التطورات المثيرة التي يشهدها العراق بخصوص الانتخابات القادمة في مارس 2010، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن الساحة العراقية مخترقة حتى العظم من قبل العملاء الإيرانيين الذين يعملون علنا وصراحة باسم ولي عهدهم أحمدي نجاد وحكومة ولي فقيهه التي تفتخر علنا بأن نفوذها في العراق لا يمكن تجاوزه. إن كافة الأسس والمنطلقات الديمقراطية في كافة دول العالم لا تقبل شطب أي مرشح لانتخابات عامة أو استبعاده من هذه الانتخابات، لأن كونها انتخابات برلمانية تشريعية عامة، فجمهور المنتخبين هو الحكم في نجاح أو رسوب أي مرشح، أي ان الجمهور هو الحكم وليس أية لجنة للإشراف على الانتخابات أيا كانت تسميتها وخلفيتها. هذه المعايير هي المتبعة في العالم الديمقراطي المتحضر، أما في العراق الحالي بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، فقد أصبحت المعايير المتبعة تابعة ومنطلقة من أجندات القوى المؤثرة والمتلاعبة بشؤون الساحة العراقية، خاصة نظام الملالي في إيران الذي يفتخر علنا بأن عملاؤه هم المسيطرون على الحكومة العراقية، ويأتمرون علنا بأوامر أحمدي نجاد، وإلا أية معايير تعطي أحمدي نجاد الحق في التدخل في الشؤون العراقيية، عبر تصريحه المنفر المستدعي لكافة العداوات والأحقاد، عندما صرّح يوم الخميس الموافق الحادي عشر من فبراير 2010، رفضه العلني لعودة البعثيين ومشاركتهم في الانتخابات القادمة، وأعلن رفضه لمحاولات الأمريكيين إعادة البعثيين للمشاركة في الحياة الساسية العراقية.

تجاوب عملائه في العراق فورا
وكانت ما تسمى ظلما وافتراء quot;هيئة المساءلة والعدالةquot; قد قررت استبعاد 14 كيانا سياسيا من خوض الانتخابات البرلمانية القادمة تشمل قوائمهم حوالي 500 اسما، أبرزها قائمتا صالح المطلك و نهرو عبد الكريم، ومن ضمن الأسماء المحظورة صالح المطلك وظافر العاني. ومن المعروف أن صالح المطلك يترأس الجبهة الوطنية للحوار التي كانت قد شكلت مع quot;حركة الوفاق الوطني بزعامة إياد علاوي، ما عرف باسمquot; الحركة الوطنية العراقيةquot; في أكتوبر من عام 2009، وانضم إليها لاحقا طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية وكتل عراقية أخرى. اي أن صالح المطلك وظافر العاني لا يمثلان شخصيهما فقط بل قطاعات وشرائح واسعة من الشعب والفعاليات السياسية العراقية، مما يعني أن استبعادهما ظلم لهذه الشرائح وفتح واسع للطريق أمام ممثلي ومتعاوني النظام الإيراني. ومن المعروف أن ما تسمى quot;هيئة المساءلة والعدالة بمسؤوليها أحمد الجلبي وعلي اللامي، ليس سرا أنّ الجلبي تحديدا علاقته بنظام الملالي ليست مسألة سرية، ويعترف بها الأمريكان الذين لديهم من الاثباتات بأنه يوصل دوما أسرارا ووثائق عراقية لأسياده الإيرانيين.


هدايا لإيران
لذلك كان تصريح ظافر العاني زعيم تجمع المستقبل و المشمول بمنع خوض الانتخابات، هو أفضل تعبير عن هذه الإجراءات التعسفية اللاديمقراطية والإيرانية بامتياز، إذ صرّح قائلا: quot; إن قرار استبعادنا من الانتخابات جاء كهدية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بمناسبة ذكرى الثورة الإيرانيةquot;. ومن المعروف أن أحمدي نجاد طالب في خطابه في الحادي عشر من فبراير في ذكرى الثورة الإيرانية باستبعاد البعثيين من الانتخابات، وعلى الفور جاءه قرار الهيئة التي يرأسها أحمد الجلبي. وصدق العاني في تصريحه: quot; شرف لي أن يجتثني أحمدي نجاد وأحمد الجلبي. لا يعقل ان يجتثني الجلبي الذي اجتثته الجماهير خلال الانتخابات السابقة quot;. والدليل على صحة ذلك أنّ أحمد الجلبي كان قد سرّب أخبار استبعادهم من الانتخابات قبل تسلمهم أي إشعار من الهيئة المذكورة، وقد كان ظافر العاني صادقا في قوله quot; إن القرار الأخير ليس قضائيا بل جاء سياسيا، من أجل قتل المشروع الوطني العروبي في البلاد quot;، وإذا كان البعض من أنصار النظام الإيراني يتحجج بأن قرارات الهيئة التمييزية نهائية وملزمة، فإذن quot; لماذا تراجعت عن قرارها بالسماح للمرشحين خوض الانتخابات ؟quot; كما تساءل العاني؟.

رفض عارم للقرارات والتدخلات الإيرانية
لذلك فإن ردود الفعل العراقية على قرارات الإبعاد هذه جاءت عارمة ومن مختلف أطياف الشعب العراقي، وفي مقدمتها فرج الحيدري رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الذي أعلن في الثالث عشر من فبراير 2010 quot;أن المفوضية لم تتسلم أي كتاب رسمي بشأن إبعاد مرشحين عن الانتخابات أبعدتهم الهيئة التمييزية quot;، ورجح quot;وجود تسريبات من هيئة المساءلة والعدالة أو الهيئة التمييزية بشأن المبعدين، لا سيما فيما يخص المطلك والعاني quot;. أما إياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق فقد طالب quot; بالسماح للمرشحين المحظورين بالمثول شخصيا أمام اللجنة، وليس مراجعة أوراقهم ترشيحهم فقط quot;. وحذّر علاوي من نتائج لا تحمد عقباها إذا استمر مستوى التصعيد السياسي الحالي،. إن الدول لا تبنى بالمغامرات الانتخابية، وما يحدث مجازفة بكل العراق وليس بالانتخابات وحدها quot;.


وكذلك الرئيس العراقي
جلال الطالباني يشكك في قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة، إذ أعلن في مؤتمر صحفي أنه توجه بسؤال للقاضي مدحت المحمود رئيس المحكمة الاتحادية بموجب كتاب رسمي عن شرعية المساءلة والعدالة، التي قررت منع مئات المرشحين من خوض الانتخابات بتهمة الانتماء إلى حزب البعث المنحل quot;. ومن المهم التذكير بأن مجلس النواب العراقي لم يقرّ حتى الآن تشكيلة الهيئة رغم موافقته على قانونها الخاص في الثاني عشر من يناير 2008 ليحل مكان ما سمّي quot;قانون اجتثاث البعث quot; آنذاك، أي أنه رغم مرور أكثر من عامين فمجلس النواب العراقي لم يصادق على تشكيلة هيئة المساءلة والعدالة، مما يعني أنها نفسها هيئة بحاجة للمساءلة لأن قراراتها الأخيرة بعيدة عن العدالة.

هل كل البعثيين صدّاميين؟
إن تعسفية ولا شرعية قرارات هيئة المساءلة والعدالة تبدو جلية واضحة من الإجابة على هذا السؤال المنطقي: هل كل البعثيين صدّاميين؟. لا يشك عاقلان أو يجادلان في حجم الجرائم التي ارتكبها صدام حسين بحق الشعب العراقي عربا وأكرادا، إلا أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن ليس كل البعثيين مسؤولين عن هذه الجرائم، فمتى كان صدام يعود لهيئات الحزب وقواعده في اتخاذ قراراته واعتمادها وتنفيذها ؟ وهل ننسى أن نسبة عالية من المنتمين لحزب البعث كانوا مجرد موقعين على طلب الانتساب خوفا من بطش صدام وأجهزته، وقد خبرت هذه المسألة شخصيا أثناء عملي مدرسا في جامعة البصرة ( 1981 ndash; 1982 )، حيث تفاجأت أن زملاء قدامى لي كانوا معروفين بانتمائهم للحزب الشيوعي العراقي، وأجبروا على التوقيع على استمارات الانتساب لحزب البعث، وفعلوها كي لا يكون مصيرهم القتل بدون أية محاكمة أو مساءلة. وهل ننسى مئات البعثيين من الكوادر المتقدمة التي قتلها صدام بيده؟ من ينسى أعضاء القيادة القطرية السبعة عشر الذين قتلهم صدام في اجتماع رسمي بتهمة العمالة للبعث السوري؟ تصوروا بعثي عراقي يعمل عميلا للبعث السوري ؟ هل هذا يوجد في أي منطق سوى فوهة مسدس صدام حسين ؟ وماذا فعل البعثي المتقدم في مركزه اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي كي يقتله صدام حسين عام 1995 ؟ ومن وزراء خارجيته قتل صدام: ناصر الحاني عام 1968، وعبد الكريم الشيخلي عام 1980، ومرتضى الحديثي عام 1980. ومن وزراء دفاعه قتل حماد شهاب عام 1973، و عدنان خير الله عام 1989. ومن مدراء أمنه العام ومخابراته قتل صدام: ناظم كزار عام 1973، و اللواء حامد الورد عام 1988، واللواء فاضل البراك عام 1993، والفريق طه الأحبابي عام 1996، والعميد إبراهيم الدليمي عام 1995. والمثير لضحط كالبكاء أن من ضمن من قتلهم صدام من البعثيين غدرا إثنان من عشيرة الدليمي، وكان محاميه في سجنه بعد اعتقاله من قبل القوات الأمريكية هو المحامي خليل الدليمي. وبالتالي فليس كل البعثيين صداميين فقد ذاقوا من ويلاته وقتله وفوهة مسدسه ما لا يقل عن مكونات الشعب العراقي الأخرى من عرب وأكراد.

وهذا ما دفع الرئيس العراقي
مام جلال الطالباني أن يصرّح تعقيبا على استبعاد بعض العراقيين من الانتخابات القادمة quot; لا نستطيع أن نظلم هؤلاء الإخوة بجريرة صدام حسين quot;. مؤكدا: أن هناك مئات ألالاف ممن أرغموا على تسجيل أسمائهم في الحزب quot;، وللعلم فمنهم العديد من الأكراد، أي مواطن هويته القومية كردية ويرغموه على الانتساب لحزب البعث العربي القومي. وقد قال الرئيس طالباني أيضا quot; اتصلت بصالح المطلك زعيم كتلة جبهة الحوار الوطني، وأخبرته بأنّ لديّ شهادة له، فأجاب لا تقلها دعها لوقتها. لذا فأنا لا أستطيع أن أسميه بعثي صدامي بل بعثي. لا أعارض في مشاركة بعض أعضاء حزب البعث في الانتخابات، بل أؤيد ذلك كما لا أعارض اشراك البعثيين غير الصداميين في كل مجالات الحياة quot;.


وكذلك المسؤولون الرفاق الأمريكان،
فهم يجرون مباحثات واتصالات مع البعثيين الذين لا يمكن تجاوزهم في أية عملية سياسية في العراق، ومتطلبات الديمقراطية تفرض على الأمريكان ذلك، فليس مجرما كل من انتمى للبعث في زمن صدام كما وضحنا، والدليل على ذلك أن السفير الأمريكي الرفيق كريستوفر هيل ( وهو بالمناسبة غير بعثي )، قد أعلن صراحة أن شطب بعض المرشحين من الانتخابات لم يتم حسب معايير شفافة. وكذلك قائد القوات الأمريكية في العراق الرفيق الجنرال ريموند أوديرنو فقد أعلن بأن علي اللامي وأحمد الجلبي من هيئة المساءلة والعدالة لهما ارتباطات بطهران ويتم التنسيق بينهما حول الانتخابات، وأنّ الجلبي واللامي ثبت اجتماعهما في طهران بأحد مساعدي قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وبالتالي فإن قرار استبعاد البعثيين من الانتخابات القادمة في مارس 2010 هو قرار إيراني، أعلن عنه صراحة أحمدي نجاد، وينظّر له ويصدر قرارت بشأنه عملاؤه العلنيين في العراق.

رفض عراقي وعالمي لهكذا انتخابات
إن حجم بيانات وتصريحات الرفض العراقي لهذه الانتخابات الإيرانية في العراق من الصعب إحصاؤها، فقد أصدرت هذه البيانات الرافضة الشاجبة للتدخل الإيراني في الشأن العراقي عشرات من الأحزاب والشخصيات السياسية وشيوخ العشائر، ومنها مجلس عشائر الجنوب الذي يمثل 77 عشيرة عراقية، وأكثر من 400 شخصية من المحامين والحقوقييين والأساتذو العراقيين، وحوالي 50 حقوقيا عربيا من عدة أقطار عربية، ولا يمكن نسيان رفض الشخصيات الدينية العراقية المهمة مثل السيد إياد جمال الدين والشيخ أحمد أبو ريشة اللذين أدانا اقصاء مرشحين وطنيين عراقيين. وقد أصدرت حوالي 21 لجنة برلمانية من دول كبرى في العالم مثل الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، أيطاليا،النرويج، السويد، كندا، هولندا، الدانمارك، وأستراليا، بيانات شجب لعملية سير الانتخابات العراقية بهذه الآلية الإقصائية التي لا تخدم سوى المشروع الإيراني التخريبي في العراق.

المسؤولية الأمريكية
ورغم انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية، إلا أن السلطات الأمريكية في العراق تتحمل مسؤولية دولية عما يجري في العراق بناءا على قرارات مجلس الأمن رقم 1546 و 1770، مما يحمل المسؤولين الأمريكيين مسؤولية رعاية العملية السياسية حسب الأصول الديمقراطية المعمول بها في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه مسؤولية أية جهة محتلة حسب قرارات مجلس الأمن برضى أمريكا ذاتها التي تملك حق النقض فيه حول هذه القرارات، وإلا ستترك الولايات المتحدة العراق بكامله لقمة سائغة لاحتلال ونفوذ إيراني لا يوجد أسوأ منه في العالم....وأقولها بصراحة كما سمعتها من وطنيين عراقيين ذاقوا الأمرين على يد صدام ونظامه: إن تطورات الأوضاع في العراق لصالح الامتداد والنفوذ الإيراني ستجعل غالبية العراقيين يترحمون على أيام صدام حسين!!.
[email protected]