عدت من مصر قبل أيام، بعد رحلة قصيرة جددت فيها العهد مع عدد من الأصدقاء الأعزاء الذين أحببت من خلالهم بلاد الكنانة منذ سنين طويلة، على رأسهم الأستاذ محفوظ عبد الرحمن، الكاتب و السيناريست المعروف، صاحب الأعمال الخالدة كquot;ليلة سقوط غرناطةquot; و quot;حفلة على الخازوقquot; و quot;بوابة الحلوانيquot; و quot;ناصر 56quot; و quot;أم كلثومquot;، و المرشح الأبرز اليوم لنيل جائزة الدولة، فهو آخر quot;الكبار الأحياءquot; أطال الله في عمره، خصوصا بعد رحيل الكاتب أسامة أنور عكاشة قبل عامين تقريبا.
و يعتبر الأستاذ محفوظ حكم quot;الإخوان المسلمينquot; في مصر الحالية quot;حكما طائفيا بامتياز، و من هذا المنطلق فقد كرهه غالبية المصريين في فترة قياسية. قال لي الأستاذ: quot; لقد عاصرت حكم الملك فاروق و محمد نجيب و جمال عبد الناصر و أنور السادات و محمد حسني مبارك، وها أنا أعاصر حكم الإخوان المسلمين، و لاحظت أن انقساما قد ميز الناس دائما في ظل حكم الأوائل بين متفائل و متشائم، فيما بدا الإجماع واضحا في ظل حكم الإسلاميين حيث يخيم التشاؤم و الإحباط و اليأس على الجميعquot;.
و أضاف الكاتب المصري الذي لا تخلو لغته محكية و مكتوبة من روح الدعابة، quot;شخصيا لدي أصدقاء ليبراليين و يساريين و قوميين و مستقلين إلا أنني لم أفلح في أن يكون لي صديق واحد من الإخوان، دمهم ثقيل يا أخي، و قد عممت السؤال على جميع من أعرفهم فكان جوابهم مشابها، أنه ليس لديهم أصدقاء quot;إخوانجيةquot;، و ربما كان لبعضهم معارف من بينهم لا غيرquot;، و هو ما سمعته أيضا في تونس حيث لا أصدقاء للإسلاميين، فاعتقادهم امتلاك الحقيقية و إيمانهم بوجود تكليف ما لهم بهداية الناس إلى السراط المستقيم عادة ما يدفعهم للتدخل فيما يعتبره الآخرون خصوصيات في حياتهم الشخصية، إن كانوا يؤدون فريضة الصلاة أم لا، و إن كانت زوجاتهم و أخواتهم و بناتهم يرتدين الحجاب من خلافه، و إن كانوا يفكرون في إعفاء اللحى و قص الشوارب؟..إلخ.
و يتوقع الأستاذ محفوظ سقوط حكم الإخوان المسلمين واقع لا محالة، لعاملين أساسيين على الأقل، أولهما الطبيعة الطائفية للحركة المشار إليها، و التي ستجعلهم باستمرار غرباء عن المجتمع و الدولة و العصر، و ثانيهما الفشل الذريع لحكمهم على كافة الأصعدة حيث تمرغ هيبة الدولة كل يوم في الوحل و يعمل حزب العدالة و الحرية على quot;أخونةquot; الدولة بكل ما أوتي من لهفة و نهم و سرعة، و حيث تداعت مرافق الحكومة الواحدة تلو الأخرى إلى الخراب و الانهيار و العجز و شعرت الشرائح الشبابية التي قامت بالثورة بمرارة سرقة مجهودها و خيانة دماء شهدائها.
الإخوان و النهضة: أيهما الأصل..و أيهما النسخة؟
و يبدو الشبه واضحا بين الحالتين التونسية و المصرية للجميع تقريبا، من سواق quot;التاكسيquot; الذين سألت كل من ركبت معه من بينهم عن رأيهم في حكم الإخوان فكانت إجابتهم واحدة، ساخطة و متذمرة و كارهة و لاعنة، حتى و إن جاءت بعبارات متباينة و من مداخل متعددة، إلى النخب من إعلاميين و سياسيين و حقوقيين، فغالبيتهم يرون أن تونس و مصر رجع صدى لبعضهما و أن كلاهما مؤثر في الآخر، و لئن كانت تونس برأيهم سباقة في إسقاط الديكتاتورية السابقة، فإنهم يتطلعون كما قالوا إلى رد الجميل بأن تكون مصر سباقة لإسقاط حكم الإخوان.
و قد لاحظ مهتمون بالشأنين التونسي و المصري أن حزب الإخوان المسلمين اختار العدالة و الحرية اسما له لكنه اختارquot;النهضةquot; أو quot;نهضة مصرquot; عنوانا لبرنامجه الانتخابي الذي لم ينفذ منه الرئيس مرسي إلى حد الآن بندا واحدا، و عموما فإن quot;إخوان النهضةquot; في تونس هم تقريبا quot;نهضةquot; الإخوان في مصر، و أن خطابات و سلوكيات و تناقضات و تخبط الاثنين واحد و لله الحمد و الأمر من قبل و من بعد.
و كما يشير التونسيون إلى هذه الازدواجية بين ظاهر يحكمه السيد حمادي الجبالي و باطن يسوده الأستاذ راشد الغنوشي، فإن المصريين قد ضجوا من حكم quot;المرشدquot; الباطني و حكم quot;مرسيquot; الظاهري، و يرفع ثوار ساحة التحرير شعارا صارخا عريضا بأن تسقط هذه الازدواجية و بأن يسقط حكم المرشد.
و يتحدث المصريون عن quot;خيرت الشاطرquot; نائب المرشد العام للإخوان المسلمين و عدد من إخوانه من رجال الأعمال الإخوانيين، ممن هبوا فجأة يأكلون الأخضر و اليابس، يستولون على الشركات المفلسة خاصة و عمومية، و يصورون مشروع حكم جماعتهم quot;غنيمةquot; توزع على الإخوة و الموالين و المؤلفة قلوبهم، و هو ما يتطابق تماما مع حديث التونسيين عن quot;طرابلسية جددquot; بدا أن شرههم فاق كل تصور و سابق quot;الطرابلسية القدامىquot; في السرعة و الزمن.
و تحضر قطر بquot;صكوكها الإسلاميةquot; المحرمة من قبل مشيخة الأزهر الشريف، و التي قيل أن الإخوان أرادوا من خلالها بيع مصر بالتفصيل قطعة قطعة من الأبواب الخلفية المخادعة و المواربة، كما تحضر بquot;قروضها البنكيةquot; التي تبين أن الثابت منها قد منح لتونس بفوائض عالية لا تعبر عن أي أخوة أو صداقة مزعومة، و أن غالبيتها كانت وعودا زائفة لا أثر لها في الواقع و الحقيقة.
شاب ثوري و مواطن طيب
و من ألطف ما قرأت في خاتمة رحلتى المصرية، مقالا للكاتب و الأديب المشهور quot;علاء الأسوانيquot;، الذي كان متعاطفا مع الإخوان قبل الثورة لكنهم خسروه كما خسروا مئات المتعاطفين مع محنتهم الماضية، من سياسيين و مثقفين و إعلاميين و عموم المصريين، و هو السلوك الذي لم يعدم التونسيون له شبيها في مآثر حركة النهضة طيلة الأشهر الماضية التي حولت بموجبها عشرات quot;إخوان النضالquot; إلى خصوم سياسيين.
و قد نشر الأسواني مقاله في quot;المصري اليومquot; الصحيفة اليومية الأكثر انتشارا في المحروسة، و هي بنظر الإخوان من إعلام quot;الفلولquot; أو quot;إعلام العارquot; كما اختار الإسلاميون في تونس كل إعلام لم يسر في ركابهم الميمونة. و جاء المقال في شكل حوار مفترض بين شاب ثوري جاء حيا شعبيا للتعبئة لمظاهرات الاحتفال بالذكرى الثانية للثورة و مواطن مصري طيب على أعتاب الشيخوخة كان يرى بعض الظلم في عدم منح الرئيس مرسي وقتا كافيا لتنفيذ برنامجه المعلن، و هو حوار تونسي ممكن أيضا.
يقول الشاب الثوري في محاولة منه لصياغة رؤيته السياسية بمعية أصدقائه للوضعية السائدة في بلاده بعد عامين من سقوط حكم مبارك و قيام حكم الإخوان، بعبارة بسيطة تكون في متناول محاوره المواطن الطيب، أن مثل الرئيس مرسي مع الشعب كمثل سائق تاكسي مع راكب اتفق معه على إيصاله للساحل الشمالي، و بعد انطلاق السيارة تبين أن الاتجاه لم يكن المتفق عليه و أن السائق يحث الهمة في اتجاه الجنوب، فما هو الموقف الصائب الذي على الراكب أن يتخذه، هل يترك السائق يصل به الصعيد ليحتج عليه و يأمره بالعودة، أم يطالبه بالتوقف فورا و تخييره بين تنفيذ وعده بإعادة توجيه السيارة إلى الساحل الشمالي، أو إيقاف الرحلة.
و لم يكن الأسواني وحده من يطالب بإيقاف رحلة الإخوان بالبلاد في الاتجاه المعاكس الخاطئ، بل إن كثيرا من الكتاب و المبدعين و المحللين يشاطرون صاحب quot;عمارة يعقوبيانquot; و quot;شيكاغوquot; الرأي، فقد جازف أحدهم بتقديم استشراف لنهاية مأسوية ممكنة لحكم الإخوان، تظهر أمارات كثيرة عليها اليوم في ميدان التحرير و الاسكندرية و مدن القنال و تحركات quot;التراسquot; النوادي الرياضية، كما تظهر في البيانين اللذين أصدرهما وزير الدفاع الجديد و قائد القوات المسلحة اللواء عبد الفتاح السيسي، و فيهما تحذير واضح بليغ بأن الجيش المصري لن يسمح بانهيار الدولة و لن يكون طرفا على حساب طرف في صراع كسر العظم بين الإخوان المعزولين و المعارضة المصممة..فماذا ترى حركة النهضة في تونس فاعلة إن سقط حكم الإخوان في مصر؟