، ما أدى إلى إطلاق سراحها مع إبقائها تحت المراقبة.
مشاريع تجارية
في رسالة إلى اليوخينا، تساءلت تولوكونيكوفا عما إذا كان ضمير ساموتسفيتش مرتاحًا بعد ما فعلته. قالت: quot;أعتقد أن الأمر ليس مجرد هدية ليكاترينا، لكنه فخ سياسي. أنا حزينة لدرجة أني قد أثمل إذا اتتني الفرصة، لا أستطيع أن أصدق انها عقدت صفقة مع السلطات.quot;
فيما كانت الشابتان تناقشان قضيتهما في السجن، سددت ساموتسفيتش صفعة لهما باعترافها بالذنب، في خطوة كانت مفيدة للغاية للكرملين. وقالتا إنهما قدمتا شكوى لدى نقابة المحامين، وطالبتا بشطب محامي الدفاع عن القضية من النقابة واتهمتاهم بمحاولة تأمين العلامات التجارية لـ quot;بوسي رايوتquot; من دون علمهما.
لكن تبين من الرسائل أن السجينتين بدورهما فكرتا مليًا في استغلال العلامة التجارية للفريق. فكتبت اليوخينا تقول: quot;قضينا الكثير من الوقت في مناقشة مشاريع تجارية مشتركة مع المحامين، وأعتقد أننا يجب أن نفعل هذا. لا أعتقد أن علينا أن نكون حثالة السياسية. سنقرر مقاضاة من نريد، والأكثر أهمية هو أن نتمكن من جني الكثير من المالquot;.
تولوكونيكوفا كتبت أيضًا: quot;كل شيء جدير بالاهتمام إذا تمكنا من الحصول على ما نريد في السر، من دون اهتمام وسائل الإعلام. سنكسب بعض المال من اسم (بوسي ريوت) لكنى لا أريد أن أدمر سمعتي، أفضل أن أكون فقيرة على ألا أتمكن من النظر إلى نفسي في المرآةquot;.
حقيقي أو مزور؟
قبل أشهر، استأجرت السجينات شركة في موسكو لتسجيل quot;بوسي ريوتquot; علامة تجارية. ومن المفارقات أن صاحبة الشركة هي زوجة المحامي مارك فيغن.
ويعود تاريخ العقد إلى 5 نيسان (أبريل) 2012 وعليه توقيع الفتيات الثلاثة، لكن ساموتسفيتش تقول إن توقيعها مزور، وإنها لم تعلم بوجود هذا العقد من قبل. لكن المحامي فيغن، الذي طردته موكلاته، يصر على أن العقد حقيقي.
ويعتبر فيغن أن كل ما حدث أضر بسمعة الفتيات وساعد الحكومة، بما في ذلك النزاع على المال والعقود، وطرد المحامين، والشكوك والشائعات عن الخيانة. ويبدو أن المؤسسات الإعلامية التي تؤيد الكرملين تستغل الاتهامات لتشويه سمعة الفريق.
وفي استطلاع للرأي، يدعم أكثر من ثلاثة أرباع الروس العقوبات القاسية بحق quot;بوسي رايوتquot;.
بالنسبة لبوتين، كانت فضيحة quot;بوسي رايوتquot; جديرة بالاهتمام في ثلاثة جوانب: أولًا، أدى أداء الفرقة في الكاتدرائية إلى تعبئة مؤيدي بوتين المحافظين عشية الانتخابات الرئاسية. ثانيًا، انقسمت المعارضة لأن العديد من المعارضين لبوتين اعتبروا الأداء تدنيسًا للكنيسة. وثالثًا أن بوتين يستطيع الآن تصوير الغرب بنجاح على انه منحل ومعاد لروسيا.
أما الشابتان اللتان تقبعان وراء القضبان في السجن، فهما بمثابة تحذير واقعي لأي شخص يحاول تكرار أو تقليد ما فعلته quot;بوسي رايوتquot;.


















التعليقات