بقلم إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو، خاص بإيلاف

بعد استهداف جسر موستار القديم وتماثيل بوذا العملاقة في باميان، ها هي مقامات تمبكتو تتعرض اليوم لاعتداء يضع الثقافة من جديد في دائرة النزاع...

بدأ مسلحون تابعون لجماعة أنصار الدين التي تسيطر على جزء كبير من شمال مالي بتدمير المقامات القديمة في تمبكتو. ووصل التعصب بالبعض إلى تدمير نصف عدد مقامات المدينة في غضون ثلاثة أيام فقط.

وبات الوضع في تمبكتو التي سقطت في أيدي المتمردين منذ كانون الثاني/يناير الماضي خارج حدود المعقول وتحولت مالي التي كانت تُعد من أكثر الديمقراطيات استقراراً في أفريقيا الغربية إلى بلد يتخبط في حالة من الفوضى أدت إلى تشريد أكثر من ثلاثمائة شخص.

وولّد تدمير مقامات تمبكتو أزمة أخلاقية وثقافية أتت لتزيد من حدة الأوضاع الإنسانية المأسوية في مالي. وهذا الدمار ليس مجرد حادث أو آثاراً جانبية مؤسفة نجمت عن النزاع الدائر في البلد، بل أتى نتيجة اعتداء متعمّد نُفذ بدم بارد لاسترعاء انتباه دول العالم وتدمير الحصون الأخيرة لهوية سكان مالي وقوتهم.

ونَفذّت هذا الاعتداء جماعة مسلحة صغيرة تلجأ إلى العنف لفرض تفسيرها للدين على مجتمع محلي مصاب بالذهول، مما يؤدي إلى زعزعة أسس التسامح والتبادل التي قام عليها مجتمع مالي على مدى قرون من الزمن.

وعلينا أن ندرك حقيقة ما يحصل في مالي. فالأمر لا يقتصر إطلاقاً على مجموعة من المنشآت المبنية من الطين والخشب، على الرغم من القيمة التي تكتسيها هذه الأبنية. فتمبكتو ليست مدينة عادية. تمبكتو مدينة quot;حكايات 333 ولياًquot;. إنها مدينة قديمة شكلت حلقة وصل هامة في الصحراء الكبرى وهي موقع تاريخي للدين الإسلامي وتعاليم الإسلام. والاعتداء الذي استهدف التراث الثقافي في تمبكتو هو اعتداء موجّه ضد هذا التاريخ وقيم التسامح والتبادل والعيش معاً التي يحملها، وهي قيم تقع في صميم الديانة الإسلامية. إنه اعتداء على الدليل المادي الذي يؤكد أن السلام والحوار ممكنان وهو اعتداء أجمع زعماء الدين في شتى أنحاء العالم على شجبه.

وقد وصفت المحكمة الجنائية الدولية الاعتداء بجريمة حرب. أما نحن، فنعتبره اعتداء على البشرية جمعاء ومحاولة لعزل الناس واستبعادهم وقطع الروابط القائمة بينهم.

ولا يوجد أي تبرير لهذا التدمير الغاشم. وإلى جانب الإدانة الدولية للاعتداء، علينا أن نعمل جاهدين لحماية تراثنا المشترك بوصفه إحدى أثمن الوسائل التي نملكها لبناء السلام وتعزيز التفاهم في عالمنا الذي يعيش عصر العولمة.

ولا بد من التذكير بأن حماية الثقافة ليست ترفاً، بل إنها مسألة أمنية. والاعتداءات التي تستهدف التراث الثقافي هي اعتداءات تستهدف هوية المجتمعات ويمكن أن تؤدي بالتالي إلى دمار قد يتعذر إصلاحه لما يتركه من آثار تبقى قائمة لفترة طويلة بعد أن يهدأ صوت المعركة. والاعتداءات التي تستهدف التاريخ تجعل من الصعب جداً تحقيق المصالحة في المستقبل.

وإننا على يقين بقوة التراث العالمي الذي يحقق التلاحم بين المجتمعات المنقسمة ويعزز التعاون الدولي في المناطق والبلدان التي تمر بمرحلة عصيبة. وشهدت على ذلك بنفسي في جنوب شرق أوروبا، على سبيل المثال، عندما ساعدت اليونسكو على إعادة بناء جسر موستار القديم الذي دُمر خلال الحرب التي شهدتها البوسنة والهرسك في التسعينات. وتشارك اليونسكو اليوم أيضاً في أعمال الترميم الجارية في وادي باميان بأفغانستان.

وفي وقت تتسارع فيه وتيرة العولمة، أصبحت حاجة الناس إلى حماية هويتهم وشعورهم بالانتماء أقوى من أي وقت مضى. وللثقافة اليوم دور مركزي في بناء السلام ودرء النزاعات، وهذا هو بالتحديد السبب الذي يجعل منها هدفاً سهلاً بالنسبة إلى الجماعات المتعصبة.

وقبل أربعين سنة، اعتمدت دول العالم اتفاقية التراث العالمي بناءً على فكرة مفادها أننا نتقاسم تراثاً عالمياً يحقق الترابط بين جميع الثقافات، وهي فكرة ستحاول الجماعات المتعصبة في بقاع العالم كافة إلى محاربتها دائماً. ويجب أن تحثنا الاعتداءات التي شهدتها تمبكتو على تجديد التزامنا بحماية الثقافة. ومثلما كان الوضع عليه قبل أربعين سنة، إننا نحتاج اليوم إلى حركة تضامن عالمية جديدة انطلاقاً من تمبكتو.

وأدعو جميع أطراف النزاع إلى وقف هذه الأعمال المأساوية التي تتسبب بأضرار لا يمكن تداركها، وإنني أعمل على تعبئة اليونسكو برمتها كي توفّر الدعم لحكومة مالي وشعبها. ولقد أجريت محادثات مع قادة مالي ومختلف بلدان المنطقة ودعوتهم إلى استخدام كل ما يملكونه من نفوذ لمساعدة شعب مالي على تسوية الأزمة الراهنة من خلال الحوار.