قبل اجراء استفتاء حق تقرير المصير في جنوب السودان بيومين نشرنا في ايلاف مقالا بعنوان quot;قدوم عقد التغيير الشامل في العالم العربيquot;، وأشرنا فيه الى بدء عقد التغيير السياسي والاجتماعي الجذري في المنطقة، وتلاحقت بعد نشر الرأي أحداث هامة منها سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس واندلاع ثورة الشباب في مصر وبدء عملية رحيل حسني مبارك من الحكم وظهور الاحتجاجات في اليمن والاردن والجزائر، كل ذلك في غضون اسابيع قليلة، ومن المتوقع ظهور تحركات شعبية أخرى مطالبة بالتغيير في مناطق عديدة من الشرق الاوسط ومحيطها ومنها العراق واقليم كردستان.

ما يهمنا في هذا الشأن هو ما يخص اقليم كردستان لأهميته بالنسبة للعراق، وتزامنا مع ما طرحته حركة التغيير الكردية برئاسة نوشيروان مصطفى في بيان له حمل دعوة لحل البرلمان والحكومة وتشكيل حكومة انتقالية، وابتداءا من هذا الطرح لابد ان نشير الى قول كثيرا ما يكرره مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان في لقاءاته وهو انه لم يأتي الى الحكم على ظهر الدبابات والمدرعات وانما عن طريق الاختيار الديمقراطي، ولا ندري ان كان هذا القول في ظل الاحداث الجارية وتعليقه ان كردستان ليس بتونس سيكون كافيا للاعتماد عليه من قبله ومن قبل الحزبين المشاركين في الحكم الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني ليكون سندا قويا للسلطة في الاقليم لسد الطريق أمام زحف الثورات الشعبية التي بدأت تعم دول المنطقة والتي هي بالأساس احتجاجات على تناقضات اجتماعية واقتصادية وحياتية وسياسية سببتها أنظمة الحكم السائدة المستبدة.

وفي ظل تحليل الأحداث الراهنة والمقارنة بها نجد ان الواقع المفروض على الاقليم من قبل الرئيس البارزاني والحزبين الحاكمين لا يتسم باستبداد سياسي ولكنه يتسم باستبداد اجتماعي من خلال فرض سطوة مركبة للسلطة والثروة من قبل مسؤولين ورجال أعمال وعوائل متسلطة على موارد الشعب والحكومة والمقتدرات الاقتصادية والموارد التجارية للاقليم، وهذه السطوة حولت الرئيس البارزاني الى سلطان منفرد وحاكم مترفع يتربع على عرش جبل بيرمام وقمة سري رش وكأنها ملكية خاصة ليحتمي فوقها بعيدا عن هموم المواطنين وصرخات وآهات الفقراء عن غلاء المعيشة والارتفاع الجنوني للعقارات والاراضي السكنية وفقدان العدالة الاجتماعية وبروز الفوارق الطبقية بفعل سيطرة البطانة الحاكمة للرئيس ورئيس الحكومة والوزراء ومسؤولي الحزبيين الحاكمين ومقاولين وتجار ورجال أعمال فاسدين محسوبين عليه وعلى مسؤولين كبار وصغار وأقرباء لهم في الاقليم، وفي ظل هذه الاوضاع وبزوغ الثورات الشعبية في المنطقة نجد ان الواقع الكردستاني من الممكن أن يندلع فيه انتفاضة شعبية تفجرها آهات المستضعفين كالبركان تحت بساط البارزاني بفعل غضبة جماهيرية للشعب في يوم ليس ببعيد قد تعرض الاقليم الى انتكاسات خطيرة في المستقبل.

ولكي يكون الرئيس البارزاني على بينة بممارساته الارستقراطية المتعالية والسلطوية المحتكرة له ولبطانة حكمه ولاقربائه وللمسؤولين في الحزبين والحلقة المحيطة بهم على حساب الشعب الكردستاني، ومن باب الإسهام في ضرورة تسليط الاضواء بموضوعية على الواقع الاجتماعي والاقتصادي لمواطني الاقليم لحث الرئيس على القيام بإحداث تغيير حقيقي جذري كخطوة استباقية لما سيحمله المستقبل من مجهول، نجد ضرورة تحديد المسار التائه والثقوب السوداء التي تتسم بها عباءة البارزاني السلطوية والرئاسية والحزبية، وهي تنحصر بما يلي:

1.تحول الحزب الديمقراطي الكردستاني للرئيس البارزاني الى حزب العائلة الحاكمة مثل حزبي بن علي التونسي الهارب وحسني مبارك المهيأ للرحيل، وسيطرة اقارب الرئيس من الدرجة الأولى والثانية والثالثة والرابعة على اللجنة القيادية والمكتب السياسي للحزب، للجمع بين الثروة والسلطة المطلقة، وكأن الحزب بات حزبا عائليا وليس حزبا كردستانيا وهذا ما جعل انصار البارزاني ان يفقدوا الأمل بحصول أي تغيير خاصة بعد عقد آخر مؤتمر للحزب، وسيطرة اقارب الرئيس ورجال بطانته وحاشيته في الحزب والحكومة والبرلمان على الموارد الاقتصادية والتجارية والنفطية وحتى الثقافية والاعلامية في الاقليم من أهم العلامات البارزة للسلطة الحاكمة من خلال اقامة شركات احتكارية بعيدة عن الطرق الشرعية واستغلال النفوذ للاستيلاء على الموارد المالية والممتلكات العامة للشعب في إدارة أربيل ودهوك بحكم سطوتهم السلطوية من خلال اتباع نهج احتكاري واستغلالي متسم بعقلية طفيلية فاحشة محولا هذه الفئة المحتكرة المتسلطة الى اصحاب أكبر كتل مالية على الاطلاق في تاريخ اقليم كردستان والعراق، وما ينطبق على هذا الحزب ينطبق أيضا جزء منه على حزب الطالباني في إدارة السليمانية وكرميان.
2.وجود جيش جرار من الحماية الرئاسية الشخصية للرئيسين البارزاني ويقدر عدد افراده باكثر من 3000-6000 فردا، ومجهز بكل انواع الاسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وبآليات متنوعة، ولا ندري ان كانت جيوش الحماية للرؤساء اوباما وساركوزي وديمتري مدفيديف بهذه الضخامة؟.
3.امتلاك الرئيس البارزاني لنظرة استعلائية وارستقراطية متعالية في سلوكه وممارساته الرئاسية والحزبية وهذا النوع من التعامل جعل ان يقترب منه فقط الاغنياء والاثرياء المارقين وافراد الطبقة البرجوازية الفاحشة والمقاولين والتجار ورجال الاعمال الفاسدين الذين نهبت ايديهم ثروات هائلة بين ليلة وضحاها على حساب الشعب المغلوب على امره، وانتهاج البارزاني لنهج غريب بسلوكه يلاحظ فيه التنافر والتباعد من الفقراء والمستضعفين والمحتاجين والمعوزين والمساكين والعاجزين وعدم التعامل معهم للتعرف على مشاكلهم وازماتهم الحياتية، واتصاف البارزاني بمظاهر العظمة المفرطة والترف الباذخ والاستعلاء واضحة كل الوضوح في مكاتب رئيس الاقليم في مقراته الرئاسيه والحزبية وقاعات اجتماعاته التي لم نشهد لها مثيل على الفضائيات لا في مكتب الرئيس الامريكي اوباما وهو رئيس القطب الاوحد في العالم ولا في مكاتب اخرى لرؤساء في العالم خاصة في دول المنظومة الديمقراطية، ولا ندري ان كانت المقرات العديدة للرئيس ملكيات مطلقة خاصة أو ملكيات لدولة الاقليم؟.
4.التنافر الشديد للرئيس البارزاني من الشخصيات والقيادات الوطنية الكردستانية التي خرجت من متون العوائل الفقيرة والتي بنت لنفسها تاريخا مشرفا من النضال القدير والجليل الذي يفتخر به كل الشعب الكردستاني ومن هؤلاء القيادي كوسرت رسول علي الذي يرفض البارزاني اعادة تكليفه نائبا لرئيس الاقليم بالرغم من اصرار الاتحاد الوطني على ترشيحه والقيادي نوشيروان مصطفى الذي يقف البارزاني والحزبين الحاكمين بالمرصاد له ولحزبه حركة التغيير، وفرض شروط استعلائية على حزب الطالباني وعلى الاحزاب الاخرى وكأنه هو الرئيس المطلق بينما في الحقيقة أثبتت الأحداث انه ليس برئيس مؤهل لتحقيق قيادة حكيمة وعدالة سليمة وتوازن اقتصادي اجتماعي لصالح الفرد الكردستاني.
5.المحاربة الشديدة للرئيس البارزاني والحزبين للصحافة الاهلية المستقلة التي تمكنت من احراج السلطة الحاكمة في الاقليم بفعل مهنيتها وموضوعيتها الصحافية وتوجهاتها الانتقادية كسلطة رابعة، واتهامها ومحاربتها بشتى الوسائل القانونية وغير القانونية.
6.الوعود البراقة التي وعد بها الرئيس البارزاني في مناسبات كثيرة ومنها خلال اداء القسم في البرلمان والتي لم يتحقق منها شيئا على أرض الواقع، وهذا ما جعل منه رئيسا غير موثوقا به من قبل المستضعفين لرئاسة الاقليم كقائد لكل المواطنين وكأب حكيم وحنون للجميع بسبب عدم اتصافه بمواصفات الرئيس العادل والحكيم والمستجيب للفقراء والباحث عن هموم المواطنين، وهذا ما جعله فاقد المصداقية لدى نسبة كبيرة من المواطنين وتراجع التاييد له مقارنة بنسبة التصويت 70% التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية.
7.توالي الرئاسة الحزبية والادارية بحكم الأمر الواقع للرئيسين البارزاني والطالباني من بعد الانتفاضة عام 1991 والى الان ونحن في عام 2011، فالأول كان رئيسا للحزب والادارة في اربيل ودهوك والثاني في السليمانية وكرميان، وكأن السلطة والرئاسة الحزبية موروث لهما، وهذه الفترة امتداد للرئاسة الحزبية من سنوات عقد الثمانينات في القرن الماضي.
8.تكرار تجربة اختيار المسؤولين لاعتبارات حزبية ومحاصصية وعائلية وعلى اسس المحسوبية والمنسوبية من قبل الرئيسين البارزاني والطالباني كما هو معمول بها في العراق تحت ذرائع واهية، وحصر المواقع والمناصب الحزبية والحكومية والبرلمانية بمجموعة من الوجوه الفاسدة المكررة على مدى عقدين من الزمن من حكم الاقليم، وكأن مساحة الاختيار للاخرين محرومة تماما على أساس الكفاءة والمؤهلات فلا تسمح المرور من خلالها لاختيار شخصيات بمواصفات مؤهلة بأمس الحاجة اليها الاقليم في واقعنا الراهن.

باختصار هذا هو المسار التائه الذي يسير عليه الرئيس البارزاني الذي يتراءى لنا مشاهدته في رئاسته من بعيد، والإقرار بسلبيات هذا المسار لا يعني أن نغض الطرف عن الجوانب الايجابية، لكن الواقع الذي نعيشه المليء بمظاهر الخلل والأزمات الخانقة والمعترف بها من قبل الجميع، يفرض علينا أن نقول الحقائق بمصداقية وجدية خاصة وان فترة حكم البارزاني قبل رئاسته وبعدها رافقتها ومازالت ترافقها فئة حاكمة فاحشة مستغلة متعطشة للثروة والسلطة تسببت في ارساء فساد رهيب وغياب كامل للعدالة الاجتماعية ونهب متواصل لأموال وممتلكات الشعب.
وافضل طريق لازالة المسار التائه لرئيس الاقليم، هو دفعه بالمشاركة مع الرئيس الطالباني الى تبني اصلاح حقيقي بعيدا عن الوعود الفضفاضة الهزيلة غير الصادقة التي وعدا بها في السابق، وتلزم خطورة الموقف أن يبدءا بهذا الاصلاح ابتداءا من اليوم وليس الغد تحسبا لما يحمله المستقبل من مجهول، وتلزم المسؤولية الوطنية ان يبدءا به من نفسيهما ومحيطيهما وعائلتيهما واقاربيهما فورا، وثم يبدءان به على النطاقين الحزبي والحكومي، لان المرحلة الراهنة خاصة بعد اندلاع ثورة تونس والانتفاضة الشعبية في مصر تتطلب قيادات مسؤولة تتصرف وفق احتياجات ومطالب الشعب فعلا لتحقيق توازن اجتماعي واقتصادي بين المواطنين بمسافة واحدة بين الكل لضمان الكرامة والمساواة والحياة الكريمة لكل مواطن، ونأمل أن يكون هذا المقال دافعا لهما للتفكير بجدية للبدء بعمل جدي بغية استباق التطورات والاحداث والثورات التي ستشهدها الشرق الاوسط والتي قد تنقل شرارتها الى اقليم كردستان في مستقبل قريب في حال استمرار الوضع على حاله، وخير ما نذكر به الرئيس البارزاني قول الله تعالى quot;وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ quot;.

[email protected]