قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


لقد أثارت تصريحات السيد النجيفي, حول وجود أفكار بإنشاء أقليم للسنة إذا أستمر اليأس والإحباط في المناطق السنية, زوبعة من ردود الأفعال الكثيرة. أن المشكلة أن تلك التصريحات صدرت من رئيس مجلس النواب, أي أعلى سلطة تشريعية في البلاد, ومن رجل رئيس كتلة وعضو قائمة واحد من مبادءها هو الحفاظ على وحدة العراق. ولو اعتذر السيد النجيفي لكان أجدى به, لكنه فسر الماء بعد الجهد بالماء. والحق يقال, إن هناك نظرتان لوصف ما أراد وصفه السيد النجيفي. الأول وهو أن مناطق السنة بالعراق تشعر بالتهميش والإقصاء وسكان تلك المناطق مصابون باليأس والإحباط الذي يمكن أن يؤدي إلى أعلان اقليم خاص بالسنة. نعم, يمكن أن يكون هذا الوصف قريب للحقيقة وهو يمكن أن يصدر من محلل سياسي. أما الثاني فلابد أن يقال أن السنة أمناء على وحدة العراق رغم الإحباطات نتيجة سياسة المركز في بغداد, وهذ تصريح سياسي سيكون قد صدر من رجل سياسي كالسيد النجيفي. فقد لعب السيد النجيفي دور المحلل السياسي ونسى بأنه سياسي يتمتع بمنصب في الدولة العراقية, ففهمت تصريحاته على إنها تهديد.

ولنعد للنظرة الأولى وهي أن سنة العراق يشعرون باليأس والإحباط نتيجة سياسات المركز تجاه مناطقهم. السؤال المهم, هل فقط سنة العراق من يشعر بالإحباط, أم شيعته وكل طوائفه! فشيعة العراق في الجنوب مازالوا يعيشون حالة الفقر والجوع والبطالة حتى أن السماوة سجلت كأفقر محافظة في العراق, أما البصرة فهي جاثمة على بحيرة من الثروة وتعيش بلا ماء كأي دولة افريقية. أضف إلى ذلك بأن الجنوب يعيش حالة إستقرار أمني ولمدة سبع سنوات أكثر من المناطق الغربية. إذن, المشكلة ليست جنوب وشمال وغرب, كل العراق يشعر باليأس من ساسته وحكومته والمشاكل المفتعلة بين أشخاص واحزاب وكتل. بين كتلة رئيس الوزراء المتهمة بالإستحواذ على السلطة وبين كتلة لم يؤدي رئيسها اليمين الدستوري في البرلمان ولم يحضر إلا جلسة واحدة. بين سياسيين ضالعون بالفساد وبالتجارة والربح ونواب لايحضرثلثهم للبرلمان في أحسن الإحوال. في هذا الأداء المتعثر هل سيكون العراقيون يائسون ومحبطون, بالتأكيد نعم. السؤال الثاني, لو أن السنة في العراق إستقلوا باقليم كما يراد ذلك من البعض, وعلى فرض أن الخلافات السياسية في المركز لم تحل, هل ستكون الخطوة التالية هي إعلان الإستقلال! مالحل إذن!

هناك نقطتان تعيقان تطبيق النظام الفيدرالي في العراق. الأولى هي أن مراكز الثروة في العراق موزعة بين الجنوب والشمال, وحصة الوسط والغرب قليلة جدا ً. فأي فيدرالية ستخلق نزاع على مصادر الثروة. الثانية هي أن العراق مقسم ديمغرافيا إلى ثلاث مناطق, سنية في الغرب والوسط وشيعية في الوسط والجنوب وكردية في الشمال. فأي فكرة لفيدرالية ربما ستؤدي بالضرورة للتقسيم وستكون هناك بالتأكيد صراعات في المناطق المختلطة السكان. إذن, فكرة الفيدرالية ربما ستؤدي إلى تقسيم العراق في الوقت الراهن, وهذا ليس بمصلحة أحد من الأطراف.

نعم, إن النظام الفيدرالي نظام راقي في إدارة الدولة, لكنه خطر في حالة مثل العراق, فربما سيؤدي لمزيد من النزاع بين الأطراف المتنازعة. ولكي يحدث ذلك لابد من الحكومة العراقية التركيز على نقطتين جوهرتين. الأولى وهي بأن السياسيين العراقيين الذين أختاروا الديمقراطية الليبرالية كنموذج لإدارة الدولة عليهم أن يدركو أن هذا النموذج لايستقيم مع فكرة مركزية السلطة والقبضة الحديدية. فلابد من التنازل للأطراف بجزء كبير من هذه السلطة وتفعيل دور المجالس البلدية وتحميلها المسؤولية في الكثير من الأمور. النقطة الثانية وهي بأن السياسيين العراقيين الذين أختاروا نموذج إقتصاد السوق والمتوافق مع النموذج الليبرالي عليهم أن يدركو بأن هذا النموذج يؤدي لخلق حكومة ضعيفة مقابل فرد إقتصادي قوي. وعلى هذا الأساس على الدولة أن تركز على الإقتصاد كمصدر قوة والذي يؤدي للتغير الاجتماعي الأفقي بحيث سيجعل من عملية الاندماج الاجتماعي أكثر فاعلية. أن الاندماج الاجتماعي سوف يقلل من خطورة النزعة الانفصالية من خلال الانتقال والاختلاط بين مكونات المجتمع في حركة اقتصادية تشمل كل العراق. فسوف يحتاج أبن الجنوب خبرة أبن الشمال ويحتضنه وسوف يحتاج أبن الغرب أبن الجنوب كيد عاملة لتمشية مصلحته. فما على الدولة الا محاربة الفساد والارهاب وتغيير القوانين والنطام المصرفي بما يلائم عمليات الإستثمار, أي التركيز على التنمية البشرية والاقتصادية.

لابد أن نعرف بان العراق كله يشعر بالوجع من شماله لجنوبه, حتى المناطق الشمالية فيها من الحرمان مايشيب منه الرأس. العراقيون مشتركون في اليأس والإحباط من شمالهم لجنوبهم وفكرة الإنفصال لاتحل المشكلة الأساسية في العراق بل ربما ستؤدي لتقسيم العراق, وتقسيم العراق ليس في مصلحة أحد.

[email protected]