شعر الثوار السوريون الأحرار، وشعر العرب من ورائهم، وشعرت الجامعة العربية (المقهى العربي الشهير)، وشعر العالم من وراء كل هؤلاء، أن النظام السوري الحاكم، من أقوى أنظمة العالم البوليسية والأمنية. وأن هذا النظام بناه حافظ الأسد، لكي يبقى مُلكاً عضوضاً لآل الأسد، وأخوالهم من آل مخلوف، ولكل quot;الصعاليك الجُددquot; الذين تحدث عنهم بيار صادق في كتابه (الصعاليك الجُدد).
وما بناه حافظ الأسد في سوريا، بناه كذلك الملك حسين في الأردن منذ عام (1956-1999).
فلماذا كان النظام السوري من أقوى أنظمة العالم الدكتاتورية بوليسياً وأمنياً؟

هناك عدة أسباب منها:

1- أن النظام بُني على أساس حزبي متوحد، وهو حزب البعث، كأقوى حزب عَلْماني في العالم العربي، حيث تم تأسيسه عام 1947.

2- أن النظام بُني على أساس طائفي أوحد، وهو الطائفة العلوية في سوريا، وتمَّ الارتقاء بهذه الطائفة المسحوقة - والتي كان نساؤها يعملون خادمات في بيوت الأثرياء ورجال الأعمال - إلى طائفة محظوظة، تسنَّمت أعلى المراتب في الدولة، والجيش، والبوليس السياسي، والأمن العام.. الخ.

3- أن النظام قد استنسخ النظام البوليسي/السياسي لألمانيا الشرقية السابقة (الإشتازي) ودكتاتورها المعدوم إريك هونكر (1912-1994) والمخلوع عام 1989. وكان نظام (الإشتازي) من أعتى الأنظمة البوليسية في العالم، ومن أكثرها انضباطاً ودقة، ولا ينافسها غير CIA ونظامها المعمول به في الأردن، تحت إشراف ضباط من CIA .

4- رغم أن معظم الدول العربية تُبدي حماسها للثورة الشعبية السورية، إلا أن عواطفها quot;الكاذبةquot; فقط مع هذه الثورة، أما قلبها، وعقلها، ومصالحها، فهي مع النظام السوري القائم. فالدول الغنية ما زالت تصبُّ الزيت في حلق النظام. والدول الفقيرة ما زالت تصرخ بممانعتها في مقاطعة النظام السوري، بحجة مصالحها الاقتصادية المباشرة مع سوريا. فقد تلقت سوريا أموالاً من العالم العربي عام 1967، 1973، 1976، لحربها مع إسرائيل، ودخولها لبنان. وتم إعفاء سوريا من ديونها السوفيتية بسبب تأييد سوريا لتدخل السوفييت في أفغانستان. ومُنحت سوريا مساعدات مالية ضخمة في 1991 من دول الخليج. ويقول المحلل السياسي سمير التقي: quot;إن أفضل منتج للتصدير لدى سوريا، هو سياستها الخارجية.quot; وعن طريق السياسة الخارجية استطاعت سوريا ndash; وهي البلد الفقير بالمواد الخام ndash; أن تملك ثالث أكبر احتياطي في العالم من النقد الأجنبي، بمقدار 12- 17 مليار دولار. ولكن معظم الأنظمة العربية تعلم علم اليقين أن سقوط النظام السوري، يعني سقوطها هي نفسها، آجلاً أو عاجلاً. لذا، فهي تبتدع العجائب والغرائب من المبادرات والخطط، لكي لا يسقط النظام كما سقط القذافي، الذي بكت عليه هذه الأنظمة، ولطمت الخطوط في الغرفات المظلمة، وبصمت كئيب، وعضَّت الأصابع ندماً، لعدم إنقاذه، وإنقاذ نظام صدام حسين من قبله.

5- ستظل سوريا quot;بيضة قبَّانquot; العرب سواء حكمها الأسد، أم الأرنب، أم الفأر. فقبل الأسد، حكم سوريا شلة من العسكريين الدكتاتوريين على شاكلة حافظ الأسد، ورغم هذا، ظلت سوريا quot;بيضة قبَّانquot; العرب. ولم يخشَ نظام عربي نظاماً عربياً آخر، كما خشي من النظام السوري، بفضل الجهاز البوليسي العنيف، والصارم، والقوي، الذي كان يملكه النظام السوري بعد الاستقلال، وبعد 1970. وبفضل موقع سوريا الجغرافي، والحزبي، والقومي. وكانت سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي لا يُردُ لها طلب مهما كُبر من قبل الدول الأخرى سواء العربية أو الغربية. لأن الجميع كان يعلم، أن كبار مهندسي الإرهاب الإقليمي والدولي في سوريا. ولأن الجميع كان يعلم، أن قادة الفصائل الفلسطينية الفدائية القاتلة في سوريا. ولأن الجميع كان يعلم، أن كبار المجرمين السياسيين هم لاجئون سياسيون في سوريا. ولأن الجميع كان يعلم، أن أكبر سوق للسلاح غير الشرعي ينبع ويصب في سوريا. ولأن الجميع كان يعلم، أن النظام السوري قادر على اختراق أي نظام عربي آخر، بذكاء الأمويين، وبجهاز quot;إريك هونيكرquot; البوليسي الموروث.

6- كان حافظ الأسد (مؤسس العرش العلوي السوري) قد أعلن عام 1970 بأنه سيبني quot;العرش العلويquot; كواحد من أقوى وأمتن عروش العرب، منذ الأمويين حتى الآن. ويقول المستشرق والباحث الألماني كارستين ويلاند في كتابه quot;سوريا الاقتراع أم الرصاص؟quot; كما سبق وقالت الباحثة الأمريكية ليزا وادين في كتابها (السيطرة الغامضة) من أن حافظ الأسد كان مدعوماً من شرائح واسعة من الشعب.

7- أصبح النظام السوري بعد عام 2000 ، يتمتع بقوة كبيرة، حيث لم تعد السلطة في يد حاكم فرد واحد، كما هو الحال في معظم الدول العربية، وإنما أصبحت السلطة بعد عام 2000 وتولّي بشّار الأسد، تُنتج من مراكز السلطة المختلفة، وليس من قمتها، كما يقول المعارض السوري ميشيل كيلو. وأصبح بشّار الأسد شريكاً من الدرجة الثانية في صناعة السلطة. وفي السابق (1970-2000) كان واحداً، هو الذي يحكم، أما الآن، فثمة كثيرون يحكمون. وأن السلطة اليوم بيد أشباح! وأن بشّار اختار الاستقرار بدل التقدم. ولكن سوريا لم تكن مستقرة بل هي كانت في أزمة مستقرة.

8- صحيح، أن المعارضة السورية تريد اسقاط النظام، لكن بعض المثقفين السوريين من أمثال صادق جلال العظم، يقولون، بأنهم لا يريدون أن يروا سوريا تغرق في الدم والفوضى، كما سبق وغرقت الجزائر، وليبيا، ومصر الآن، والعراق، ولبنان. لذا، فإن غالبية السوريين كانت تقف في السابق إلى جانب النظام.

9- لعل قوة النظام السوري تأتت ndash; كما هو الحال في معظم العالم العربي ndash; من ضعف وهزال وهشاشة المعارضة السورية السابقة. فقد تم القضاء على المعارضة السورية بسرعة وببساطة شديدة عام 2001. وتم في السنة نفسها اعتماد قانون المطبوعات الذي قيد الحريات أكثر فأكثر.

10- يقال، أنه كلما زاد الفساد في بلد ما، زادت قوة النظام البوليسي في هذا البلد. فأركان الفساد والمنتفعين منه يحاولون بالمال والسلطان تقوية أركان النظام البوليسي لحاميتهم. وفي سوريا انتشر الفساد بشكل كبير. فإمبراطورية رامي مخلوف (ابن خال بشّار) تقدر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار. وهناك من يؤكد أن دخل رامي مخلوف اليومي، لا يقل عن مليون دولار. فهو يملك ndash; من ضمن الصعاليك الجُدد كما سمَّاهم بيار صادق في كتابه ndash; شركتي الهاتف النقال، وميناء اللاذقية، وعدداً كبيراً من المصانع، والفنادق، والمتاجر المعفاة من الضرائب، والمدارس الخاصة.

***

فهل تؤكد كل هذه الأسباب قوة النظام السوري، الذي (تُدلِّعَهُ) اليوم الجامعة العربية، و (تُهشِّكَهُ) معظم الأنظمة العربية، دون غيره من الأنظمة الآيلة إلى السقوط؟!