أتعجب وأنا أتابع الكثير من البرامج الحوارية التي تعرضها القنوات الفضائية حول أحداث المنطقة، وخصوصا تلك التي تستضيف محللين سياسيين وبينهم عدد كبير من الدكاترة وبعض من يوصفون منهم بالمفكرين، كيف أن هؤلاء الذين يمثلون الفكر العربي القومي، أو من نسميهم نحن بالقومجية تتحجر عقولهم وتعمى بصائرهم عن رؤية حقيقة ما يجري في المنطقة،وكيف أن معظم هؤلاء يخالفون ضمائرهم الإنسانية من أجل السحت الحرام بدفاعهم المستميت عن الحكام الدكتاتوريين الذي ما زالوا أسارى العهد الستاليني في تعاملهم الوحشي مع شعوبهم، فترى هؤلاء المحللين والدكاترة يملاؤن الفضاء صراخا وعويلا ويستميتون في الدفاع عما بقي من الدكتاتوريات الغاشمة على حساب معاناة الشعوب المستضعفة.

إذا كانت الشهادات العلمية لمن يلقب نفسه بالدكتور ليست مشتراة ببضعة دولارات في دول أوروبا الشرقية السابقة التي كانت الشهادات العلمية تباع فيها بثمن بخس دولارات معدودة، فأنا أظن بأن الأمة العربية قد خسرت الكثير بتعليم هؤلاء في جامعاتها وصرف الأموال الطائلة لتوفير مستلزمات التعليم العالي لهم وتخريجهم ليكونوا قدوة المجتمع، لأن جل هؤلاء ممن يدعون بالدكاترة ويحتلون واجهات الفضائيات ويدافعون عن الدكتاتوريات،إما هم متعلمون فعلا ولكنهم تجردوا من ضمائرهم الإنسانية،أو أنهم مجرد روبوتات تعمل بالريموت كونترول تحركهم أيدي الدكتاتوريات، وإلا فليس هناك أي منطق في دفاع هؤلاء الذين يعتبرون قدوة المجتمع وطلائعه الفكرية عن وحشية أنظمة الجور والإستبداد التي تقمع شعوبها بالدبابات والمدافع مثل مجنون ليبيا ومستأسد سوريا ورئيس قبيلة اليمن تحت ذريعة معاداة أمريكا أو الحلف الأطلسي!!.

فالله سبحان وتعالى حدثنا عن جنود إبليس، ووالله هؤلاء هم جنود إبليس الذين يلبسون الحق بالباطل، ويحيدون عن طريق الحق من أجل المال الحرام.

الكثيرون من أبناء جلدتي من الكرد يعترفون بأفضال العقيد معمر القذافي على القضية الكردية التي ناصرها في العديد من المناسبات، وكانت له محبة في قلوب الشعب الكردي عرفانا منهم بتلك الفضائل ومده يد المساعدة لهم في الظروف الصعبة التي واجهت الحركة التحررية الكردية، ولكن ما يفعله القذافي اليوم بشعبه يفوق ما يتصوره الإنسان، فالجرائم النكراء التي يقترفها ضد أبناء بلده هي بكل المقاييس جرائم ضد الإنسانية، والحمدلله أننا تحررنا من النظام الدكتاتوري العراقي وأصبح لنا إقليمنا المتحرر في كردستان، فلو كنا ما زلنا رازحين تحت نير تلك الدكتاتورية ورابضين في جبال كردستان، لما تردد القذافي بدعوة بيشمركتنا الى ليبيا للدفاع عن نظامه، بل وكان سيسمح لهم بإغتصاب بنات شعبه، كما فعل أخيرا بإستقدام أعداد من المرتزقة الأفارقة الذين سبق وأن أغدق عليهم الأموال الطائلة في لحظة جنون العظمة التي نصبته ملكا لملوك أفريقيا.

عندما خرجت التظاهرات السلمية في ليبيا بداية الثورة واجهها العقيد المجنون بالمدافع والرشاشات، ولولا إسراع المجتمع الدولي بإدانته وثم تفويض حلف الناتو للدفاع عن الشعب الليبي، لما توانى هذا المجنون من قتل شعبه بالأسلحة الكيمياوية والإبادة الشاملة كما فعل من قبله دكتاتور العراق ؟ ألم يصفهم بالفئران، وهكذا فعل صدام عندما جرب أسلحته الكيمياوية على دماء مسحوبة من الشباب الكرد المعتقلين في سجونه على إعتبارهم فئران التجارب!.

عندما يخرج مئات ألوف من الشعب الليبي الى الشارع وهم لا يحملون أي سلاح وتواجههم دبابات العقيد ومدافعه فماذا يبقى لهم من خيار غير الإستعانة بحلف الناتو ليوقف دكتاتورهم المجنون عند حده؟.

لو لم يستعن الكويتيون ببداية التسعينات بقوات التحالف لإخراج صدام حسين الذي إحتل بلدهم في فورة جنون دكتاتورية، هل إستعاد الكويتيون بلدهم، أم أنهم كانوا ما زالوا مشردين مثل الفلسطينيين في مشارق وطنهم العربي ومغاربه يتجرعون حنين العودة الى بلدهم ؟.

لو لم يلجأ العراقيون عام 2003 الى قوات الحلفاء لإسقاط نظام صدام حسين لكان العراقيون اليوم تحت رحمة نجله عدي الذي كان أكثر جنونا من بشار الأسد وأكثر منه تهورا وأكثر منه وحشية في إغتصاب بنات العراق!.

لو لم يتلق الشعب السوداني الجنوبي الدعم الدولي لما إستطاع أن يعلن دولته المستقلة ويخرج من تحت رحمة دكتاتور السودان المتهم بإرتكابه لجرائم الحرب ضد شعبه.

حتى النظام المصري لولا إستعانته بالأسلحة الأمريكية لما إستطاع أن يصمد لحظة واحدة تجاه تهديدات إسرائيل وأن يحافظ عل بلده كل تلك السنين التي أعقبت حرب اكتوبر.

كل الأنظمة العربية في مشارق المنطقة ومغاربها تستعين اليوم بأمريكا والدول العظمى سواء من خلال شراء الأسلحة منها أو من خلال إتفاقيات الدفاع المشترك للحفاظ على إستقرارها، فلماذا يحرم على الشعوب العربية أن تحتمي أو تستنجد بأمريكا أوالغرب للدفاع عنها عندما تتعرض الى مذابح وجرائم القتل الجماعي كما يحدث اليوم في ليبيا وسوريا واليمن؟.

أيهما أرحم للشعوب العربية ياترى، الأجانب الذين يجلبون أبنائهم من أقاصي الأرض ليدافعوا عن الشعوب العربية ضد الدكتاتوريات الحاكمة وفيهم من يقتل في سبيل الدفاع عن مبادئه الإنسانية، أم أولئك المدافعين عن الحكام الذين لا يتركون السلطة في بلدانهم إلا على جماجم مئات الألوف من أبناء شعبهم وتدمير الأخضر واليابس فيها؟.

لخمس وثلاثين سنة عارض العراقيون بملايينهم نظام القمع والإستبداد الصدامي، وخرج منهم مئات الألوف الى سوح النضال في الداخل والخارج، في جبال كردستان وأهوار الجنوب، وتشرد الآلاف من خيرة العقول البشرية والفكرية في منافي الأرض، ووقع أكثر من مليوني قتيل بمغامرات وحروب صدام، وتشرد مليونين آخرين بسبب سياساته الدكتاتورية، وماذا كانت النتيجة، كان الفشل نصيبهم لأن موازبين القوة لم تكن متكافئة بينهم وبين دولة الإستبداد والقمع، حتى جاءت أمريكا وإستطاعت أن تسقط نظام الجور والظلم في العراق في ظرف ثلاثة أسابيع فقط، فلا يفل الحديد إلا الحديد كما يقال.

فهل يريد هؤلاء المدافعين أن تبقى الشعوب تحت رحمة تلك الأنظمة الدكتاتورية الى أبد الآبدين، ها قد ترك الأسد الحكم لولده ليحكمه أربعين سنة أخرى بالحديد والنار كما فعل هو ذلك. وهذا علي عبدالله صالح يهيأ ولده رئيس الحرس الجمهوري لتوريثه السلطة من بعده لخمس وثلاثين سنة، وذاك إبن القذافي سيف الإسلام ينتظر دوره لتسلم الحكم بعد والده لأربعين سنة أخرى، فهل هؤلاء سيكونون أرحم من آبائهم الذي أذاقوا شعوبهم المر والهوان ؟.

بأي منطق يدفاع هؤلاء الدكاترة عن أنظمة عفا عنها الزمن، أنظمة ما زالت تتعامى عن ثورة التكنولوجيا وعن تقدم المجتمعات البشرية، وتتعامل مع الأوطان كأنها ضيعة مسجلة بإسمهم في دوائر الشهر العقاري، وأن من عليها هم أملاك خاصة لهم ونسائهم حريم لهم؟.

هؤلاء الذين نصبوا من أنفسهم محامين عن الأنظمة الدكتاتورية أرجو الله أن ينطبق عليهم نص قوله الكريم في محكم كتابه العزيزquot; quot; وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ.قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ.تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ.إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ.فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ.وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ.فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ quot;.



[email protected]