من مفكرة سفير عربي في اليابان
يناقش الأستاذ أمين في مجلداته الثلاث عن الإسلام، العقلية العربية، ويعتقد بأن: الإسلام أثر على العقلية العربية، بتعاليمه، وبتواصله مع حضارات وثقافات جديدة، بعد فتوحاته المتعددة. وقد كان لنظام الرق والولاء، أكبر الأثر فيه، حيث وزعت النساء والرجال بعد الفتوحات كغنائم، ليمتلئ بيت كل جندي عربي، تقريبا، بعبيد من الرجال وإماء من النساء. وقد أدى التمتع بالإماء لولادة أجيال مختلطة، ونتج من ذلك بيت عربي، يحتوي على دماء عربية، مختلطة بدماء فارسية أو رومانية أو سورية أو مصرية أو بربرية. وقد أنتج هؤلاء الأرقاء والموالي الجيل الثاني لعهد الفتح، والذي ضم خير المسلمين، وحملة لواء العلم، فخلقوا حركة ثقافية وعلمية متميزة، واشتركوا في حركة اجتماعية واقتصادية، ليمتزج في سائر المملكة الإسلامية العنصر العربي والأجنبي تمام الامتزاج في فارس والشام ومصر والمغرب، وحتى جزيرة العرب نفسها لم تعد جزيرة العرب، بل صارت جزيرة المسلمين جميعا. كما امتزجت العادات الفارسية والرومانية بالعادات العربية، وتداخل قانون الفرس والرومان بأحكام القران الكريم والسنة، وأختلط حكم الفرس وفلسفة الروم بحكم العرب، لتتأثر جميع مرافق الحياة، والنظم السياسية والاجتماعية، والطبائع والعقلية، تأثرا كبيرا بهذا الامتزاج، وحتى العقيدة لم تخلو من التأثر.
وناقش الكاتب تأثير هذه الفتوحات على مزج العقل العربي بالعقول والثقافات الأخرى، وتساءل: هل تظن أن الفارسي أو السوري النصراني أو الروماني أو القبطي إذا دخل الإسلام أمحت عنه جميع العقائد التي ورثها من آبائه وأجداده، وتفهم الإسلام بتعاليمه؟ وكان رده: quot;كلا! وعلم النفس يأباه كل الإباء، فصورة الإله في العقل الفارسي، غير صورة العقل النصراني الروماني، وغير صورة العقل النصراني المصري، كما أن الألفاظ المستعملة في الديانات، كجهنم والجنة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي، تختلف تصور فهم معانيها عند كل واحد من هؤلاء. وقد أدى الامتزاج لأجيال لها عصبية سياسية، غير العصبية العربية، وتقاليد دينية تختلف عن بساطة الإسلام العربي. وقد أدى التزاوج لامتزاج قويا جدا، وكان للموالي أثر في جميع مرافق الحياة، وأدى لحروب في المسائل الاجتماعية، وحروب فكرية بين الإسلام والديانات الأخرى، وحرب بين اللغة العربية واللغات الأخرى، وحروب بين الآمال العربية وآمال الأمم الأخرى، وحروب بين النظم الاجتماعية العربية البسيطة، والنظم الاجتماعية الفارسية والرومانية.quot;
وبعد أن انتهت معظم حروب الفتوحات الإسلامية البدنية، ظلت الحروب الثقافية والفكرية والسياسية قائمة طويلا، لتتنازع فيها الآمال. فهناك فرس وروم، يحنون إلى ممالكهم القديمة، ويعتقدون بأنهم أرقى من العرب، وهناك شعوب المغرب ومصر يريدون الاستقلال، ونظم سياسية متضاربة، فالفرس لهم نظام خاص، والروم لهم نظام مغاير، وقانون روماني كان يسود المستعمرات الرومانية، وقانون فارسي كان يسود المملكة الفارسية، وإسلام يستمد منه قانون يوافقهما أحيانا، ويخالفهما أحيانا، وفرس مجوس ظلوا مجوسا، وفرس أسلموا، وروم نصارى، وروم أسلموا، ومصريون نصارى، ومصريون أسلموا، ويهود في هذه البلاد ظلوا يهودا، ويهود أسلموا، ولغة عربية وفارسية وقبطية ويونانية وعبرية. وكانت جميع هذه النزاعات واللهجات في حروب مستمرة، وكانت المملكة الإسلامية كلها هي موطن هذا القتال، فلم تعد الأمة الإسلامية أمة عربية، لغتها واحدة، ودينها واحد، وخيالها واحد، كما كان في عهد الرسول الأعظم، بل كانت الأمة الإسلامية جملة أمم، وجملة نزاعات، وجملة لغات تتحارب.
وانتصر العرب في هذه النزعات باللغة والدين، فسادت لغتهم في جميع الممالك فأصبحت لغة السياسة والعلم، وظل هذا الانتصار حليفهم حتى اليوم، وكذلك الدين، ساد في هذه الأقطار فاعتنقوه. ومع انتصار هذين العنصرين، تأثر كل منهما إثناء هذه الحروب، فاللغة لم تعد سليقة، ففشا فيها اللحن، فاحتاجت لقوانين تضبطها، وقل مثل ذلك في الدين، فهو وإن انتصر فقد تأثر، فتفرق المسلمون فرقا، ووضعت المذاهب المختلفة، وظلت تتجادل بالقول والسيف، وهي الحركة العقلية، بأوسع معانيها من علم ودين، لقد كان للفرس دين، وكان لهم حكمة، وكان لهم عقلية، وكان للروم دين، وعلم وعقلية، وقد أثر هذا العاملان أثر كبير في الأمة الإسلامية، كما كان هناك توليد بين الأجسام والعقول، وأنتجت لقاح العقول مخلوقات جديدة وبمميزاتها الخاصة، كما كان الشأن في توليد الأجسام، ومع هذه الاختلافات المتنوعة، كانت هناك روح واحدة ترفرف على العالم الإسلامي، روح شرقية توحد بين أفرادها، وهذه الروح هي التي أخضعت الفلسفة اليونانية، فأسبغت عليها ثوبا من روحانيتها وإلهاماتها، وجاءت البوذية واليهودية والنصرانية، فصبغت هذه الروح صبغة خاصة، صبغة لا مادية، تؤمن بإله فوق العالم، وترجو جنته وتخاف ناره، وترى أن وراء هذه السعادة الدنيوية والشهوات الجسمية سعادة أخرى روحية، فلما جاء الإسلام ونشر سلطانه، زاد هذه الروح وقواها وعمل على توحيدها.
فأصبحت البلدان العربية الإسلامية تخضع لقانون واحد، ولنظام حكم واحد، وتتكلم بلغة واحدة، ويدين أغلب مواطنيها بدين واحد، كما أن رحلات علماءها كان في منتهى القوة، على صعوبة المواصلات، وتبادل الرحالون الآراء والمعتقدات، ودعوا لدعوات دينية وسياسية، كما أرسل الحكام من مركز الخلافة لمختلف البلدان، مزودون بتعاليم موحدة في جوهرها. فوحد ذلك بين هذه البلدان والأمم المختلفة، وكون منها ما يصح أن يسمى أمة واحدة، لها أدب واحد، وثقافة واحدة، وعلم مشترك، ومع ذلك لم تنمحي الروح القبلية، فوجدت النزعتان معا، نزعة العربي لقبيلته ثم بطنه ثم فخذه، ونزعته للدم العربي والأمة العربية والجنس العربي. وبعد أن انهارت الدولة الأموية في عام 750 ميلادية، ضعف النفوذ العربي، وقامت الدولة العباسية، التي نقلت مركز الحكم من دمشق إلى بغداد، قريب من بلاد الفرس، فقوى النفوذ الفارسي، وبقى الخليفة عربيا هاشميا، وله قواد من العرب، وقواد من الفرس، وولاة من العرب، وولاة من الفرس، ولكن كانت المناصب الرئيسية في يد الفرس. فقد جعل الانقلاب العباسي كفة الفرس راجحة، ولكنه لم يعدم كفة العرب، وامتزجت ثقافات الحضارات الفارسية والرومانية والهندية والعربية، مع الثقافات الدينية اليهودية والنصرانية والإسلام. فباختصار شديد، أدى الإسلام لامتزاج العقلية العربية بعقليات وحضارات متعددة، ليستمر هذا الامتزاج في حضارة الأندلس والإمبراطورية العثمانية، وحتى فترتي الاستعمار والعولمة، ولتنتج عقلية يمكنها التعامل مع تحديات العولمة المتشابكة، ويبقى السؤال: هل سيدرك العرب إرهاصات تاريخهم، ليقوا مجتمعاتهم من ثقافة التطرف؟ أليس التطرف أقرب لثقافة الجاهلية، من ثقافة الإسلام المتسامحة والمتزنة والملونة بألوان الطيف الجميلة؟

سفير مملكة البحرين في اليابان