تغيير (مركز الثقل) السياسي والعسكري في الشرق الأوسط هو أحد محاور النقاش في بيوت التفكير الآن، حيث أصبح الصراع المهيمن والرئيسي في المنطقة يتركز في (الخليج) أساسا، وهو ما يتطلب تعاونا من نوع خاص بين القوي الدولية والإقليمية، يقابله بالتوازي مجموعة من التحركات الدبلوماسية الواعية، وفي نفس الوقت، من دول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وحين نشرت مقالي في إيلاف المعنون: quot;هل يسقط quot;الناتوquot; أوباما في مسقط رأسه؟
quot;، كان في ذهني متابعة هذا الموضوع الذي يتعلق أساسا بالتحولات الدرامية التي يشهدها الشرق الأوسط الكبير وفي القلب منه quot;أفغانستانquot;.. quot;مقبرة الإمبراطورياتquot; علي امتداد التاريخ.
والواقع أن أفغانستان حين شرعت في لملمة جراحها وجسدها المنهك من الحروب والأطماع، لم تختار أيا من الدول الكبري: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، أو حتي: الهند وباكستان واليابان وإيران، وإنما لجأت إلي السعودية لطلب النصيحة والدعم لتحقيق السلام، وكان لقاء وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ونظيره الأفغاني زلماي رسول في الرياض هو نقطة الانطلاق حيث وصف زلماي العلاقة مع السعودية: quot;بالعمود الفقري للسياسة الخارجية الأفغانية بإجماع كل الأطراف علي تباينهاquot;.
لكن يبدو أن هذه الخطوة التي فاجأت الدول الكبري وغيرها من دول العالم، قلبت العديد من هذه الدول علي المملكة، خاصة روسيا التي فقدت السيطرة علي تصريحات مسئوليها الذين سقطت عنهم الأقنعة الدبلوماسية، ناهيك عن أنها قلبت موازين معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية خاصة مع الوعود التي قطعها الرئيس أوباما منذ وصوله إلي البيت الأبيض بالانسحاب من أفغانستان عام 2014، والأحداث المؤسفة التي وقعت في أفغانستان خاصة قتل المدنيين، إذ أصبح هناك قناعة شبه كاملة بأن المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالله ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل تستطيع أن تغير دفة أعقد الأمور في المنعطفات التاريخية الحرجة.
مهارات الدبلوماسية السعودية في أفغانستان كشفت للرأي العام الأمريكي ما هو أبعد من ذلك: أن حركة المياة الجوفية المستمرة والمتسارعة في الشرق الأوسط تشير إلي خطورة الوضع الاستراتيجي في العالم انطلاقا من quot;الخليجquot;، حيث تراجع الصراع العربي ndash; الإسرائيلي إلي الهامش وربما جاء في المركز الرابع بعد النووي الإيراني والأزمة السورية وما سمي بالربيع العربي.
هذا من جهة، من جهة أخري فإن التحرك الدبلوماسي السعودي لابد وأن يقابله تغييرا في اتجاه الاستراتيجية الأمريكية (الحالية والقادمة) وتعاملها مع قضايا المنطقة الحيوية. ولا يعقل مثلا أن يكون (أمن النفط) أو تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية علي حساب معاناة دول المنطقة وإفقار شعوبها وتخلفها.
تاريخيا كان النفط (تحت الأرض) يحرك البر والبحر والجو من خلال الأزمات الاقتصادية، ففي الأربعة عقود الماضية تسببت اضطرابات الشرق الأوسط في الركود الاقتصادي العالمي ثلاث مرات: حرب أكتوبر 1973، الثورة الإيرانية عام 1979، غزو العراق للكويت عام 1990. ناهيك عن أن أسعار النفط لعبت دورا جوهريا في الأزمة المالية العالمية في صيف عام 2008 حيث بلغ برميل البترول 148 دولارا وهو ما مثل ضربة موجعة للاقتصاد العالمي الضعيف والمبتلي بالصدمات المالية، حسب تعبير البروفيسور quot; نوريل روبيني quot;.
وأشير هنا إلي تغير مهم ظهرت بوادره داخل المطبخ الأمريكي حيث هدأت نبرة الصقور الذين لطالما طالبوا: quot; بأن علينا دعم ميزانيتنا (الولايات المتحدة) وإضعاف ميزانية (دول الخليج). أما الطريقة الفضلي لتحقيق ذلك في خطوة واحدة فتكمن في فرض ضريبة كبري علي البنزينquot;.
لقد كشفت قمة حلف شمال الأطلنطي في شيكاغو في مايو الماضي، عن تبني quot;الناتوquot; لاستراتيجية جديدة في أفغانستان تحدد معايير وصيغ التواجد العسكري الأجنبي بعد عام 2014، لكن علي الجانب الآخر - وفي خطوة استباقية لهذه الاستراتيجية - بدأت روسيا في مغازلة حركة طالبان صراحة ووصف بيان صادر عن الخارجية الروسية quot;حركة طالبانquot; بأنها: quot;ظاهرة أفغانية بحتة لا تنوي الخروج من البلد أو مهاجمة أحدquot;.
من هنا فإن دخول الدبلوماسية السعودية الهادئة علي الخط في أفغانستان، باعتبارها قلب العالم الإسلامي ومركز الثقل الاستراتيجي - في الوقت الحاسم ndash; شكل ازعاجا لروسيا وربما الصين، فضلا عن أن السؤال الذي فرض نفسه علي بيوت التفكير في الولايات المتحدة، هو: هل تنقذ التحركات السعودية أوباما في الانتخابات القادمة؟.. خاصة مع تصاعد المخاوف الأمريكية من استثمار المتشددين في حركة طالبان الذين يعارضون التفاوض مع القوات الأمريكية الراحلة تداعيات الوضع في أفغانستان؟
[email protected]