قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لماذا تواجه هذه القضية كل هذا الانسداد الشامل على مختلف المستويات؟ هذا السؤال يمكن اعتباره جذر القضية الكردية في تركيا والشرق الأوسط، وما عداها هي جزئيات على صلة بها مثل الحظر الأخير الذي أقرته المحكمة الدستورية ضد حزب المجتمع الديمقراطي الذي يعتبر الممثل الرئيس لأكراد تركيا داخل البرلمان وخارجه.

الكثير من المتابعين للشأن الكردي حتى من الأكراد انفسهم، لا يعرفون التاريخ الكامل والحقيقي للثورات الكردية في تركيا وايران والعراق، فهي بحق من الصعوبة حصرها ودراستها إلا في إطار الحديث عن الكفاح العام ضد ظلم الحكومات الأربعة التي يحفظ الأكراد تاريخها وهي تركيا وايران والعراق وسوريا. ولعل المصيدة التي وقع فيها الأكراد دون ان يوقعوا أنفسهم فيها هو مواجهتهم لحكومات رجعية وقومية ضيقة الأفق، تعتمد على الرقم واحد في منهج حكمها : شعب واحد، علم واحد، لغة واحدة، أصل تاريخي واحد، وعدو واحد يكون تارة الشيطان وحلفاؤهم (الأكراد) وتارة أخرى الغرب - اليوناني - وعملاؤهم (الأكراد) الذين يسعون لتقسيم البلاد، أو الامبريالية ومرتزقتها (الأكراد) الانفصاليون. فيحصل الكردي فجأة وبسهولة على صفة عدو الداخل حتى عندما يلتزم منزله، فهو وفقا لهذا التسويق الأحادي عنصر طارئ يتحين الفرصة لينقض على الدولة الواحدة والموحدة قسراً.

وينسى هؤلاء أصحاب الأيديولوجيا التي نسميها quot;الرقم واحدquot; أن الأرقام الأخرى لا تعني الانفصال عن الواحد بل هو الواحد مضافا إليه مثله. عندما يرفع الكردي السلاح يتعرض للابادة والحرب التي لا مثيل لها، ليس من ناحية حجم التدمير الذي تتعرض لها المناطق الكردية فحسب، بل من حيث أنها تتحول إلى منطقة مغلقة على الاعلام الخارجي والداخلي، وما يزيد الطين بلة هو أن معظم أصحاب الأصوات المسموعة من النخب الثقافية في المنطقة العربية على سبيل المثال هم اكثر الناس سطحية في فهم الأبعاد الحقيقية للقضية الكردية في الشرق الأوسط، منساقين وراء فكرة الرقم واحد مثلهم في ذلك مثل بقية الحكومات الفاشلة رغم ان الكثير من هذه النخب تعتبر نفسها غير متوافقة مع النظام السياسي العربي الرسمي مثل الكاتب المصري فهمي هويدي، لكن عند الحديث عن القضية الكردية في تركيا فإنه يسوّق علنا للنموذج الذي يسميه هويدي بquot;الاسلامي المعتدلquot; متمثلا في كل من أردوغان وصحبه، وعند الحديث عن اكراد العراق يتحول خطاب هويدي والعشرات من امثاله إلى خطاب دول الخلافة، فنسمع كلمات مثل quot;في إطار الدولةquot; و quot;الأكراد يسعون للانفصال وتقسيم وحدة التراب العراقيquot;، مثل هذا الكلام تعمق في وعي الشارع العربي خاصة في البلدان البعيدة عن اماكن تواجد النزاع الكردي مع الدول التي تتقاسم أرضهم، وهي مفارقة عندما يجد الكردي أن العربي العراقي اكثر تفهما لقضيته من العربي الأردني او المصري، بل إن التعليقات التي يكتبها متصفحو بعض الصحف والمواقع العربية ربما تكشف عن أزمة اكثر تعقيدا في علاقة مستقبلية مريحة بين العرب والأكراد عندما يتشفى الكثير من هؤلاء المعلقين بما تفعله تركيا بأكرادها من منطلق quot;أين المفر أيها الأكرادquot;. هل هذا يعني أننا فقدنا الأمل في مستقبل أكثر قابلية ليجعلنا نتفاءل ونبتسم عندما نقرأ خبر حظر حزب المجتمع الديمقراطي؟

النخب العربية المثقفة التي نادت بالحداثة تعرضت لضربات قاسية ومتلاحقة في ظل السلوكيات الكارثية للأنظمة المدعية للعلمانية والقومية، ثم تفشي الحركات الرجعية الدينية وتعفن النظم القومية التي لم تعد قادرة على تبرير وجودها إلا بتضخيم عدوها. في الدول العربية تكون اسرائيل هي العدو الخارجي ودائما لا بد ان تتواجد جهات متواطئة مع العدو الخارجي لتكتمل نظرية السلطة المستندة في عمقها النفسي والاجتماعي على مفهوم quot;الغزو والاحتفاظ بالغنائمquot;. لا يوجد كردي يعترض على اعتبار اسرائيل دولة عدوة، فهي منتهكة لكل حقوق الانسانية في فلسطين، وهذا لا خلاف عليه، لكن لن يكون هذا العامل مقنعاً لخنق الداخل، والاطاحة بالفكر الديمقراطي في سبيل الحفاظ على صيرورة quot;الواحدquot;، الكلام ذاته ينطبق على تركيا أيضا والتي تعيش هاجس حرب التحرير التي قادها مصطفى كمال اتاتورك وانقذ تركيا من التقسيم بين اليونان وايطاليا وفرنسا والانكليز، اليوم يردد القوميون الأتراك هذه الوقائع باعتبار أن التحرك الكردي يشكل مقدمة للتدخل الخارجي الحتمي في نظر هؤلاء، متناسين أن جيش اتاتورك الذي انطلق به إلى الحرب كان من الأكراد الذين بقيت مناطقهم هي الوحيدة التي لم تقع تحت الاحتلال الغربي.

الجانب الآخر من المصيدة الكردية هو تناقضها مع مراكز القوى العالمية التي تتحكم بقدر كبير من صناعة الأحداث في العالم أو رسم نهايات لها وفقا لرؤية هذه المراكز، ولا يخفى على احد التناقض الذي يدفع ثمنه الأكراد في تركيا منذ عشرات السنين بسبب التوافق التركي الأميركي. ليس لدى الأكراد ما يقدمونه للغرب أكثر مما يقدمه أردوغان ومعارضوه لهم. يجب الاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على هذا الأساس، إذا كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من دعاة الحقوق والديمقراطية فلدى الأكراد ما يكفي من الخام لهذه القيم، وإذا كانت المصالح الاقتصادية هي التي تتحكم بالأمر كما في علاقة ألمانيا بإيران فليس لدى الأكراد ما يقدمونه لهم. أما التوافق الأميركي الكردي في العراق فيأتي بعد تسبب الأميركيين بمقتل مئات الآلاف منهم منذ العام 1975 عندما تم توقيع اتفاقية الجزائر بين النظام العراقي السابق وشاه ايران وحى تاريخ سقوط النظام البعثي في نيسان 2003. وهذا التوافق ناتج عن قوة الأكراد في المعادلة الداخلية العراقية أكثر من كونه تحالفا مبدئياً. وبالتالي الطرف السفلي من المصيدة هو العقلية المعتمدة على المنهج الديني اللاهوتي في تفسير quot;نحنquot; و quot;الآخرquot; وكأن الأوثان وأشباههاعادت من جديد، وتعتمد الدولة القومية في عموم الشرق الأوسط على هذه العقلية، اما الجزء العلوي من المصيدة فهو تناقض الحقوق الكردية مع مصالح الدول الكبرى دون ان يكون هناك احتمال لظهور قوى كردية حليفة للغرب على نحو ينال من قوقعة الفاشيات القومية في الشرق الأوسط، دون ان ننكر أن التدخل العسكري الغربي في المنطقة يثير غبطة الأكراد بسبب فقدان الأمل في اصلاح النظام القومي المشوه لنفسه من الداخل وعدم قدرة الحركات القومية الكردية ndash; باستثناء حزب العمال الكردستاني في تركيا ndash; من دفع النظام الحاكم للتغيير سلميا او عسكريا.

إن الخطاب الديني الذي يسيطر حتى على الكثير من المزاج السياسي العلماني في المنطقة لن يتيح تطور الحلحلة في القضايا الشائكة التي تعيق نهضة الشعوب المنهكة بحروب الحاضر وذكريات الماضي الأليم، وأحوج ما نكون إليه الآن هو فسحة من الأمل بانحسار دعاة الرقم واحد. وكما يقول الشاعر التركي اليساري ناظم حكمت quot; أجمل الأيام هي التي لم تأت بعدquot;.


[email protected]