قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ان آخر عهد للعرب المسلمين مع الحياة الحرة الكريمة وأبداء الرأي والمشورة بلا خوف او تردد كان عند أنتهاء الخلافة الراشدية بأستشهاد الخليفة الرابع علي بن ابي طالب (رض) حيث تحولت الخلافة الأسلامية بعد ذلك الى ملك عضوض مع بدء قيام الدولة الأموية بزعامة معاوية بن أبي سفيان ومنها عرف العرب حكم الشخص الواحد والقرار الواحد دون الرجوع الى شورى المسلمين، كما كان معمول به في عهد الرسول محمد(ص) والخلفاء الراشدين (رض) من بعده.

فبالوقت الذي كان المسلمين في عهد الخلافة الراشدية يناقشون الخليفة بأمور الخلافة وأمور الرعية و الدين وباقي مفاصل الحياة ويقولون له بلا أدنى خوف أو تردد(والله لو وجدنا فيك أعوجاجا لقومناه بسيوفنا) كما حدث ذلك في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب(رض) والذي لم يمتعض او يغضب عند سماعه مثل هذا الكلام،بل على العكس حمد الله وشكره وأثنى عليه، نرى أن مثل هذه العبارة بتقويم أعوجاج الخليفة تبدلت من السيف الى الخشبة! مع بدء خلافة معاوية، عندما أراد أحد المسلمين أن يقول للخليفة تلك العبارة في أول لقاء له مع المسلمين، فنظر معاوية الى الرجل نظرة غضب لا تخلو من تهديد ووعيد، فما كان من الرجل الا أن غيّرعبارته تلك بتقويم الأعوجاج بالخشبة بدل السيف!

ومن الطبيعي أن حكما بدأ بهكذا تخويف أورث معه فيما بعد جملة من العلاقات اللاأنسانية بين الخليفة والرعية لم يألفها العرب المسلمين سابقا تقوم على زرع الخوف في النفوس وأشاعة الرعب بينهم من السلطان والحاكم والخليفة، حيث اقامة الدولة الأموية بنيانها بقوة السيف وأغراءات المال، كما أن في خلافة معاوية عرف العرب المسلمين أمر توريث الخلافة الى الأبناء ثم الى الأحفاد.( ويذكر السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء/ صفحة 144 ) أن عبد الملك بن مروان والذي يعتبر أهم وأبرز خلفاء بني امية عندما خطب من على منبر الرسول(ص) في المدينة بعد مقتل عبد الله بن الزبيرقال) والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا الا وضربت عنقه)، كما ويذكر عنه أيضا بأنه أول من نهى عن الأمر بالمعروف( المصدر السابق / نفس الصفحة). وهكذا عاش العرب المسلمين أجواء الخوف والرعب يطاردهم شبح الموت أن تحدى أحدهم سلطة الخليفة أو أعترض عليه ويكون ذلك أما بالأغتيال بالعسل! الذي يداف معه السم، حتى أن معاوية كان يتباهى بذلك ويقول (لله جنود من عسل)!

وتارة بالأبادة الجماعية كما في واقعة الحرة بقمع أنتفاضة أهل المدينة ضد يزيد بن معاوية حيث قتل منهم اكثر من 8000 شخص وفض بكارة أكثر من 1000 فتاة في يوم واحد!. وهكذا استمرت عوادي الدهر والحياة تقذف بالعرب من يد ظالمة وسيوف مسلطة على الرقاب الى أيادي اكثر ظلما وجورا ورهبة، كما في الخلافة العباسية التي أبتدأها أبو العباس السفاح في أول عهده بالخلافة عندما أمر بنبش قبور خلفاء بني أمية أنتقاما منهم حيث قام بصلب هياكلهم العظمية وحرقها ثم ذرها للريح!!

فلنا أن نتصور حالة الخوف والرعب التي عاشها الأحياء من الناس تحت هكذا سلطة غاشمة مرعبة. وأستمر دولاب الدكتاتورية والرعب والدم يدور مع العرب أينما ولوا وجوههم الى عصرنا الحديث ويومنا هذا. فلم يهنأ العرب طيلة فترة حياتهم بشيء من الأمان والحرية. ومن الطبيعي أن تاريخا طويلا كهذا ولّد لدى الشعوب العربية حالة كره لا تطاق من الدكتاتورية والظلم وقمع الحريات من الأنظمة الأستبدادية المتسلطة عليهم. وعلى الرغم من قسوة وبطش وجور السلطة الحاكمة عبرهذا التاريخ الطويل المخضب بالدم والخوف ألا ان الشعوب العربية أستطاعت ان تقوم بثورات وأنتفاظات كبيرة ضد الحكام وظلمهم وأستبدادهم نذكر منها (ثورة الحسين(ع) ضد حكم يزيد بن معاوية ثم ثورة المختار وثورة زيد بن علي، وفي العصر الحديث نذكر أنتفاضة الجنوب العراقي في آذار عام 1991 وأيضا ما حدث في سوريا (مدينة حماه) من أنتفاضة جماهيرية قوية أبان فترة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي).

وعلى الرغم من قمع هذه الثورات ألا أنها تركت اثارها العميقة والتاريخية في نفوس الناس. والعراق وما جرى عليه خير مثال للأنظمة العربية التي تثور من أجل حريتها حيث أبتلى بنظام حكم دكتاتوري مخيف ومرعب سرق أربعة عقود من عمر هذا البلد وشعبه قضيت بين أغتيالات واعدامات وقمع واضح لكل الحريات ثم بحروب خارجية مجنونة وداخلية بأبادات جماعية ثم أعقبها حصار ظالم لم يدمر البنى التحتية للبلاد حسب بل دمر بنية الأنسان العراقي نفسه. وبعد زوال النظام وسقوطه على يد قوات الأحتلال الأمريكي في 9/4/2003، تنفس العراقيين الصعداء وظنوا أن أبواب الحرية التي كانت موصدة أمامهم عبر عشرات بل مئات السنين قد فتحت ومعها ستفتح لهم أبواب المستقبل والأمل ببناء عراق حر وديمقراطي جديد. ألا أن فرحتهم هذه لم تدم طويلا حيث سرعان ما تبخرت أمالهم العريضة مرة أخرى بسبب المؤمرات والتدخلات الخارجية لبعض دول الجوار وأيضا بسبب الأخطاء الكثيرة والكارثية التي أرتكبتها قوات الأحتلال الأمريكي عن قصد أو بدونه!

في كيفية التعاطي وفهم واقع الحياة العراقية، وكذلك والأهم هو بسبب الصراعات بين الأحزاب السياسية التي ظهرت على مسرح الأحداث والتي قادت البلاد من بعد السقوط، فعادت طواحين الموت تحصد أرواح العراقيين من جديد تارة بسبب الأقتتال الطائفي بين أبناء البلد الواحد وتارة بسبب الأعمال الأجرامية لتنظيمات القاعدة ومعها عاد الخوف ليغزوا أحلام العراقيين وينام بين أضلعهم من جديد ولكن هذه المرة ليس بسبب الدكتاتورية ولكن من الحرية نفسها التي طالما حلموا بها!!، فلم يسترد الأمن أستقراره وعافيته منذ ثمان سنوات ولحد الآن. فليس غريبا أن يكره الانسان أي كان الديكتاتورية والظلم وخنق حريته، ولكن الشيء اللاطبيعي والغريب هو أن يكره الأنسان الحرية نفسها!

فالعراقيون لم يجنوا منها رغم مرور ثمان سنوات غير الفشل والفوضى والموت والجوع والفقر والفساد المالي والجريمة بكل أنواعها وصورها وكثرة الظلم وغياب العدل او أية سلطة للقانون حتى أن الكثير من العراقيين باتوا يشعرون بالغربة وهم داخل وطنهم! و صار ينطبق على حال العراقيين قول الشاعر(ليت جور بني مروان عاد لنا، وليت عدل بني العباس في النار)!

وعلى الرغم من فرادة التجربة العراقية في كيفية حصولها على الحرية والديمقراطية بمساعدة الأمريكان، الا أنه صار مثالا حيا لكل الشعوب العربية التي تناضل من أجل نيل حريتها وكرامتها وتحطيم قيود الدكتاتورية. فحكام العراق الجدد والأحزاب السياسية التي قادت البلاد من بعد السقوط والذين كانوا بالأمس يمثلون أقطاب المعارضة العراقية والتي تنادي من أجل حقوق الشعب وحريته وكرامته وأذا بهم صاروا اكثر فسادا و ظلما وقسوة على الشعب وكبتا لحرياته!

الشعوب العربية تعيش هذه الأيام حالة من الهيجان والأنتفاضة على حكوماتها رغم الفوارق الموجودة بينها، فلا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة معيشة وحياة المواطن المصري أو التونسي أو اليماني مع المواطن في البحرين أو سلطنة عمان، الا أن روح الثورة والمطالبة بالحرية وأقامة العدل والقضاء على الفساد المالي أصبح هاجس هذه الشعوب بعد سنوات طويلة من الصبر. والسؤال المهم هو: هل ستجني كل هذه الثورات والأنتفاضات للجماهير العربية سواء التي نجحت (مصر- تونس ) والتي لا زالت تثوروتحصل على مرادها بمجيء نخب سياسية وحكومات تقيم العدل وتعطي الحريات وتقضي على الفساد المالي وتحقق للشعب كل أمانيه وتصّلح أمور البلاد والعباد أم الخوف من أن ينقلب ثوار اليوم الى حكام مستبدين جدد يتمسكون بكرسي الرئاسة!

وليبقى العرب أسيري مقولة أبن خلدون (بأن آفة العرب الرئاسة)! وتلك الطامة الكبرى لا سامح الله لا سيما وأن الحكام الذين تثور عليهم شعوبهم اليوم هم كانوا بالأمس رجال ثورات ونظالات وطنية وتاريخية.