قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أعجب من حال بعض الفضائيات التي لا يربطها بالزمان الحاضر سوى تقنيات الصوت والصورة، وما عدا ذلك فهي أبعد ما تكون عن تحديات العصر ومتطلباته الملحة..
تجد هذه الفضائيات منصرفةً عن الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية خارجية وداخلية من مخططات معادية واستبداد وفساد داخلي..وقد جعلت لنفسها هماً واحداً ووحيداً كرست له جهودها وأوقاتها وهو مهاجمة إيران والشيعة وشيطنتهم والتحذير من خطرهم..
لست في معرض الدفاع عن إيران ولدي كثير مما أقوله في انتقادها، ولكن ليس في هذا الموضع وليس بالأسلوب الفتنوي المثير للكراهية الذي تنتهجه هذه الفضائيات، وكذلك ليس نقداً لكونهم شيعة فمن حق أي إنسان أن يكون له رأيه المختلف معنا ما دام يحترم آراءنا ولا يسيئ إلى رموزنا، ولكن من حيث سلوكها السياسي.
كذلك لدي ما أقوله في كثير من الخرافات والضلالات عند بعض الشيعة والتي تجعل الحليم حيراناً..مؤخراً سمعت أحدهم يقول إن الأنبياء كلهم عبيد للحسين، وآخر يقول إن الله يقول الشعر في علي..
لكن ليس هذا موضوع حديثي فالدنيا مليئة بالخرافات، ولو أننا رددنا على كل خرافة لما اتسعت أعمارنا لذلك ولتعطلت حياتنا عن كل عمل نافع..
موضع انتقادي لهذه الفضائيات هو التركيز على هذه الخرافات، والانشغال بالرد عليها عن قضايا ملحة تهم الأمة للنهوض والفاعلية..
هذه الفضائيات تمارس دوراً خطيراً فهي تحشد الناس وتشحن النفوس باتجاه معركة مفتعلة ليست هي معركتنا الرئيسة وتسعى لأن تسوق بأن تناقضنا الرئيس هو تناقض داخلي وليس مع الأعداء الخارجيين الذين يتربصون بنا الدوائر ويخططون لتقسيم البلاد وإذلال العباد..
مشكلة القائمين هذه الفضائيات أنهم حين يفعلون ذلك ويثيرون كل هذا المقدار من الحقد والتعبئة السوداء فهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم بذلك يتقربون إلى الله زلفى، وأنهم يخدمون دينهم ويدافعون عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.
فضلاً عن كون الأسلوب المتبع في هذه الفضائيات أبعد ما يكون عن الحوار الهادئ الذي يؤلف القلوب ولا ينفرها وعن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن التي أمرنا القرآن بها، فضلاً عن الأسلوب فالملاحظة الأهم هي حول جوهر القضايا المثارة، فهي قضايا تاريخية قديمة عفا عليها الزمن ولم تعد مناقشتها ذات أهمية كبيرة في عصرنا الحاضر، فماذا يفيدنا مثلاً أن نثبت بعد ألف وأربعمائة عام أن أبابكر كان أحق بالخلافة من علي رضي الله عنهما، وهل تتوقف رسالة الإسلام الرحمة للعالمين على مناقشة هذه القضية؟ وهل سينهار بناء الإسلام إن لم نثبت أحقيتنا في بعض القضايا الثانوية في خلافنا مع الشيعة؟؟..
إن الاستغراق في الماضي والتعصب له حتى لو كان من باب الدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم لا يخدم الإسلام لأنه يصوره وكأنه لا يملك أجوبةً شافيةً للتحديات الراهنة، وأن إبداعه اقتصر على مرحلة تاريخية انقضت وأن كل ما يستطيع أن يفعله في الوقت الحاضر هو الحنين إلى أمجاد الماضي واجترار الخلافات القديمة والتعصب لأمة قد خلت في الزمان الغابر دون أن يكون له شهود حضاري في هذا الزمان..
الحق أن الإسلام في حالة شباب متجدد ولديه ما يقوله للإجابة عن تحديات كل عصر، وأفضل خدمة نقدمها للإسلام هو أن نلتفت إلى التحديات المعاصرة ونوجد لها الأجوبة الملائمة النابعة من هدي الإسلام.
لقد علمنا القرآن منهجاً غايةً في الروعة للتحرر من أثقال الماضي فقال الله تعالى quot;تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملونquot;..هذه الآية العظيمة تكررت في سورة البقرة مرتين، وهي تدعونا بشكل صريح إلى الالتفات إلى الحاضر بدل الاستغراق في الماضي واجترار أحداثه وأخطائه وتراكماته، لأننا لا نملك تغييره ولن يحاسبنا الله عليه، ولكنه سيحاسبنا على أعمالنا في الوقت الحاضر..
إن الإسلام يقول لنا إننا أبناء الحاضر، وليس بقايا الماضي، واستحضار الماضي يكون فعالاً إذا كان لاستلهام دروسه، وليس إذا حولناه إلى عائق يقيد تفكيرنا ويحول دون انطلاقتنا ووحدتنا ويشوش نظرتنا إلى المستقبل..
حتى إذا كان الحديث عن فضائل الصحابة وأمهات المؤمنين، وهو عمل طيب يشكر عليه أصحابه، إلا أن المبالغة في هذا الجانب فيه خلط للأولويات، ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أن الآيات التي تخص الصحابة بالذكر قليلة العدد مقارنةً مع الآيات التي تدعو مثلاً إلى إقامة العدل والقسط، وتحذر من عاقبة الظالمين، والتي تعد بالمئات، ومن بين عشرات الآلاف من الصحابة الأجلاء لم يذكر القرآن بصريح العبارة سوى اسم صحابي واحد وهو زيد رضي الله عنه، وهذا الاختلاف في نسب التركيز على المواضيع في القرآن الكريم ليس بدون دلالة، ومن فقه المؤمن كما قال العلامة القرضاوي أن يضخم ما ضخمه القرآن، وحين يركز القرآن في كل سورة تقريباً على العمل الصالح بينما لا يخصص للحديث عن فضائل الصحابة سوى نسبة ضئيلة، فلأنه يريد منا أن نظل مرتبطين بالمنهج الصافي المجرد المتعالي على الأشخاص والظروف والملابسات الوقتية، وهذا ليس تبخيساً من قدر الصحابة ولكنه درس لنا..
استناداً إلى هذا النهج القرآني فإننا مطالبون بالالتفات أكثر إلى قضايا الحاضر، وإفراد مساحة أكبر من اهتمامنا لقضايا العدالة والحرية، والالتفات إلى تحديات العصر، والتقليل من الجدال في قضايا تاريخية تجاوزها الزمن..
لقد كان موسى عليه الصلاة والسلام متنبهاً إلى خطورة الاستغراق في مناقشة الماضي لأن ذلك سيكون على حساب القضية الأساسية الحاضرة، فحينما سأله فرعون ما بال القرون الأولى لم يتورط موسى في هذا النوع من النقاش ولكنه سارع إلى إغلاق الباب بالقول: quot;علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسىquot;..فليس مهماً تقييم الأمم التي خلت ولكن المهم هو هداية الأمم الحاضرة..
لا أظن أنه سيسر النبي صلى الله عليه وسلم لو قدر له أن يبعث بيننا فرآنا ونحن نصرخ في حبه وفي الدفاع عن زوجته المبرأة عائشة وعن أصحابه الأجلاء ونخصص الخطب والفضائيات لذلك، بينما الأمة ذليلة بين الأمم تستباح ديارها وتنتهك أعراضها، إن أكثر ما يسر نبينا صلى الله عليه وسلم هو أن نحيي القرآن في حياتنا وأن يرانا مجتمعين متآلفين على هديه سائرين..
إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما قد نجحا في تقديم صورة مشرقة للإسلام ليس بالتباكي على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والاكتفاء بالخطب العصماء في تعديد مناقبه وإفحام شائنيه، ولكنهما خدما الإسلام بمواجهة تحديات عصرهم التي لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حروب الردة وغيرها، وإن كنا صادقين في حبنا لأبي بكر وعمر فإن ذلك يكون بالسير على نهجهما في مواجهة تحديات زماننا المستجدة كما فعلوا مع زمانهم..
إنه لا يعقل أن تستغرقنا الخلافات القديمة إلى هذا الحد، ونغفل عن الأخطار الوجودية التي تتهددنا من كل جانب، فالسودان على شفا حفرة من نار التقسيم أو الحرب، والقدس تهود كما لم يفعل بها من قبل، والصهاينة يعدون العدة لشطب آخر ما تبقى من معالم العروبة والإسلامية في فلسطين ويعلنون على الملأ ضيقهم من وجود الفلسطينيين في أرضهم، والفساد والاستبداد ينخر في بلادنا..أليس في كل هذه الأخطار ما يكفي لاستفزاز عقولنا وتنبيهنا إلى معركتنا الحقيقية؟؟
كأني بالعالم وهو ينظر إلى مثل هذه الفضائيات يسخر من حالنا ويتعجب أن يوجد بشر على كوكب الأرض بهذه الدرجة من السذاجة يناقشون قضايا ميتة ويغفلون عن النار التي تلتهم ديارهم..
إن هذه الفضائيات علمت أم جهلت فهي تقوم بتخدير عقول الأمة وصرفها عن أولوياتها وهي تسير في خط الأنظمة العربية الاستبدادية، وليس غريباً أن نسمع بأن أميراً خليجياً يدعم إحدى هذه الفضائيات بالمال، فهي تقوم بدور ريادي في تصريف غضب الشعوب إلى مجرى طائفي بدل أن ينفجر في وجه الفساد والاستبداد الذي تمارسه الأنظمة..
ربما سأغير رأيي في هذه الفضائيات لو أنها تجرأت مرةً واحدةً لتنتقد الاستبداد في الدولة التي تبث منها بنفس الجرأة، ولكنني لا أظنها تفعل، فهي حين تنتقد إيران ومن والاها فإن في ذلك هوىً سياسي تحققه لذلك النظام المستبد، حتى لو لبس الخطاب لباس الغيرة على الدين والعقيدة..
لو كانت القضية غيرةً على الدين، فإن تناقضاتنا مع الصهاينة وأمريكا هي أكثر من تناقضاتنا مع إيران، فأين حديث هذه القنوات عن الجرائم الصهيونية والأمريكية؟ وهل لو انقلب المشهد السياسي في المنطقة وتصالحت تلك الدول مع إيران..هل ستظل هذه الفضائيات على هذه الدرجة من القوة والحماسة في السب والشتم؟؟
بالطبع فإنني أقصد مما تقدم فضائيات بعينها أترك تسميتها لذكاء القارئ، ولا أجمع كل الفضائيات في سلة واحدة، فهناك من الفضائيات الدعوية من تقدم خطاباً راقياً يستحق الاحترام والتقدير..
إن ما تحتاجه الأمة اليوم هو فضائيات تجمع ولا تفرق، توعي الأمة بأولوياتها وبالأخطار المحدقة بها، وتقود الأمة في مشروع نهضوي حضاري يجعل لها مكاناً تحت الشمس حتى لا نظل سخرية للآخرين وفتنةً للذين كفروا..
quot;ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيمquot;
والله أعلى وأعلم..

[email protected]