قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

غريب هو موقف القوى السياسية الداعمة للتظاهرات في العراق، تتعامل مع الاحتجاجات باعتبارها حقا وتؤكد انها تقف الى صف المطالب وتنتقد الحكومة على ادائها، ولم تتخذ حتى الان اي خطوة عملية لدعم حركة الاحتجاج ومطالبه.. الموقف ليس مجرد تصريحات اعلامية او بيانات تدعم من نزل الشارع للمطالبة بحقوقه، بل هو خطوات عملية وعلنية تتناسب وحجم التصريح الذي تحرص القوى السياسية على الترويج له.
فمنذ انطلاق التظاهرات انقسمت القوى السياسية العراقية بين جهات داعمة، واخرى ساهمت في حصولها وشاركت فيها، وثالثة اتخذت موقفا معارضا.
المعارضون موقفهم واضح، هم مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، واغلبهم عضّد الاتهامات القائلة بان حزب البعث يقف وراء تلك التظاهرات، وهم رضوا بدورهم كقوى سياسية داعمة للحكومة بالضد من حركة الاحتجاج، ما يعني دخولهم مواجهة مستمرة مع شرائح واسعة من الشارع العراقي.

ماذا عن الداعمين والمشاركين في عملية الاحتجاج؟
الداعمون حتى الان مجرد ظاهرة صوتية لا ترقى الى مستوى الفعل. فلم نشهد في اطار الحراك السياسي الداعم للاحتجاجات اي خطوة حقيقية يمكن ان توصف بانها دعم مثمر للتظاهرات، باستثناء حالتي استقالة.
الاولى استقالة النائب البارز جعفر الصدر عن مجلس النواب، ولم يتراجع عن موقفه، بل لم يحاول استثمار ما فعله للحصول على مكسب شخصي. وهناك ايضا استقالة نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي، وعلينا ان ننتظر في حال خف زخم الشارع والتظاهرات، ما اذا كان الرجل سيبقى مصرا على قراره. لانا نتحدث عن قرار سبقه بمثله عندما قرر عبد المهدي عدم الترشح لمنصب النائب ولم يثبت على موقفه، واختار ان يرشح نفسه ضمن النواب الثلاثة، في اطار صفقة الترضيات الشخصية على حساب المباديء السياسية العامة.
ولم تمنع التظاهرات الداعمين لها من السياسيين المنضوين ضمن quot;حكومة الشراكةquot; من ان يستمروا في مباحثاتهم على اكثر من مستوى لمعالجة الخلافات مع ائتلاف دولة القانون، وهي خلافات بالغالب تدور حول المكاسب والمناصب، وليس حول المطالب الشعبية ولا من اجل مكافحة الفساد او اصلاح النظام الاقتصادي وتأهيل الخدمات.
منسوب الغرابة يرتفع، عندما ندرك ان بعض هذه القوى الداعمة للتظاهر هي جزء من المشكلة وليس الحل. هي طرف في الحكومة، ولديها من الصلاحيات والقوة والحجم والتأثير ما يجعلها قادرة على فعل الكثير بعيدا عن الممارسات المنافقة.
ويمثل الحزب الشيوعي العراقي النموذج الابرز للفصائل السياسية المشاركة في تظاهرات ساحة التحرير، من خلال شبيبته وبعض اعضائه. وعلى خلفية هذا الموقف تعرضت بعض مقاره الى مداهمات حكومية بذريعة ان تلك المباني تابعة للدولة ووجوده فيها غير شرعي.
غير ان مشاركة الحزب في التظاهرات تنطوي على مفارقة كبيرة. هو حاضر فيها وغير حاضر حولها. فشبيبة الحزب مشاركة بفاعلية، وعلى خلفية هذه المشاركة اعتقل اربعة منهم يوم الجمعة السابع والعشرين من ايار الماضي. الان ان هذا الحضور يقتضي ان يكون بموازاته حضور على هامش التظاهرات، يتمثل بنشاط سياسي مؤثر وقوي يدافع عن التظاهرات ويرفدها بالمشروعية السياسية اللازمة، خصوصا في ظل اصرار حكومي على اتهامها بانها تظاهرات مدعومة من البعث. وهذا ما لم يحصل حتى الان. فنشاط الحزب سياسيا محدود وحذر، ما يطرح اكثر من علامة استفهام.
يمكن ان يكون هذا الحذر ستراتيجة ما.. لكن يحتمل ايضا ان القيادات الكبيرة لا تريد توريط نفسها في مواجهة مباشرة مكتفية بشبيبتها. في حين ان المطلوب، خصوصا بعد اعتقال الناشطين الاربعة، ان يكون وجود شيوخ الحزب واضحا ونشاطهم صريحا وموقفهم لا يقبل اي مساومة او صمت للدفاع عن شبابه. بعد عقود من فشل سياسة مسك العصا من النصف التي استهلك اليسار العراقي كل امكانياتها.. وكأن هذا الحزب عاد مجددا لنشاطه السري، فهو يشارك في الاحتجاجات لكن اغلب قياداته غائبة عن المشهد. بل من المثير للاستغراب ان يكون اقتحام مقر جريدته quot;طريق الشعبquot; في اذار المنصرم من قبل قوى الامن، وهو خبر يفترض ان يصبح رئيسيا في الصحف المعارضة كافة، ان يكون خبرا ثانيا في العدد الصادر للجريدة نفسها بعد الاقتحام.
لذلك على القوى السياسية المشاركة في التظاهرات ان تدرك ان هذه المرحلة الانتقالية بحاجة الى مبادرات عملية متعددة تحول دون الانزلاق الى فترة استبداد جديدة. فمن المهم تقديم مشروع سياسي لتشكيل جبهة معارضة خارج مجلس النواب او داخله، كي لا تبقى التظاهرات بدون نتائج سياسية. وايضا لابد من ترك quot;منتصف العصاquot; كسياسة لا لون لها.
ومن المهم لمن يدعي انه داعم لاحتجاجات الشارع، مثل القائمة العراقية والمجلس الاعلى الاسلامي، اتخاذ موقف عملي وصريح وليس مجرد تصريحات للتسويق. لابد من القيام بخطوات حقيقية للدفاع عن مطالب المتظاهرين، وهي؛ مكافحة الفساد، الخدمات، الوضع الاقتصادي، عدم خرق الدستور، حقوق الانسان، الحريات، التعليم، الصحة... وغالبية الناس ليسوا معنيين بالفئة التي ترشح وزير الدفاع او الداخلية، او بتشكيل مجلس السياسات، او باتفاق اربيل، هذه شؤون سياسية بحتة.. في المقابل السياسيون بدوا غير معنيين بمطالب المتظاهرين وما يشكل لهم الاولوية ويدفعهم للضغط وعقد الاجتماعات هو تلك الشؤون السياسية المختلف عليها. ومن يدعي غير ذلك فان مجريات الحوارات تكذبه.
فالكتل السياسية لم تقم بأي حوارات جادة لمناقشة الطريق المناسبة لتوفير الكهرباء وهي قضية اهم من مجلس السياسات بالنسبة للمواطن، او لمكافحة الخرق الامني، او لتحسين الخدمات، او لانهاء سياسة quot;شيّلني واشيلكquot; التي تقف وراء هذا الفساد المستشري، او للدفاع عن الحريات المدنية... الحوار والضغط المتبادل هو من اجل المناصب وتقاسم السلطة في quot;حكومة الشراكةquot;. بل ان التظاهرات تستخدم من قبل البعض لتسجيل النقاط.
اما الرافضون للتظاهرات، وفي مقدمتهم ائتلاف دولة القانون، فان الوقت حان كي يدركوا تراجع سمعة الحكومة كثيرا، ليس بسبب الفساد وسوء الادارة فقط، بل لأنها ايضا امعنت في التعامل بطريقة غير انسانية مع المجتمع... وحتى في حال لم تؤد التظاهرات نتائج سريعة، فان ما حصل خلال الفترة الماضية اوجد شرخا كبيرا بين الناس والمالكي الذي كان ينظر له الكثيرون على انه رجل دولة يحترم مواطنيه.